أخبار - 2026.07.05

أربعة دروس ينبغي استخلاصها من "الفشل السعيد" الذي منيت به الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران!

أربعة دروس ينبغي استخلاصها من "الفشل السعيد" الذي منيت به الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران!

بقلم محمد إبراهيم الحصايري - في الحقيقة، عديدةٌ هي الدروس التي ينبغي استخلاصها، وخاصة وضعها نصب الأعين، من "الفشل السعيد" الذي منيت به الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.
ومع ذلك، فإنني سأركّز حديثي، في هذا المقال، على أربعة من هذه الدروس التي أرى أنها الأهم، والتي تتمثل فيما يلي:

الدرس الأول

هذا الدرس هو، في نظري، الدرس الأساسي، لأنه يكتسي طابعا وجوديا، ويكرّس حقيقة كونيّة تنطبق على الجميع، في كل مكان وفي كل الأحقاب، ذلك أنه يؤكد، مرة أخرى، أنّ ما يسمّيه أبو القاسم الشابي "إرادة الحياة" لا يمكن إلا أن تنتصر في نهاية المطاف. وإيران، التي أثبتت، بقوة وحزم، أنها "تريد الحياة" من خلال مواجهتها للحرب الظالمة وغير المشروعة التي شنّها عليها الثنائي الإسرائيلي الأمريكي في 28 فيفري 2026، برهنت، من جديد، للعالم بأسره، على أن الشعوب التي تتمسك، بكل صلابة، بكرامتها وحريتها، وترفض رفضا قاطعا، الخضوع والانحناء، ولا تتردد في تقديم كل التضحيات الواجبة دفاعا عن سيادتها واستقلالها، وحفاظا عليهما، لا يمكن إلا أن تدحر القوة الغاشمة للمعتدين   عليها...

وبالرّغم من أن إيران ما فتئت، على امتداد ما يناهز العقود الخمسة الماضية، تعاني من أحد أشدّ الحصارات التي عرفها العالم المعاصر، وتكابد من عقوبات ما انفكت تتوسع وتتكثف، فإن "إرادة الحياة" التي تحدوها تجلت سواء خلال الأربعين يوما من أيام الحرب، أو خلال الشهرين من المفاوضات التي تلت وقف إطلاق النار في 8 أفريل 2026.

وهكذا فإنها أقامت الدليل، أولا على المستوى العسكري، على قدرتها المدهشة وغير المنتظرة، على الردّ، بكل حزم على المعتَدِيَيْنِ الإسرائيلي والأمريكي المدجَّجَيْن بأعتى أنواع الأسلحة وأحدثها، وعلى ردعهما بالاعتماد على استراتيجية فعّالة، وعلى أسلحة رهيبة من صنع أيدي الشعب الإيراني وعبقريته، ثم وثانيا على المستوى السياسي والدبلوماسي، حيث أظهرت موهبتها كمفاوض ماهر وذي رباطة جأش شديدة، فاستطاعت بذلك الدفاع بثبات عن حقوقها ورفض المطالب المفرطة التي أراد الثنائي الإسرائيلي الأمريكي وما زال يرغب في فرضها عليها سواء فيما يتعلق ببرنامجها النووي، أو صواريخها الباليستية ومسيَّراتها، أو دعمها لمجموعات المقاومة الإقليمية.

ولكل ذلك لم يكن من المستغرب أن يخرج النظام الإيراني الذي أراد الإسرائيليون والأمريكيون إسقاطه، من خلال "قطع رؤوس" قيادته، وتدمير بنيته التحتية العسكرية والمدنية، من الحرب أقوى وأشد جرأة وإقداما...

الدرس رقم 2

إنّ اصطدام القوات المسلحة الإسرائيلية والأمريكية غير المُتَوَقَّع بِرَدِّ إيران البطولي شكّل صدمة حقيقية لإسرائيل والولايات المتحدة.

وهذا الردًّ لم يأت من باب الصدفة، إذ يؤكد العديد من الخبراء العسكريين، أنه جاء كثمرة لسنوات طويلة من الإعداد والاستعداد، ومن جمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، ومن رصد نقاط ضعف العدوّين الإسرائيلي والأمريكي.

