أخبار - 2026.05.14

تحيّة وفاء إلى عفيف الهنداوي: رجل الإصلاح والمدافع عن الحريات في زمن صعب!

تحيّة وفاء إلى عفيف الهنداوي: رجل الإصلاح والمدافع عن الحريات في زمن صعب!

بقلم حاتم قطران. أستاذ متميّز بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية - جامعة قرطاج بتونس. عضو سابق بالهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية - جامعة تونس المنار - كلية العلوم الاقتصادية والتصرّف في تونس تحي يوم 16 ماي 2026 أربعينية المرحوم عفيف الهنداوي.

لم يعد عفيف الهنداوي بيننا! ولن تتوقّف تونس، الوطن العزيز، والجامعة التونسية بوجه خاص عن تخليد ذكراه بما يحوّل غيابًا إلى فضاء للذاكرة على هذا النحو المثالي الهادئ. 
غير أنّ رحيل عفيف الهنداوي يمثّل خسارة لا تُقدَّر بثمن لتونس بأسرها، وبشكلٍ خاص لعائلته، لزملائه في الجامعة التونسية، لطلبته، ولأصدقائه في مختلف مواقع النشاط التي مرّ بها، تاركاً فيها ذكراه الطيبة وحسن سيرته ونقاء سريرته. وتلك الصورة الجميلة الباقية في قلوب ومشاعر وأذهان كل من عرفوه ولمسوا فيه طيبة الرجل الأمين والصديق الوفي المتشبع بالقيم الوطنية والعطاء والعمل.

ونحن نحي الذكرى الأربعين لرحيل عفيف الهنداوي، يستحضرني قبل كل شيء أنه كان إنسانًا شديد الذكاء ومتواضعًا في آنٍ واحد، أنعم الله عليه بصفات لم يطوّرها سوى عدد صغير من الأساتذة الجامعيين في عصره بالقدر الذي تناوله عفيف الهنداوي، لتطوير طريقته في مقاربة التحليل الاقتصادي، والتي تميّزت حسب شهادة صديقي ورفيق دربه في كلية العلوم الاقتصادية والتصرّف الأستاذ عبد الرزاق الزواري في مقاله المنشور بجريدة ليدرز باللغة الفرنسية ليوم 8 ماي تحت عنوان Afif Hendaoui: Compagnon de pensée et de route رؤية نيو-كينزية تتموقع بذكاء بين التيارات السائدة؛ النظرية الليبرالية ذات الإلهام الأنغلوسكسوني، من جهة وومن جهة أخرى، المدافعون عن الفكر الماركسي، المتأثرون إلى حدّ بعيد بالتقاليد الأكاديمية الفرنسية، وخاصة مدرسة غرونوبل.

وقد كان عفيف يمتلك تلك القدرة النادرة على التنقل بسلاسة بين مختلف المدارس الفكرية. فقد كان متمكنًا من أسسها، ودقائقها، وتناقضاتها، ويعرف كيف يناقشها بوضوح وعمق لافتين. وكانت تحليلاته دائمًا دقيقةً ومضيئةً في الآن ذاته، تستند إلى معرفة راسخة بكبار رواد النظرية الاقتصادية كان يوظفها بمهارة وأناقة في خدمة قضايا الاقتصاد التونسي، على غرار قضية الاقتصاد غير المهيكل وتأثبره على سياسات التشغيل والقضاء على الفقر، ما حدا بالرئيس محمد الناصر الذي كان يشغل خطة وزير الشؤون الاجتماعي إلى الاقتناع بضرورة إنشاء مركز الدراسات حول الأجور والضمان الاجتماعي والتشغيل والإنتاجية – Centre d’Etudes sur les salaires, la sécurité sociale, l’emploi et la productivité (CESEP) - تحت إدارة الأستاذ الجليل الهاشمي علية، ضمّ في ذلك الوقت كبار أساتذة الاقتصاد من بينهم خاصة عفيف الهنداوي، وعبد الرزاق الزواري، والمرحوم حسين الديماسي، والمرحوم عبد الرحمان بن زكور، وعبد الجليل البدوي البدوي، وفريدة سحتوت، وغيرهم. وقد نالني الشرف أني والمرحوم الأستاذ الأزهر بوعوني عملنا معهم في إطار مقاربة متعدّدة الاختصاصات كان يحرص عليها الجميع، وفي مقدمتهم الهاشمي علية وعفيف الهنداوي، مدركين تمام الإدراك بوجوب النهوض بالسياسات العمومية في بهذه القطاعات الحيوية، عبر إصلاحات عصرية وبرامج شاملة وملموسة، تمكّن من تحديث مصالح التشغيل، وبأنّ الدولة لا يمكن أن تقف موقف اللامبالاة إزاء الأضرار التي تُخلّفها حتمًا أوضاع البطالة ونقص التشغيل والفقر. ومهما تكن مزايا اقتصاد السوق وما يشهده من تجدّد في الاهتمام، فإن سوق الشغل لا يمكن أن يُترك كليًّا للتنظيم الذاتي، ولا أن يُعامَل كسوق حرة لسلعةٍ عادية!

