أخبار - 2021.04.04

حبيب القزدغلي : تحية وفاء للرفيق والزميل علي مطيمط (26 سبتمبر 1937- 2020)

حبيب القزدغلي : تحية وفاء للرفيق والزميل علي مطيمط (1937-26 سبتمبر 2020)

احتضنت قاعة الطاهر الحداد  بالمكتبة الوطنية  يوم السبت 03 أفريل 2021 موكبا لتكريم روح الفقيد علي مطيمط الباحث والأستاذ والمناضل الذي توفي يوم 26 سبتمبر 2020 ونظرا للظروف الوبائية الحرجة السائدة في الأشهر الأخيرة لم يتسن تنظيم أربعينية الراحل في وقتها. وقد تداول على أخذ الكلمة في هذه المناسبة عدد من أفراد عائلته وزملائه وأصدقائه ورفاقه في الحقلين السياسي والنقابي. وكان حبيب القزدغلي  ألأستاذ الجامعي والعميد السبق لكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة من بين الذين ألقوا كلمة في هذا الموكب جاء فيها:

أجدد عبارات التعزية والمواساة  لعائلة علي مطيمط  القريبة ولنا جميعا أعضاء عائلته الموسعة السياسية والجامعية. وإذ أجدد تثميني لكل ما جاء في كلمة  التأبين الصادقة التي جاءت على لسان ألأستاذ أحمد فريعة -قبل أن يوارى جسم فقيدنا التراب يوم 26 سبتمبر 2020 -  فاني أريد مواصلة اثراء ما جاء في تلك الكلمة البليغة  ببعض العناصر التي ساهمت في نحت شخصية فقيدنا وجعلت منه مثالا للمثقف الوطني الملتزم في أداء واجبه العلمي والمساهم في حل قضايا وطنه من موقعه الخاص طيلة أكثر من نصف قرن.

ان ما سأذكره  هنا هو وليد ما خلد وخمر في ذهني من خلال لقاءاتي القليلة بفقيدنا ولكن رغم قلتها فأنها كانت ثرية في اهميتها وفي سمو معانيها. 

كانت قليلة رغم أنه جمعنا  الانخراط في الحزب الشيوعي التونسي (لكننا لم نكن من نفس الجيل ثم إن وقوع  خلافات قد حدت من امكانيات تكاثر اللقاءات) ورغم وحدة الانتماء الأكاديمي في الاهتمام بالماضي (ولكنه كما هو معلوم قد اهتم ببدايات الانسان على الأرض في حين أن اختصاصي تركز على الحقبات من الماضي القريبة منا وحتى الراهنة). كما سأستند ايضا فيما سأذكره إلى ما تفضل به من شهادات ومعلومات مكناني منها كل من الرفيق هشام سكيك الحاضر معنا اليوم و الرفيق  رشيد مشارك الذي كان من المبرمج أن يكون معنا في هذا التكريم  لكن صادف أن تمت دعوته اليوم وفي نفس التوقيت لإجراء التلقيح ضد الكورونا وقد شجعته على القيام بذلك الواجب الصحي وتعهدت بموافاتكم بالبعض من الذكريات التي جمعت رشيد مشارك بعلي مطيمط حيث ارسلها اليّ مكتوبة البارحة.

أولى تلك المعلومات هي أن الفقيد كان من السابقين الى الانتماء الى الحزب الشيوعي التونسي ولكن لم أتمكن من التعرف الى الآن هل أن  ذلك حصل خلال السنة التي قضاها في فرنسا لدراسة الطب أم أن الأمر قد تم في تونس اثر رجوعه لدراسة التاريخ بالجامعة التونسية.

المهم أنه  يتأكد من خلال شهادة رشيد مشارك أن علي مطيمط هو الذي كان وراء انخراط كلا من المرحوم أحمد ابراهيم ورشيد مشارك في العمل السياسي  وانضمامهما الى صفوف الحزب الشيوعي التونسي وكان ذلك في بداية السنة الجامعية 1966-1967 بعد اجتماعات عديدة كانت تتم بمنزله بساحة العملة.

وما يتبين أيضا من شهادة رشيد مشارك أنه كان لشخصية  علي مطيمط - وما عرف به من استقامة تجلب الاحترام ومن رفعة النفس والشهامة وحسن السلوك ودماثة الأخلاق- تأثير قوي في قبول الدعوة في الانضمام الى الحزب الشيوعي التونسي حيث يضيف رشيد " كنت اشعر آنذاك بان ذلك امر طبيعي ولم اكن ارى اي مانع في ذلك وانأ اعيش مرحلة البحث عن القيم المطلقة التي تستبد بفكر الشباب."  كما يذكر رشيد أنه لم ينتظم في نفس الخلية مع علي ولكنه  يضيف: بحكم انهما  "أولاد بلاد "  اضافة الى ان الشقة التي كان يسكنها تقع مباشرة قبالة الفرع التابع لكلية العلوم ببطحاء العملة حيث كان رشيد يدرس الرياضيات  فانه  التقى  به عديد المرات في  لقاءات عابرة ولكنها ثرية  تم فيها  تبادل  وجهات النظر حول المستجدات، مثل استقالة احمد المستيري من وزارة الدفاع في جانفي 68 احتجاجا على تعميم التعاضد وكان يرى فيها مبادرة "يمينية التوجه لعرقلة التجربة التقدمية القائم عليها احمد بن صالح آنذاك وكنت اشاطره الرأي تماما".  لكن الى جانب مشاطرة الرأي يحدث أن تقع خلافات بين الرفاق المنخرطين في نفس الحزب حيث يذكر رشيد " عرفت من خلال المعلومات التي كنا  نتداولها في اوساط الشيوعيين ان علي مطيمط كان من ضمن مجموعة الأساتذة الجامعيين مثل توفيق بكار وصالح القرمادي والحبيب عطية و نور الدين بوعروج الذين كان لهم تحفظات على سياسة الحزب واعتبروها خاطئة في تعاملها مع سياسة التعاضد التي رأوا فيها توجها تقدميا يستحق دعما قويا وواضحا دون أي تحفظ، في حين أن الموقف الرسمي  للحزب قام على "المساندة النقدية" للتجربة، وهو ما مثل أحدى نقاط الخلاف التي تواصلت سنوات عديدة محدثة  بعض الجفوة بين الرفاق.

