حمادي بن جابالله : "سي الصادق" كان ثالث ثلاثة
بقلم حمادي بن جابالله - كان ثالث ثلاثة... عبد القادر المهيري عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والمنجي بن حميدة عميد كلية الطب والصادق بلعيد عميد كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية... عرفتهم وانا صحافي بدار الإذاعة والتلفزة التونسية... وتابعت انشطتهم وحاورتهم بصفتي تلك دون ان يعلم أحد منهم اني أحد طلبتهم المبتدئين... يومها كان عدد الطلبة حوالي 10الاف... في اوائل الستينات كانوا حوالي 2000 طالب... اليوم تجاوز عددهم 400 ألف تقريبا... وكان عدد المعاهد الثانوية بالجمهورية من النخلة الى الدخلة لا يتجاوز 12 معهدا اليوم تجاوز 1400... كانت تونس المستقلة حديثا تبني نفسها حثيثا بإيمان الأنبياء وصدق الوطنيين ... كان سي الصادق والذين معه من ذلك الجيل الذي ساهم في معركة بناء مدرسة الجمهورية من رياض الأطفال حتى مدارج الجامعة...
كنت اعلم بحكم المهنة انه كلما رأى العمداء الاجلاء الثلاثة أي شكل من اشكال ميل السياسة التربوية عن التقاليد التي أرسيت عليها مدرسة الجمهورية، بادروا بالاتصال بالوزير للفت الانتباه. واذا لم يجدوا أذنا صاغية ،طلبوا مقابلة السيد الهادي نويرة الوزير الأول رحمه الله فيستقبلهم متى أرادوا ذلك، ودون أي تأخير ... حتى اذا انهى الاجتماع بهم صاحبهم الى باب الوزارة الأولي وواصل الحديث معهم والمارة تشهد حفاوة الوزير الأول في دولة بورقيبة بالجامعة وبالجامعيين، وحرصه على الاستماع اليهم ...ذلك ما أكده لي سي عبد القادر يوم زرته مع سي الصادق في مرضه الذي توفي فيه ...وقد ذكرت بذلك في مداخلة تلفزيونية حضرها سي الصادق نفسه ،تذكيرا للشعب التونسي بما كان يكنه سياسيو تونس الكبار من تجلة واحترام للجامعي التونسي...
كان اول اتصال مهني لي بسي الصادق سنة 1972/1973 بمناسبة تكليفي بتغطية نشاط المجاهد الأكبر بكلية الحقوق في سلسلة من المحاضرات حول حياته الشخصية في صلتها بمعارك التحرير الوطني ...وكان ذلك تلبية لمقترح تقدم به الأستاذ المنصف الشنوفي مدير معهد الصحافة وعلوم الاخبار رحمه الله...
كان ثالث ثلاث.. عرفتهم جميعا في نفس الفترة تقريبا... ولكني عاشرتهم في ظروف مختلفة ولم افارق أيا منهم الا بحكم الوفاة... عاشرت سي الصادق منذ أوائل تسعينات القرن الماضي حين ضمه سي محمد الشرفي رحمه الله الى فريق العمل الذي استعان به في انجاز الإصلاح التربوي اصلاحا شاملا، معمقا، من رياض الأطفال حتى الجامعة... وتكفل سي الصادق بقيادة فريق إصلاح نظام تكوين المهندسين والتقنيين السامين أساسا، وقاد الفريق بكثير من الحزم والذكاء والايمان بالمستقبل... كان من بين اعضاده خاصة الزملاء رضا فرشيو والطاهر بلخضر وعبد الرزاق الزواري... واستعانوا باستشارة كفاءات وطنية عالية اذكر منهم الوزير السابق للتربية والتعليم العالي المرحوم التيجاني الشلي والأستاذ المختار العتيري رحمه الله والاستاذين محمد عمارة ومصطفى بسباس ...وكان الأخ العزيز محمد العيادي في خدمة الجميع ...وكنت اعينه على مراجعة جميع الوثائق قبل ان تحال الى سي محمد الشرفي. ومن طرف الذكرى انه قل وندر ان لا يعاد الينا ما كنا راجعنا، لان سي محمد ينتبه الى ما فاتنا الانتباه اليه...