ولكن سرعان ما توقّفت هذه التجربة بخروج محمد الناصر عن وزارة الشؤون الاجتماعية وتولّي وزير آخر هذه الوزارة، وذلك قبل أن تبوح الأبحاث والدراسات بنتائج أعمالها العلمية، ما يمثّل إهدارا حقيقيا للفرص في ذلك الوقت.

وقد تجدّد لقائي بعفيف الهنداوي حين تولّى الإشراف على مركز الدراسات والبحوث والنشر الجامعي– Centre d’Etudes, de Recherches et de Publications (CERP)-  خلفا للأستاذ الجليل عياض بن عاشور، فقام بإدخال ديناميكية خاصة سرعان ما طوّرت بشكل بارز من أداء هذا المركز الجامعي وإشعاعه في نشر البحوث والدراسات القانونية والاقتصادية على حد السواء، ثم تولى بعد ذلك مباشرة رئاسة جامعة الحقوق والاقتصاد والتصرف بتونس III من سنة 1991 إلى سنة 1996، وقد شغلت شخصيا في نفس تلك الفترة تقريبا، من سنة 1991 إلى سنة 1997، خطة مدير المعهد الوطني للشغل والدراسات الاجتماعية التابع لنفس هذه الجامعة، فقدّم لي كلّ الدعم والمساعدة على إعطاء صبغة جامعية مرموقة لهذا المعهد كنا نحرص معا عليها. كما ساهم في تلك الفترة في إشعاع الجامعة على الصعيد الدولي بصفته نائب رئيس اتحاد الجامعات المتوسطية “يونيماد ” (UNIMED).

وقد يتساءل البعض، أحيانا، كيف لهذا الجامعي المتميّز ورجل الاقتصاد الفذّ، الغيور على استقلالية فكره، أن يُلقي بنفسه بكلّيته في غمار السياسة الصِرفة وأن يشغل منصب وزير في مجال بعيد كل البعد عن اختصاصاته الاقتصادية، حين تم تعيينه وزيرا مكلّفا بحقوق الإنسان والعلاقة مع مجلس النواب بين سنتي 2000 و2001. وقد طبع هذه الوزارة بحرصه على بناء مسار جديد نحو إرساء ديمقراطية حقيقية، تستند إلى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، خاصة من خلال ترأسه لجنة النهوض بواقع اإعلام كان الرئيس المرحوم زين العابدين بن علي أمر بتشكيلها تضمّ مختلف الجهات الفاعلة، خاصة مديري ومالكي أهم الصحف وممثلين عن الجمعيات المعنية بشأن الصحافة والصحفيين. وقد حرص عفيف الهنداوي شخصيا على أن ينضمّ لها أساتذة جامعيون، نالني شرف أني كنت أحدهم إلى جانب الأستاذ محمد حمدان مدير معهد الصحافة وعلوم الأخبار. ومن نتائج ذلك أنه شكّل فريق متكوّن مني شخصيا ومن كل من الأستاذ عبد الكريم الحيزاوي عن معهد الصحافة وعلوم الأخبار وشفيق سعيد أستاذ بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، مكلّف بإعداد مجلة جديدة للصحافة كجزء من استراتيجية تحديث المشهد الإعلامي بشكل عام، احتراما للقواعد والمبادئ التي أعلنتها الصكوك الدولية لحقوق للإنسان، بما في ذلك خاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 19 مثلما يتم تفسيرها من قبل اللجنة المعنية بحقوق الإنسان.