فبفضل تطوير أنظمة ضرب دقيقة قادرة على تحييد دفاعات عدوَّيْها فائقة التطوّر، وبفضل استراتيجية استنزاف أرهقتهما إرهاقا، تمكنت طهران من إرغام الإسرائيليين والأمريكيين على وقف هجوماتهم عليها، وعلى إعادة النظر في استراتيجيتهم وجملة الأهداف التي كانوا يطمعون في تحقيقها في إيران وفي المنطقة...

وبالتوازي مع ذلك، ومع تكثيف الهجمات التي شنّتها بالصواريخ والطائرات المسيَّرة على القواعد الأمريكية في المنطقة، وعلى أهداف عسكرية ومدنية في إسرائيل وعلى البنية التحتية للنفط والغاز في دول الخليج المجاورة، استطاعت إيران من خلال إغلاق مضيق هرمز أن توفر لنفسها وسيلة ضغط أقوى وأقدَرَ على الردع، وهو ما عزّز موقعها الاستراتيجي ومنح ردها على العدوان الإسرائيلي الأمريكي حجما أكبر وبعدا أوسع وأشمل...

وتأسيسًا على كل ذلك، يمكن القول، دون الخوف من الوقوع في الخطإ، إنّ صلابة الردّ الإيراني، تمثل بداية نهاية أسطورة عدم هزيمة القوّات المسلَّحَة الأمريكية والإسرائيلية. 
وعلى إسرائيل والولايات المتحدة الآن أن تستخلصا الدروس الواجبة من تبعات حربهما على إيران التي يجب التذكير بأنها خرقت القانون الدولي خرقا صارخا، خاصة وأنها شُنَّت للمرة الثانية في قلب جولة من المفاوضات بين طهران وواشنطن، وهو ما عرّى عدم مصداقية الولايات المتحدة أساسا، وعلى نطاق أوسع عدم مصداقية الغرب، رغم أن أقرب حلفاء واشنطن، أي الدول الأوروبية، امتنعت، حسب ما تقوله، عن المشاركة في العمليات واستبعدت أيّ نشر لقواتها العسكرية في المنطقة...

وبالمثل، فإنّ عليهما أن تعيدا قراءة التوازنات العسكرية الجديدة في الخليج، وفي الشرق الأوسط، وحتى في أماكن أخرى من العالم، لأن الصراع، كما هو معلوم من المصادر الأمريكية نفسها، استنزف ترسانة الولايات المتحدة بشكل خطير.

الدرس رقم 3

ردا على جريمَتَيْ اغتيال مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي والعديد من قادتها السياسيين والعسكريين، وتدمير بنيتها التحتية المدنية والاستراتيجية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تتردد إيران في تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز وضرب مجمل البنيات التحتية في إسرائيل وفي الدول المجاورة المتورِّطَة أو المُوَرَّطَة، رغم أنفها، في الصراع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر...

واعتبارا لذلك واجهت بلدان الخليج معضلة مزدوجة في غاية الصعوبة: فهي من ناحية أولى، وباعتبارها حليفة للولايات المتحدة وتؤوي القواعد الأمريكية على أراضيها، وجدت نفسها منجرَّةً انجرارا إلى حرب ليستْ حَرْبَهَا، وهي من ناحية ثانية شعرت بخيبة أمل كبيرة حينما تبيَّنَتْ أنّ حليفها الأمريكي الذي وقّعت معه اتفاقيات دفاعية، امتنع عن حمايتها وعن ضمان أمنها، إما لأنه لا يريد أن يفعل ذلك أو لأنّه لا يستطيع فعله...
ونتيجة لذلك، وخوفا من الوقوع في كارثة اقتصادية إذا استمرت الحرب وتواصل إغلاق مضيق هرمز، "ضغطت" بلدان الخليج على الولايات المتحدة حتى تتجنب التصعيد وتنهي الصراع في أسرع وقت ممكن.

