عبد الحفيظ الهرڨـام - عبد الرزاق الكافي، بين الصرامة والظرف: ملامح سيرة رجل دولة (ألبوم صور)
بقلم عبد الحفيظ الهرڨام - تعود بداية علاقتي بسي عبد الرزاق –عليه رحمة الله– إلى سنة 1977. كنت يومها في مستهل تجربتي المهنية صحفيًا بوكالة تونس إفريقيا للأنباء، بينما كان هو قد خرج لتوّه من محنة الإيقاف ثم المحاكمة في ما عُرف بقضية جماعة أحمد بن صالح، إحدى محطات محاكمات الرأي في تلك المرحلة من تاريخ تونس.
وقد بقيت صورته، وهو ماثل في قفص الاتهام، راسخة في الأذهان: كان الوحيد بين المتهمين الذي ارتدى الجبّة، في حركة اتصالية ذكية لم تخلُ من دلالة، إذ لفتت انتباه من لا يعرفه قبل من يعرفه. تساءل كثيرون: من هذا الرجل؟ وما قصّته؟ وكأنّه أراد بذلك أن يحوّل لحظة المحاكمة إلى فعل رمزي، يُذكّر الرأي العام بما تنطوي عليه تلك المحاكمات من ظلم وجوْر.
ولم تكن تلك أولى تجاربه مع الإيقاف؛ فقد سبق أن اعتُقل أيامًا في زنزانات وزارة الداخلية على خلفية «الرسالة إلى بن صالح»، كما خضع لفترة لمراقبة أمنية لصيقة. غير أنّ اللافت في شخصيته كان قدرته على تحويل القيد إلى مادة للسخرية: كان ينظر من نافذة بيته بنهج سيدي البشير إلى السيارة الرابضة أمام العمارة، ثم يلتفت إلى صديقه وجاره المرحوم عبد العزيز بن عزوز قائلاً، في روح مرحة: «لنقطع الملل عن الجماعة، فلنأخذهم في جولة إلى المرسى وسيدي بوسعيد!»… فيمتطيان السيارة، ويتبعهما «المراقبون»، لتنطلق الرحلة.
عرفتُ الفقيد في فترة ابتعاده عن الحياة السياسية، بعد أن اضطلع بمسؤوليات في صفوف الاتحاد العام لطلبة تونس، وفي الحزب الاشتراكي الدستوري، ثم كرئيس لديوان وزير التربية القومية أحمد بن صالح، فكوالٍ على باجة. وعلى الرغم من محنة العزل والإبعاد، ظلّ المناضل الوطني الوفي لأصوله الدستورية ولقيم البورقيبية، المتمسّك بحقّه في التعبير، لا يخشى في الحقّ لومة لائم.
كنت ألتقيه من حين إلى آخر في شارع الحبيب بورقيبة، حيث كان من وجوهه المألوفة. هناك، في قلب العاصمة، كان حضوره يجمع بين البساطة والألفة: بشاشة لا تفارقه، وطرافة في الحديث، وكلمة رشيقة نافذة. كما جمعتنا لحظات لا تُنسى في القيروان، ونحن نتابع مباريات الشبيبة التي ظلّ من أحبائها الأوفياء. وفي تلك الأجواء، تعرّفت أكثر إلى إنسان ودود، جذاب، سريع البديهة، رفيع الذوق، أنيق في مظهره كما في سلوكه.
وقد سررت كثيرًا بعودته سنة 1981 إلى عالم السياسة، إذ كان جديرًا بتحمّل المسؤولية من جديد. ولم يطل الانتظار حتى عُهد إليه بمنصب وزير الإعلام في جوان 1983، بعد أن تولّى مهامّ ولاية جندوبة والإدارة العامة للإذاعة والتلفزة. وكانت تلك العودة بمثابة إنصاف لرجل دولة لم تنل منه المحن، بل زادته صلابة ونضجًا.
وعندما التحقتُ بديوانه في سبتمبر 1983، أُتيحت لي فرصة الاقتراب منه عن كثب، فاكتشفتُ جوانب من شخصيته لا تُدرك من بعيد: دقّة في العمل، وإدراك عميق لأبعاد المسؤولية، وصرامة ممزوجة بحسّ إنساني مرهف وثقافة واسعة متينة، فضلًا عن حرص شديد على حسن التصرّف في المال العام، معتمدًا في ذلك على ذكائه المتوقّد وذاكرته الأسطورية.
كما أظهر قدرًا كبيرًا من الحنكة والرويّة، مكّنه، من موقع حسّاس كوزارة الإعلام، من التعامل مع أوضاع سياسية معقّدة في وقت كانت فيه حرب خلافة بورقيبة على أشدّها. وقد بلغت به جرأته وصلابة قناعاته حدّ الامتناع عن استقبال المكتب التنفيذي للتنظيم النقابي، الذي شجّعت الحكومة على إنشائه لمجابهة أزمتها مع الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة الحبيب عاشور.