ويستحضرني أنه كان شديد الحرص على صياغة مجلة جديدة ترفع القيود العالقة في ذلك الوقت لقيام صحافة وطنية تعددية و متطورة، و ذلك خاصة بإجازة تعطيل الصحف إداريا وتعدد الجرائم والعقوبات التي تهدد قيام حرية صحافة حقيقية، مما أكد ضرورة مراجعتها وعدم الاقتصار على بعض التحسينات الواردة على مجلة الصحافة في صياغتها بموجب القانون عدد 32 المؤرخ في 28 أفريل 1975، والتي أدخلت عليها في الأثناء تنقيحات جزئية لا غير بموجب كل من القانون عدد 89 المؤرخ في 2 أوت 1988 والقانون عدد 85 لسنة 1993 المؤرخ في 2 أوت 1993، وإلى أن صدر القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2001 المؤرخ في 3 ماي 2001، والذي لم يتم فيه هو الآخر إدخال كل التوصيات التي تقدّم بها عفيف الهنداوي حيث لم تحض مع الأسف بقبول رئيس الدولة الذي غلّب النمتحى المتشدّد الذي كان طاغيا في ذلك الوقت مما حدا بالرئيس إلى إنهاء مهام عفيف الهنداوي.

وبعد ذلك، دعي عفيف الهنداوي للقيام من جديد بمهام ديبلوماسية كان قد قام بها في وقت سابق بتعيينه سنة سفيرا سفيرا ممثّلا لبلادنا في ستوكهولم. ثم وبانتهاء مهامه كوزير، تم تعيينه سفيرا ممثّلا لبلادنا بعدة بلدان أخرى وكان فيها رجل مبادئ، يحظى باحترام الجميع. جامعا بين البراغماتية والعقلانية، مانحا البعد الاقتصادي للدبلوماسية مكانة خاصة.

ومن ذلك تعيينه سفيرًا فوق العادة ومفوضًا في برن بسويسرا، في وقت كانت فيه العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسويسرا تمر بمرحلة دقيقة نسبيًا، ستبلغ ذروتها مع تنظيم تونس، ولأول مرة في تاريخها، لقمة تابعة للأمم المتحدة: القمة العالمية لمجتمع المعلومات. ولم يكن للخطاب الذي انتقد فيه الرئيس السويسري صامويل شميت وضع حقوق الإنسان في تونس أي تأثير سلبي على العلاقات الثنائية بين بلدينا، وذلك بفضل العمل العميق الذي قام به السفير عفيف الهنداوي، والذي كان يحظى باحترام حقيقي من السلطات السويسرية. وهكذا واصلت سويسرا، كما تونس، الحفاظ على علاقات هادئة ومفيدة للطرفين، مثلما جاء ذلك في الشهادة التي أدلى بها صديقي وصديق عفيف الهنداوي، الوزير السابق الأستاذ حاتم بن سالم، في مقاله المنشور بجريدة ليدرز باللغة الفرنسية ليوم 6 ماي تحت عنوان: Afif Hendaoui, le diplomate distingué.

وأذكر أني التقيت به شخصيا في سويسرا منذ انتخابي من قبل الدول الأعضاء في اتفاقية حقوق الطفل عضوا في لجنة حقوق الطفل فانتفعت بنصائحه ولمست كذلك في نفس الوقت انشغاله حول الوضع الكارثي الذي تمرّ به بلادنا والذي أفضى بعد ذلك إلى اللتحوّلات الحاصلة سنة 2011 وما خلّفته من حلول طبقة سياسية جديدة تفتقر إلى الكفاءة، وتتسم بالجشع والتعطش إلى السلطة. وكلطما التقينا منذ ذلك الحين كان عفيف الهنداوي لا يخفي تألمه من هذا الواقع الذي لا يساهم في بناء أمة تونسية موحدة ومتضامنة في كنف البناء من أجل التقدّم. 
وسيُنصف التاريخ عفيف الهنداوي، كما سينصف كل الوطنيين الأحرار الذين سبقوه من الشخصيات المشهود لها بنزاهتها وعطائها ممّن بذلوا جهودًا كبيرة، وكانوا مثالًا في الالتزام بالقيم الوطنية الصادقة.

ولنحرص خاصة، في هذا اليوم الذي نحيي فيه معًا ذكرى عفيف الهنداوي، على أن نخلّد إلى الأبد ذكرى رجل جمع كل هذه الصفات: أستاذًا كبيرًا، وعالم اقتصاد، ورجل دولة وطنيًا بعمق، ومدافعا عن الحريات.

حاتم قطران
أستاذ متميّز بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية - جامعة قرطاج بتونس
عضو سابق بالهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.