كانت خير سهراتنا تلتئم بعد الفراغ من انجاز مهمة فرعية من مهام الإصلاح التربوي في دار سي محمد الشرفي في ضيافة للا فوزيه حرمه ،أسعدها الله وابقاها رمزا حيا للمرأة التونسية العالمة الكبيرة والمواطنة الملتزمة ...وكنا نسعد كثيرا بما يتحفنا به سي الصادق من طرائف أيام التتلمذ خاصة مع سي عبد العزيز بن ضياء في معهد سوسة... وكلما انضاف الى الفريق سي عبد الفتاح عمر زادت سعادتنا درجات... كانت لقاءاتنا تجمع بين هزل الاطفال وجد العلماء... والله وحده يعلم كم تعلمت عن هؤلاء الكبار رحم الله الأموات منهم وحفظ الاحياء...
بعد سنة 2011، التقينا كثيرا في مواضع أخرى. أولها، عند سي عبد الجليل التميمي ونشرنا الكتاب الأبيض الأول تطرقنا فيه الى ما ينتظر الوطن من مخاطر خاصة بسبب سطو الإسلام السياسي على دواليب الدولة بطرق لم نتبين حقيقتها حتى اليوم... والتقينا ثانية لإعداد كتاب ابيض ثان، اعدنا فيه التحذير واقترحنا سبلا غير مطروقة لتجاوز مصاعب الوطن...كان سي الصادق دائما عند الواجب مع ثلة من خيرة أبناء الوطن سيدي مصطفى الفيلالي رحمه الله والاخت منيرة شابوتو رحمها الله وعياض بن عاشور وعبد المجيد الشرفي وفاضل موسى وعبد الجليل التميمي والحبيب القزدغلي... والقائمة تطول... ولي ان أضيف الى ذلك نصوصا تعبر عن مواقف كتبتها ونشرتها مع سي الصادق بما في ذلك دراسة مطولة في مجلة ليدرز سنة 2016...
كان اخر لقاء لي بسي الصادق في منزله مع زوجتي الدكتورة بن جابالله منذ حوالي شهرين... كان ذلك مع الاخوين محمد العيادي وحرمه والطاهر بالأخضر... وقد استمتعنا مثلما تعودنا منذ سنين بما تتحفنا به للا علياء بلعيد دام عزها من آيات الاكرام والاقراء... واتفقت مع سي الصادق في ذلك اللقاء على ان نشرع في اقرب وقت ممكن في اعداد جذاذات تخص حياة الكثير ممن خدموا مدرسة الجمهورية واناروا الفكر التونسي بإبداعاتهم الأدبية والفنية، وأثروا الثقافة الوطنية بما يدعم اركان الهوية الوطنية ويقوي الاعتزاز بالانتماء الحضاري، عربيا واسلاميا ومتوسطيا وافريقيا وعالميا... وقد اتفقنا الحاضرون على ان يكون اول هؤلاء سي محمد الشرفي رحمه الله... كنا تواعدنا على ان نلتقي من جديد لبلورة المشروع المذكور والبدء في إنجازه... غير ان الاقدار كان لها تدبير اخر...
كان سي الصادق زميلا فصديقا فأخا... رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه خير جنانه... وألهم الأخت الفاضلة للا علياء مع أميراتها الثلاثة وجميع الأقارب والاحباب والزملاء جميل الصبر والسلوان.
حمادي بن جابالله
رئيس قسم الآداب بالمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون ''بيت الحكمة"
قراءة المزيد
الصادق شعبان في مناقب أستاذه العميد الصادق بلعيد.. بصمة الكبار
- اكتب تعليق
- تعليق