أخبار - 2022.05.06

اصلاح قانون التحكيم والوساطة المغربي: حدث السنة أم حدث العشرية؟

اصلاح قانون التحكيم والوساطة المغربي: حدث السنة أم حدث العشرية؟

بقلم أحمد الورفلّي - محام لدى التعقيب. صادق البرلمان المغربي بتاريخ 2 ماي 2022 على مشروع القانون عدد 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية وذلك في قراءة ثانية له. ويتكون النص التشريعي الجديد من ثلاثة أبواب: يتعلق الباب الأول بالتعاريف والتحكيم الداخلي والتحكيم الدولي، والباب الثاني بالوساطة الاتفاقية، فيما تم تخصيص الباب الثالث لأحكام انتقالية متفرقة.

وقد شهد البرلمان نقاشات مفصلة في القراءة الأولى حيث اقترح النواب ادخال 337 تعديلا، قُبل منها 203، وتم التصويت على النص المعدل في الغرفة الأولى بالإجماع، في حين تقدمت الفرق والمجموعات البرلمانية بمجلس المستشارين بـ160 مقترح تعديل قُبل منها 108 تعديل، وتم التصويت على النص أيضا بالإجماع. وفي القراءة الثانية صادق المجلس بغرفتيه على كامل النص دون أي تعديلات.

وبالتوازي، ذكر وزير العدل المغربي أن النقاش مطروح حاليا حول إنشاء هيئة دولية للتحكيم بمدينة الدار البيضاء، بالاتفاق مع إحدى مؤسسات التحكيم الدولية الكبرى، وهي المحكمة الدائمة للتحكيم بلاهاي، وذلك بهدف جذب التحكيمات التي يكون من أطرافها شركات وطنية وشركات أجنبية مستثمرة في المغرب، بالدرجة الأولى، فضلا عن التحكيمات التي تهم شركات أجنبية فيما بينها. وبالنظر إلى عمق الاستثمارات المغربية في عديد الدول وخصوصا في افريقيا (الشمالية وجنوب الصحراء)، فإن حظوظ هذا المركز جيدة للحصول على مناب مهمّ من السوق التحكيمية الافريقية والمغربية. وجدير بالإشارة أن المغرب شهد انشاء عدد من مراكز التحكيم التي كان لها اشعاع محدود، تغيّر وتفاوت من مرحلة إلى أخرى، وأنه منذ بعض السنوات، ولدى انشاء القطب المالي بالدار البيضاء، تم إطلاق مركز تحكيم تابع له سنة 2014. غير أن هذا المركز لم يعرف الرواج والتألق الذي كان منتظرا، ولم يصل إلى منافسة مراكز إقليمية أخرى مثل مركز تحكيم مركز دبي المالي.

وعليه فإن اصدار قانون التحكيم والوساطة الجديد يهدف بالأساس إلى إعطاء دفع كبير لآلية التحكيم ولممارسة التحكيم في المغرب. ولتحقيق ذلك، لا يكفي انشاء مركز تحكيم جديد، بل إن وزير العدل المغربي أشار إلى متطلبات أخرى تتمثل في خضوع المحامين لدورات تكوينية تؤهلهم للعمل في هذا المجال، لأن التحكيم يخضع "غالبا" لمبدأ العدالة عوض القانون، وكذا العادات والتقاليد التجارية الجاري بها العمل بين الأطراف، مضيفا أن العمل جار لوضع تكوينات تخصصية، مثل معهد المحاماة والموثقين الذي تعتزم الوزارة عرض مشروع قانون بشأنه على أنظار مجلس النواب. كما ينبغي توفير تدريب متخصص للقضاة المعنيين بقضايا التحكيم، مع توسيع دائرة هذا التدريب، بالنظر إلى أن بعض المسائل الجانبية (تعيين محكمين، تجريح في محكمين، اصدار قرارات وقتية وتحفظية...) تطرح أمام مختلف المحاكم ولا يمكن حصرها أمام محكمة واحدة. وفضلا عن كل ذلك، ينبغي توفير الكفاءات اللازمة في مجالات مرتبطة بالتحكيم وخصوصا بالنسبة للخبراء والمترجمين ومكاتب تفريغ الجلسات... أما من الجانب اللوجستي الصرف فإن المغرب يحتكم حاليا على بنية تحتية متطورة (النقل الدولي، الفندقة، الاتصالات...)، ومن ثمة فلا يُطرح إشكال كبير من هذه الناحية.

بالمقابل، نجلس في تونس تحت سور الصراعات السياسوية، وتظلّ هذه المسائل الحيوية متروكة، بعد أن شكّل وزراء العدل المتعاقبون -منذ سنة 2007 على الأقل- لجانا إثر لجان، تغيّر فيها باستمرار أصدقاء الوزراء أو مقرّبوهم، وانتهت كلها بصياغة نصوص ومراجعة مشاريع نصوص، أُلقيت كلّها في النهاية في أركان متناثرة لا أحد يستطيع جمع شتاتها. واليوم، بعد أن قامت دول عربية أخرى بإصدار تشريعات تحكيمية "ثورية" على غرار قانون (نظام) التحكيم السعودي لسنة 2012 وقانون التحكيم البحريني (2015) وقانون التحكيم الاماراتي (2018)، أصبح القانون التونسي (مجلة التحكيم) الصادر في 26 أفريل 1993 (أي قبل نحو ثلاثين سنة) واحدًا من القوانين العتيقة في المنطقة العربية، ولم يعد هذا النص مبعث فخر أو اعتزاز، لأنه لم يأت بما لم يستطعه الأوائل، مع أنه ظل متماسكا ولم يتخلف كثيرا عن ركب الحداثة في عالم التحكيم. غير أن هذا القانون يفتقر اليوم وبشكل واضح إلى أمرين وهما:(1) لمعان الجديد وتوهّجه، وما يمكن أن يثيره من نقاشات تدخل في إطار السياسات الإعلامية الترويجية للوجهة التحكيمية، و(2) أحكام تنظم الوساطة الاتفاقية، في حين ظلت المنظومة التشريعية التونسية متمسّكة بالوساطة القضائية التي ثبت فشلها، لا بسبب ضعف تكوين القضاة كما نسمع دائما، بل لأن الوساطة القضائية على الشاكلة التونسية نظامٌ فاشلٌ بطبيعته مهما اجتهد القضاة، ولن يزيدنا المستقبل إلا تأكدا من عدم وجاهة هذا الخيار.

فاليوم، تحتاج تونس إلى إرسال إشارات جدية إلى عالم الاستثمار والأعمال في الداخل والخارج، دلالةً على تمسّكها الفعليّ بخط الحداثة وتطوير منظومة قوانين الأعمال بما يتماشى مع المعايير العالمية التي لم تأت بها الصدف بل تمخضت عن نقاشات معمّقة وموسّعة أصبحت تشمل المختصين من كل أرجاء العالم ومن كل الثقافات القانونية. أما الاكتفاء بالسكون والجمود والوقوف على الأطلال في عالم يتحرّك باستمرار فنتيجته الحتمية إقصاء تونس من الخارطة التحكيمية في العالم، وهو أمر نراه رأي العين في كل المناسبات الكبرى في عالم التحكيم ومن خلال تراجع نسق تعيين المحكمين التونسيين في قضايا التحكيم الدولي.

كم نحن في حاجة إلى أن نشرع في صناعة عجلة دائرية الشكل كما يفعل الآخرون، برؤية العصر وروحه، لا غير.

أحمد الورفلّي
محام لدى التعقيب

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.