72 سنة من الفن والذاكرة… لماذا لم يُسجّل المسرح البلدي بصفاقس معلماً تراثياً؟
بقلم الدكتور رضا القلال - شهدت الساحة الثقافية خلال الأيام الرمضانية البلدية حركية مميزة، حيث افتتح نادي الأصيل للموسيقى العربية فعاليات التظاهرة بعرض موسيقي أعاد إحياء روائع الطرب العربي وأضفى أجواء روحانية وفنية على الأمسية الأولى. وتتواصل الأنشطة إلى أن تُختتم فعاليات مهرجان المدينة بحفل للفنان التونسي صابر الرباعي الذي يُنتظر أن يقدّم باقة من أشهر أعماله أمام جمهور واسع. وفي خضم هذا الحراك الثقافي، يطرح العديد من المهتمين بالشأن الثقافي سؤالاً مهماً حول سبب عدم تسجيل المسرح البلدي كمعلم تراثي، رغم ما يمثّله من قيمة تاريخية وثقافية في الذاكرة الفنية للمدينة
افتتاح الأيام الثقافية البلدية في نسختها الرمضانية الـتاسعة
شهد المسرح البلدي في سهرة السبت الماضي، انطلاق النسخة الرمضانية التاسعة من فعاليات الأيام الثقافية البلدية، بالشراكة مع المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، بعرض موسيقي لنادي الأصيل للموسيقى العربية بصفاقس تحت عنوان: "فرحة الدنيا في غناية وحكاية".
تجدر الإشارة بأن المحتفى به هو مطرب الخضراء على الرياحي، صاحب أغنية (يا فرحة الدنيا)، والحاكي لقصة أغانيه المشهورة، هو عبد الستار عمامو، الذي له ميل للتاريخ، واهتمام خاص بالمجال الثقافي وبالتراث الشفوي واللاّمادي.
رعى هذا الحفل السيد محمد الحجري والي صفاقس، الذي ما انفك يبعث في كل مناسبة برسائل بالغة عن قوة الثقافة في إلهام الجمهور، وتأثيرها التحويلي في المجتمع. وقد أكد بالمناسبة على "الأهمية القصوى للثقافة باعتبارها ركيزة أساسية في اكتشاف الذات، وإعادة بنائها وتجديدها، وذلك من خلال كل الاشكال الثقافية على غرار الادب والمسرح والسينما والفن وغير ذلك". من ناحيته أشار السيد فرحات بن بريك، الكاتب العام لبلدية صفاقس، أن عروض هذه الأيام تتواصل إلى غاية 17 مارس الجاري، بالمسرح البلدي، وبعديد الدوائر البلدية، إلى جانب فضاءات أخرى، لعل أهمها فضاء فسقية الفندري بباب الجبلي، التي وقع ترميمها مؤخرا، إضافة إلى فسحة 100 متر وساحة باب القصبة. وذلك بالتعاون مع عدد من الجمعيات كصفاقس المزيانة ومنتدى صفافي للفنون والثقافات.
نادي الأصيل للموسيقى العربية بصفاقس ظهر مند 42 سنة أمام الناس
في خضم موسم ثقافي جديد2025/2026 ملئ بالفعاليات الثقافية والفنية سهر الجمهور مع عرض موسيقي لنادي الأصيل للموسيقى العربية. وقد أبدع أفراد الفرقة في تقديم عروضهم خلال الحفل على خشبة المسرح البلدي بصفاقس، بخضورهم ومهارتهم في العزف، ولباسهم التقليدي الجميل.
واللافت للانتباه أن نادي الأصيل للموسيقى العربية بصفاقس، كما ذكرت رئيسته سيدة الأعمال وفاء الفخفاخ الزحاف، أنه تأسس سنة 1984، كرمز للأصالة الموسيقية التونسية، ليتحول منذ سنوات إلى ناد عريق للمالوف التونسي بقيادة شيخ المالوف يوسف الطرابلسي. وقد تألق النادي داخل حدود الوطن وخارجه من خلال الموسيقى، التي أصبحت الخيط الرفيع الذي ينسج القلوب، ويمد الجسور بين صفاقس وتونس والجزائر والمغرب، وهو يستعد الآن لفاعليات مهرجان تستور القادم ...
المسرح البلدي بصفاقس، استقبل حشدا من الجمهور، واكتظ ليستمتع ببرنامج مميز، مزج بين عناصر من تراث مطرب الخضراء الفنان علي الرياحي (1970/1912) شدَت بها المجموعة الصوتية.
