أخبار - 2022.08.22

عبدالرحمان المرساني: المطربين اليهود التونسيون أبدعو في تكوين إرث غنائي تونسي حسب المؤلف الجديد لفاخر الرويسي

عبدالرحمان المرساني: الفنانين اليهود التونسيون أبدعو في تكوين إرث غنائي تونسي حسب المؤلف الجديد لفاخر الرويسي

مثل صدور كتاب مشاهير المطربين اليهود التونسيين للكاتب فاخر الرويسي، الذي قدم له الاستاذ الحبيب قصدغلي العميد السابق ومدير مخبر التراث بكلية الآداب والفنون والانسانيات بمنوبة  فرصة رائدة للقارئ التونسي والعربي عموما لمعرفة أهم رواد الموسيقى والأغنية والمسرح والسينما في تونس خلال نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، هذا القرن الذي عاشت خلاله تونس استعمارا مباشرا أثر في مجريات الحياة العامة للتونسيين، وجعل منهم على مختلف انتماءاتهم الدينية يتشبثون بموروثهم الثقافي ويطوّرونه ويعملون على استمراريته.

فكما هو معروف شكل اليهود جزءا أصيلا وهاما من مكوّنات الشعب، وكان تواجدهم الاجتماعي في كل مدينة وقرية تونسية، وقد أثّروا بعاداتهم وتقاليدهم في الأفراح والمناسبات الدينية والاجتماعية أيّما تأثير في الشخصية التونسية، ولعل أهم تأثير ذلك المتأتي من الأغاني الكثيرة التي أبدع في أدائها الفنانين اليهود مثل تعليلة العروسة وتعليلة المطهّر وأغاني الحب والهجر والرحلة.

وبقراءتنا لهذا الكتاب تحصل جملة من الفوائد نوردها على النحو التالي:

أولا: أن الفنانين اليهود هم أبناء هذا الوطن يتقنون لغته واللهجات المحلية لمناطق تواجدهم الجغرافي، وأغانيهم هي تعبير حيّ عن مشاعر وأحاسيس أفراد مجتمعهم في الحب والهجر والأفراح والزواج والرحلة...

ثانيا: الناحية التوثيقية حيث عمل الكاتب فاخر الرويسي على توثيق حياة كل فنانة وفنان يهودي من حيث نسبه وأصله الجهوي وفروعه وأهم الأغاني التي أدّاها، وتاريخ الميلاد والوفاة وهي مسألة نعتقد أنها هامة وتشكل مادة جاهزة للباحثين وللقارئ المهتم بصورة عامة لمعرفة الفنانين اليهود وأصولهم الجهوية وفروعهم وأغانيهم.
ثالثا: من المعلوم أن الفنانات والفنانين اليهود الذين اشتغلوا بالفن أغلبهم من عائلات فقيرة وأن انخراطهم في عالم الأغنية هو من أجل تحصيل المال ، لهذا السبب كان انفتاح هذه الفئة على وجهاء القوم والأثراء.

ومن المعلوم أن اليهود كانوا أكثر انفتاحا على الفرنسيين وقد برز ذلك في البعض من أغانيهم التي تعتمد المراوحة بين كلمات عربية وأخرى فرنسية.

أما مساهمتهم في تطوير رصيد مدوّنة الأغنية التونسية فهو واضح خاصة في عشرينيات القرن الماضي حيث أسهم هؤلاء الفنانين والفنانات اليهود في آداء العديد من الأغاني الناجحة، ويبرز ذلك في أغاني لويزة التونسية وحبيبة مسيكة التي كان لها شأن في هذا المجال، وقد تأثر بفنّها العديد من وجهاء القوم والأثرياء اليهود والمسلمين، وقد سعت كغيرها من الفنانات والفنانين إلى تسجيل أغانيهم على اسطوانات مما مكن مصالح الدولة الراعية للثقافة من تجميع هذه المواد الموسيقية وحفظها من الاندثار في خزائن مؤسسة النجمة الزهراء.

وليس غريبا على الكاتب فاخر الرويسي الذي يعمل من أجل التعريف برموز الأغنية التونسية أن يكتب هذا الكتاب المرجع ، وقد بذل في سبيل ذلك مجهودا واضحا في البحث المصادر والمراجع المختلفة، وكذلك في المقالات الصحفية. فالكاتب فاخر الرويسي عمل على تجميع سيرة هؤلاء الفنانين بشكل متأني وجدّي ينمّ عن تمرّسه بالمادة التي يبحث فيها ورغبة متأصلة منه في سدّ فجوة معرفية تاريخية أهملها جمهور الباحثين بشكل نعتقد أنه غير متعمّد، فمعروف عن الفنانين اليهود أنهم أبدعوا في مجال الأغنية كلمات ولحنا ووفّقوا في العديد من الأغاني التي كانت ناجحة ولازالت الذاكرة الشعبية تتغنّى بهذه الأغاني مثل أغنية (الأيام كيف الريح في البرّيمة) للشيخ العفريت، أو أغنية حبيبة مسيكة (نقطع التنهيدة داري حذا دارو قلت بعيدة) أو أغنية هناء راشد (يا هاجرة يا مليّعة لكبيدة ردّي عليه الدمعة والتنهيدة). ولكن بالمقابل هناك أغاني أخرى تم ادراجها ضمن خانة الأغنية السوقية بمقاييس ذلك العصر وهي كذلك لفنانين يهود، مما أفضى بأساتذة الموسيقى وشيوخ المالوف في ثلاثينات القرن الماضي إلى بعث جمعية الرشيدية كردّ فعل على هذا التوجّه الموسيقي دون أن نغفل أن الرشيدية في حدّ ذاتها حفظت أغاني ألفها اليهود بل هناك من اليهوديّات من انخرطت صلب هذه الجمعية الرئدة مثل الفنانة هناء راشد.

وهي مسألة نرى أن الكاتب تغافل عن ذكرها وغلّب الناحية الايجابية.

ومجمل القول نرى في هذا العمل مجهودا محمودا واضافة نوعية للمكتبة والمدوّنة الوطنية التونسية لحفظ تاريخنا الموسيقي أعلاما وآثارا موسيقية خالدة.

د.عبدالرحمان المرساني
باحث في علم الاجتماع

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.