أخبار - 2026.07.10

قرقنة... أرخبيل يجمع بين التاريخ والروحانية والهوية التونسية

قرقنة... أرخبيل يجمع بين التاريخ والروحانية والهوية التونسية

قبالة سواحل صفاقس، تختصر جزر قرقنة صورة تونس الهادئة والأصيلة، فهي تجسد روح البلاد المتجذرة في أرضها، حيث تمتد الجذور عميقًا في تربة الأجداد، بينما ترتفع الأغصان نحو السماء في انسجام دائم بين الإنسان والطبيعة، وبين العالم الكبير والعالم الصغير.

قطعة من الجنة على الأرض

تروي الأسطورة أن الله، عندما كان يبدع الجنة، كان يستبعد ما لا يراه مناسبًا، ومن تلك الأجزاء وُلدت جزر قرقنة. لذلك تبدو هذه الجزر وكأنها تجمع بين عناصر مختلفة ومتباينة، لكنها تتكامل في تناغم فريد يمنحها شخصية استثنائية.

ويجد هذا المعنى صداه في الواقع اليومي للجزيرة، حيث تتجسد وحدة التنوع التي تتحدث عنها العلوم الإنسانية الحديثة، وهي الفكرة التي عرفها القدماء تحت مفهوم "الوحدة المتعددة".

وليس من قبيل الصدفة أن تشتهر قرقنة برياحها الدائمة حتى أصبحت تُعرف بالجزيرة العاصفة. ويحكي كبار السن من أهلها أن الأرواح تستيقظ عند غروب الشمس، حين تعبر النسائم الحقول الهادئة، وتتوارى آخر خيوط الضوء بين كروم العنب وأشجار التين والنخيل، فيما تهمس أمواج البحر للشاطئ. وعندها، تبقى الأرواح ساهرة حتى طلوع الفجر، تروي للحالمين أسرار الحياة وأخبار العالم الآخر، ذلك العالم الذي جاءت منه قرقنة.

نسمة السماء

يرى أهل الجزيرة أن الريح ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل هي نفحة من عالم الأرواح، وتذكرة بالأصل السماوي للجزر. وهي أيضًا أنغام صوفية، ذلك السماع الذي يمنح الإنسان روحه، إذ لا قيمة لجسد بلا روح.

وفي موسيقى الريح يكمن سر روح قرقنة. وقد قال الشاعر والمتصوف جلال الدين الرومي، مؤسس الطريقة المولوية، إن في إيقاعات الموسيقى سرًا لو انكشف لقلب العالم رأسًا على عقب.

كما رأى الشيخ الجنيد أن ريح قرقنة تحمل نسيمًا من الجنة، يوقظ في الإنسان ذكرى اللحظة الأولى التي نفخ الله فيها الروح في آدم، فتعود النفس إلى التطلع إلى أصلها الأول.

منفى لنساء القصور

أما التاريخ، فيخبرنا أن جزيرة مليتة، أكبر جزر الأرخبيل، كانت في زمن البايات مكانًا يُنفى إليه بعض النساء المتهمات بالزنا من محيط البلاط، عقابًا لهن وإبعادًا عن العاصمة.

ولا تزال آثار ذلك الماضي حاضرة في شخصية أهل المنطقة؛ ففي نسائها كبرياء واضح، وفي رجالها صلابة معروفة، حتى وإن كان سكان قرقنة مشهورين عمومًا بطيبة القلب ولين المعاملة، إلى جانب إرادة قوية لا تلين.

ولعل خير من جسّد الشخصية التونسية الأصيلة هو ابن قرقنة الزعيم الوطني فرحات حشاد، الذي أصبح رمزًا للوطنية والنضال في تونس.

جزر الأسطورة

قد لا يلاحظ الزائر هذه الروح من الوهلة الأولى، فقد ترك الزمن بصماته على كل شيء. لكن قرقنة، رغم تغيراتها، ما زالت تحتفظ بجوهرها العميق، فهي ليست مجرد أرخبيل قبالة صفاقس، بل كائن حي يحمل ذاكرة وتاريخًا وروحًا.

ومن ينظر إليها بعين القلب، لا بعين البصر فقط، يراها كما كانت دائمًا: أسطورة حية.

ومنذ الطفولة، بقيت قرقنة في الذاكرة أرضًا من النخيل، وبحرًا أزرق، ورمالًا ذهبية، وشواطئ ساحرة تمتد خلفها بساتين الزيتون وكروم العنب. وهناك، عند ضفاف البحيرات المتلألئة، ترتسم صورة فتاة من الجزيرة، هي ذاتها التي تحدث عنها هيرودوت عندما وصف "كيرانيس" الإغريقية، أو "سيرسينا" الرومانية، بأشجار الزيتون العريقة، وأشجار التين الوارفة، والكروم المتشابكة، وأصوات الحشرات التي لا تنقطع في مهب الرياح.ولا تزال هذه الفتاة تستقبل زوار الجزيرة بابتسامتها الدائمة، وقد ترتدي أحيانًا "القندورة"، وهو اللباس التقليدي المعروف في قرقنة، بينما تتسلى بتناول "القليبات" (بذور دوار الشمس المحمصة)، في مشهد يعكس بساطة الحياة اليومية.

وبين أعمال البيت والحقل، سواء ارتدت اللباس التقليدي أو العصري، تحرص على رعاية أحد الأولياء الصالحين المنتشرين في الجزيرة، إذ يكاد لا يخلو كل دوار من مقام أو زاوية.

ورغم كثرة الأدعية التي ترددها، فإنها تؤمن بأن الصلاة الحقيقية ليست في الأقوال وحدها، بل في العمل الصالح وخدمة الناس والعيش في سلام مع الطبيعة ومع الآخرين.

وهكذا يعيش أهل قرقنة، في انسجام مع محيطهم، ليجسدوا جانبًا أصيلًا من روح تونس الريفية.

حقيقة صوفية

ورغم أن العمران الحديث زحف على كثير من المساحات الطبيعية، فإن قرقنة ما زالت تحتفظ بروحها الحرة.

فبينما يخرج الرجال إلى البحر طلبًا للرزق، تنشغل النساء بحرث الأرض والعناية بها، وكأنهن يعزفن سيمفونية من العمل والإخلاص والارتقاء بالنفس. فالأرض، كما البحر، ليست مجرد مصدر للعيش، بل قيمة تستحق الاحترام والتقدير.

وتلفت مقابر القرى الأنظار بما يبدو عليها من بساطة وإهمال؛ فشواهد القبور مكسورة أحيانًا، ولا أثر للفخامة أو الزينة. لكن هذا المشهد يعكس نظرة مختلفة إلى الحياة والموت.

ففي قرقنة، لا يحتاج الإنسان إلى قبر فاخر، لأن الروح لا تسكن التراب، بل تعيش في ذاكرة من أحبوه. ولهذا تبدو المقابر البسيطة نشيدًا للحياة الحقيقية، تلك التي تستمر بعد الموت، لا الحياة الزائلة العابرة.

فالإنسان قد يكون ميتًا وهو على قيد الحياة إذا فقد أجمل ما في إنسانيته، وقد يبقى حيًا بعد رحيله إذا ظل أثره الطيب في القلوب.

ولهذا، يؤكد بعض سكان قرقنة، من غير أن يكونوا من المتصوفة، أنهم يشعرون بحضور أرواح أحبائهم الراحلين، فيرددون ما يشبه قول الأديب الفرنسي فيكتور هوغو: "الأموات غير مرئيين، لكنهم ليسوا غائبين."

فرحات عثمان
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.