أغان تنبض بالحياة والتاريخ
• ما تفكرشي في الأحزان مادام الحب مهنّينا
ما تحزنشي علّي كان وافرح باللّي باش يجينا (كلمات عبد العزيز الحاج طيب ابن مدينة صفاقس (1930/1992)
• فيشي فايدة نزيد نخبّي علّي مالكة روحي ولبّي
ولاّ نخلّي السرّ مخبّي يا هل ترى شكون يفهم حبّي
والسّاكنة في ممّو قلبي
• لا شفتك مرّة ولا ريتـك كيفاش خطرلي وحبّيتك
• أنا كي الطير في وكري نغني عايش في خير شكون أحسن منّي
نغنّي للأطيار ونصيح نغنّي للأشجار والرّيح
عيشة العصفور تعجبني
• يا فرحة الدنيا يا بهجة الأيام
بالربيع الغالي زينة الأعوام
هذا إلى جانب أغان من المالوف والتراث الموسيقي غير المادي، الذي يليق بالمناسبة مثل (حرّمت بيك نعاسي)، واختتمت السهرة بنوبة (يا شيخنا البراني)، التي طالما تغنت بها فرقة الفنون الشعبية بإذاعة صفاقس.
وكان الجمهور على موعد مع الأستاذة غادة الجمل في أغنية (ياللي ظالمني)، والاستاذة شامة غزية (زهر البنفسج)، والتلميذ الشاب مختار جعفر (بيت الشَّعر عالرقوبة)، الذي يجتاز مناظرة الباكالوريا هذا العام. وصفق لهم كثيرا لأدائهم المؤثر، وطبقات أصواتهم الرائعة، وتعابير الأغاني العاطفية التي تأسر القلب، في أشهر أغاني علي الرياحي.
والفنان علي الرياحي، كما ذكر عبد الستار عمامو، حاصل على الباكالوريا من معهد كارنو بتونس، وهي ليس أميا كم نقرأ ذلك في بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، الضعيفة المعرفة والسند. وهو ابن ضاحية المرسى، ومن سكان صلامبو، والفنان الوحيد الذي مات فعلا على خشبة المسرح. وهو سليل عائلة علمية شرعية جدّه مدرس بالجامع الأعظم (الزيتونة)، ووالده شاهد عدل، ووالدته حنيفة تعزف على عديد الآلات الموسيقية. وهو إلى جانب ذلك موهوب في الفنون التشكيلية وتنبأ له الرسام الكبير علي بن سالم بمستقبل في هذا المجال، لكنه خيّر أن يمنح عمره للفن الموسيقي.

المنتهى: المسرح معلم ثقافي عمره 72 سنة
في مشهد موسيقي بديع يحمل بارقة ربيعية كانت سهرة نادي الأصيل للموسيقى العربية مرموقة، امتزجت فيها الموسيقى بالتراث تحت سقف المسرح البلدي بصفاقس
وقد أعادت هذه السهرة بريق المدينة الثقافي وعمقها الحضاري.
المسرح البلدي بصفاقس سيشهد أيضا يوم 16 مارس القادم، الحفل الختامي لمهرجان المدينة الذي يسهر على حظوظه دكتور اللغة العربية وآدابها، والمنشط البارز بإذاعة صفاقس الأستاذ النوري الشعري، وسيكون نجم هذا الحفل أمير الطرب العربي الفنان صابر الرباعي. كان افتتاح هذا المهرجان الرمضاني في دورته الـ29 بتاريخ 28 فيفري 2026، بعرض (المزار أصحاب المدحة) مع الفنانين رياض الشابي وجمال الشابي وحسن ناجي وسيف فرج..jpg)
المسرح البلدي الانيق والفخم فتح أبوابه سنة 1954، وعمره اليوم 72 سنة. فلماذا لا نعجل بتسجيله رسميا كمعلم تراثي في سجلات المعهد الوطني للتراث؟
وفي كلمة، الموسيقى ليست درسا، بل ضرورة. وهي ليست نشاطا إضافيا، بل ركيزة وجود. والموسيقى تعلّم الانضباط والالتزام والتعاون الجماعي، كما تعلّم الاصغاء لا إلى الصوت فقط، بل إلى الآخر ورأيه أيضا.
الدكتور رضا القلال
كاتب صحفي ومؤرخ
- اكتب تعليق
- تعليق