وفي الوقت نفسه، بدأت البلدان الخليجية أو بعضها تلوّح، تلميحا أو تصريحا، بأنها تفكر بجدية  في الابتعاد قدر الإمكان عن الولايات المتحدة، إذ بات واضحا، أن الاعتماد على الحليف الأمريكي يشكّل، من هنا فصاعدا، مصدرَ خطرٍ بالنسبة إليها.

وعلى صعيد آخر، وبالنظر إلى أن إيران خرجت من الحرب "منتصرة"، على الأقل من حيث تنامي نفوذها في المنطقة، فإنّ البلدان الخليجية بدأت تدرك أنها ستكون بحاجة إلى أن تتوصل إلى تفاهم معها وذلك من خلال تبني لهجة تصالحية من جهة، ومن جهة أخرى من خلال إظهار استعدادها للمساهمة في صندوق إعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية الذي ستبلغ اعتماداته 300 مليار دولار والذي تعهّدت الولايات المتحدة في "مذكرة التفاهم" بإنشائه مع شركائها الإقليميين، إذا نجحت المفاوضات الحالية في التوصل الى اتفاق نهائي.

ومع ذلك، لا بدّ، هنا، من الإشارة إلى أن دول الخليج التي لم تستطع تشكيل جبهة مشتركة لمواجهة الضربات الإيرانية خلال أيام الحرب، تبقى منقسمة حول كيفية التعامل مع إيران في المستقبل. 
ومن المرجَّح، في هذا السياق، أن تزداد الفجوة التي تفصل منذ عدّة سنوات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تعمقا إذ أن الرياض ترى في إسرائيل قوة مدمّرة وتهديدا يستوجب إيجاد قوة إقليمية مضادَّة، بينما ترى أبوظبي فيها الشريك الأمني الأقدر والأوثق للمنطقة.

الدرس رقم 4

عند قراءتهم "مذكرة التفاهم" الموقّعَة بين واشنطن وطهران، ينتهي العديد من الملاحظين فعلا إلى أن إيران خرجت "منتصرةً" من الحرب.
وبالرغم من أنّ هذه المذكّرة تثير العديد من علامات الاستفهام، خاصة فيما يتعلق بفرص نجاح المفاوضات التي انطلقت بعد توقيعها، فإنّهم يرون أن إيران، من خلال سيطرتها على مضيق هرمز، تمكنت من تعزيز موقعها الجيوسياسي، ومن التسلح بوسيلة هامة ستساعدها في المفاوضات، خاصة فيما يتصل ببرنامجها النووي، كما ستمنحها رافعة صلبة تمكنها من تجنب أي هجوم أمريكي جديد عليها.

ثم إن "مذكرة التفاهم"، التي تجدر الإشارة إلى أنها أجّلت تسوية المسائل الخلافية بين طهران وواشنطن، تثبت أن إدارة الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب لم يكن أمامها من خيار سوى التوقيع عليها حتى يتمكّن من إعادة فتح مضيق هرمز.

وهم يرون في ذلك مؤشرا على التغيير الذي تشهده المنطقة على المستوى الجيوسياسي وهو تغيير ينعكس في حالة التباعد المزدوَج الناشئة، أولا بين واشنطن وتل أبيب التي  بات إمعانها في استراتيجيتها المتطرفة لا يطمئن أحدا، بما في ذلك الإدارة الأمريكية، والثاني بين الولايات المتحدة وعدة بلدان في الخليج والشرق الأوسط أصبحت لا تثق، أكثر فأكثر،  في ضمانات حليفها الأمريكي ووعوده، بعد أن  خيب أملها بسبب عدم قدرته أو عدم رغبته في حمايتها.

وقد جاءت جولة وزير الخارجية ماركو روبيو الأخيرة في المنطقة لطمأنة حلفاء الولايات المتحدة في الخليج على أن أيّ اتفاق مع إيران سيأخذ بعين الاعتبار مصالحهم.

لكن هل ستهدئ الجولة من روع بلدان الخليج، وتمكّن من تبديد مخاوفها من أن السلام الدائم الذي يسعى حليفها الأمريكي إلى تحقيقه مع خصمها القديم الجديد إيران، لن يتم على حساب مصالحها وأمنها؟

محمد إبراهيم الحصايري
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.