في الحياة اليومية، كما في مختلف مواقع المسؤولية، ظلّ الفقيد أشبه بالإله الروماني يانوس (Janus) ذي الوجهين، وهما، في تقديري، قوام شخصية جذّابة ثنائية التركيب: وجهٌ تتجلّى فيه الصرامة والحزم والجدية، وآخرُ باسمٌ مشرقٌ، يعكس ميلًا غريزيًا إلى الظرف والمزح والدُعابة. وكثيرًا ما كان هذا الوجه الثاني يتغلّب على الأول، حتّى في أدقّ الظروف وأخطرها.
فلنستمع إلى سي عبد الرزاق يروي حادثًا كاد أن يوديَ بحياته وحياة عدد من زملائه في الحكومة: «كنتُ قد امتطيتُ، رفقةَ عددٍ من الوزراء، طائرةً عموديةً تابعةً للجيش الوطني، أقلعت من المهدية في اتجاه العاصمة، بعد أن قدّمنا التعازي لوزير الاقتصاد السيد رشيد صفر، إثر فقدان والدته. وفجأةً اشتعلت أزرارٌ حمراءُ في لوحة القيادة، وأخذت الطائرة في الاهتزاز بسبب عطبٍ أصابها. فتملّكنا هلعٌ شديد، وشعرنا بدنوّ أجلنا، فصبّرنا أنفسنا بتلاوة القرآن وسلّمنا أمرنا للخالق...
كنّا نرى كيف تسلّح قائد الطائرة بشجاعة نادرة، دون أن يفقد أعصابه، فأحكم سيطرته عليها حتى هبطت بسلام. وطلب منا أن نسرع في الخروج منها خشية انفجارها. وقد هبطت الطائرة فوق كومةٍ من الفضلات في مكانٍ خالٍ من السكان.
حمدنا الله على السلامة، ولمّا تراءت لنا من بعيد طريقٌ معبّدة، عزمتُ أنا والسيد لسعد بن عصمان، وقد اتّسخت ملابسنا، على أن نسير نحوها على الأقدام. ولمّا بلغناها أوقفنا شاحنةً فلاحية، فاندَهش سائقها لرؤيتنا وقال: من أين جئتم؟ فأجبته: هبطنا من السماء! فعرفنا منه أننا هبطنا في زاوية قنطش من معتمدية جمّال. فأوصلنا إلى هناك، ولكم أن تتصوّروا دهشة المعتمد ونحن ندخل مكتبه بتلك الهيئة!
وما إن علم الرئيس الحبيب بورقيبة، المقيم آنذاك بقصر صقانس، بوقوع الحادث، حتى دعا كامل الفريق الوزاري لمقابلته، ولم يُمهلنا لتغيير ملابسنا، فلم نقدر إلا على تنظيف ما تيسّر من آثار الوسخ. استقبلنا الرئيس بحضور حرمه والوزير الأول السيد محمد مزالي، وعبّر لنا عن تعاطفه حامدًا الله على ألطافه.
اغتنمتُ الفرصة لألتمس منه الإذن بتوجيه سؤال إلى الوزير الأول، ولم تكن علاقتي به وقتئذٍ على أحسن ما يرام، فاستجاب لطلبي. قلت: سي محمد، لو حصل المكروه – لا قدّر الله – هل كنتَ ستقوم بتأبيننا فرديًا أم جماعيًا؟ تضايق الوزير الأول من السؤال ولم يُجب، فأردفتُ قائلًا: مهما يكن من أمر، أرجو منك أن تقول اليوم في حضرة السيد الرئيس، ما كنت ستقوله في حقّي من جميل الكلام في موكب التأبين!…» دون تعليق!
آثرتُ أن أتحدّث في هذه المناسبة عن الجانب المرح في شخصية الراحل العزيز، علّ استحضارَه يخفّف عنا وقع المصاب الجلل، ويُلطّف شعورنا بالحزن والأسى لفقدان رجل دولة بحق، وإنسانٍ شهمٍ نبيل.
تغمّد الله سي عبد الرزاق بواسع رحمته، وكريم مغفرته. ولن أنسى ما حييت أفضاله عليّ، فقد كان العمل إلى جانبه، والاختلاف إليه، تجربةً ثريةً ملهمة، أسهمت في صقل شخصيتي، وتركت في نفسي أثرًا عميقًا رافقني في بقية مسيرتي المهنية.
وخير ما أختم به هذه الكلمة مقولة للفيلسوف الفرنسي إدغار موران: «الأموات لا يغيبون غيابًا مطلقًا؛ إنهم يواصلون العيش في وجدان الأحياء وذاكرتهم.»
Les morts ne sont jamais totalement absents : ils vivent dans la mémoire des vivants.
عبد الحفيظ الهرڨام
- اكتب تعليق
- تعليق