لم أعش شخصيا  مرحلة الخلافات نظرا لسنيّ وقد وصلتني أصداء تلك الخلافات وتداعياتها لما قبلت بدوري الانخراط في الحزب الشيوعي في اواسط سبعينات القرن الماضي لكن من حسن حظي أنني عشت محطة هامة في حياتي النضالية أعتز بها ايما اعتزاز تمثلت في مشاركتي في محاولة راب الصدع عبر حوار من أجل تقريب وجهات النظر بين أفراد الفريقين. فقد شاءت الصدف أن أكون في المجموعة التي ضمت، في ستتي 1979- 1980، خمسة رفاق من الفريقين كان من بينهم علي مطيمط  وهم: المرحوم  صالح القرمادي والمرحوم صالح الحاجي والمرحوم علي مطيمط وهشام سكيك  والمتحدث اليكم" . كانت اجتماعاتنا تتم بالتداول بين مقر السكن الوظيفي لعلي في متحف باردو وفي منزل الرفيق صالح القرمادي في سيدي بوسعيد وفي شارع فرحات حشاد بالعاصمة (منزل المرحوم صالح الحاجي). وما أحتفظ به من تلك اللقاءات هي  تلك الرغبة الصادقة في البحث عن نقاط الالتقاء. و ليس المجال هنا للتفصيل في مآلات تلك اللقاءات ولكن يمكن القول أنه منذ ذلك الزمن (اربعون سنة)  أصبحت أعرف علي مطيمط وأتحادث معه كل ما سمحت بذلك الفرص السياسية والنقابية، وخاصة عندما درّس معنا في كلية  الاداب بمنوبة مادة اختصاصه، علم "ما قبل التاريخ"، في السنوات الخمس الأخيرة قبل أن يحال على شرف المهنة.

و ستتجدد اللقاءات وستتكثف بعد الثورة، بفضل الآفاق الرحبة التي فتحتها للمساهمة في العمل السياسي  حيث يذكر الرفيق رشيد " أن آخر مرة التقيته فيها كانت بعد الثورة في أواخر جانفي 2011 اثناء تجمع عام نظمته حركة التجديد  في قصر المؤتمرات لدعم حكومة محمد الغنوشي الأولى، وقد بدأت تشتد عليها معاول التخريب ويؤكد رشيد" أن على مطيمط  كان متحمسا شديد الحماس لمشاركة احمد ابراهيم في حكومة الوحدة الوطنية  وعبر عن مساندته التامة لهذا الموقف الوطني".

ما يمكن الاحتفاظ به من خلال هذه المسيرة  الطويلة أن علي مطيمط  كان حريصا  على التوفيق  بين النشاط الأكاديمي في الجامعة وبين الالتزام بالقضايا الوطنية  وكان له  اسلوبه الخاص في الابتعاد عن التشنج وتوخي الاقناع، سواء مع رفاقه أو مع من كان يتعامل معهم في اطار العمل أو في النقابة. يقول الرفيق مشارك " لم يفارقني ابدا الشعور بأنني مدين لرفيقي وصديقي علي مطيمط  في انني قد  احسنت الاختيار عند ما قبلت دعوته بالمشاركة في الحياة العامة عبر الانخراط في الحزب الشيوعي التونسي".

وعلى مطيمط ، الى جانب كونه قد ساهم مع رفاقه في فترة الحظر التي تواصلت 18 سنة  في الابقاء على جذوة الحزب الشيوعي جذابة لا تنطفئ، كان مثالا للمناضل الرصين الذي يتعامل مع رفاقه بغاية الاحترام والذي اقتنع دوما أن العمل الحزبي يجب أن يكون مرتبطا بالمستقبل الديمقراطي لبلادنا. وباستقطاب رشيد مشارك  واحمد ابراهيم كان علي مطيمط  قد قدم للحزب الشيوعي التونسي وللعمل العمومي  خدمة جليلة وإضافة فكرية واجتهادية ونضالية معتبرة " . في الختام وبحكم معاشرتي لعقود طويلة لهؤلاء الرفاق الأعزاء اثمن هذه الملاحظة و أؤكدها بدوري. وهو ما سعيت باقتناع  لتجسيده  عبر وضع  صورة علي مطيمط في احدى اللوحات التي تضمنها المعرض الوثائقي الذي أقمناه في الأسبوع الماضي في مدينة الثقافة   بمناسبة احياء مئوية النشاط الشيوعي بالبلاد التونسية (والتي تفضلت نادرة ابنة الفقيد  بإدراجها  في الكتيب التذكاري الذي وزع عليكم) وذلك باعتباره أحد رجالات ذلك القرن. 

تحية لروح علي مطيمط الذي ستحتفظ ذاكرة كل من عرفوه بجليل خصاله  وتحية لروح أحمد ابراهيم الذي سنحيي بعد ايام قليلة الذكرى الخامسة  لوفاته كما أنه لا يمكنني أن أنسى مرور هذه الأيام للذكرى الثالثة لوفاة الرفيق صالح الزغيدي. لأرواحهما   السلام والرحمة.

حبيب القزدغلي
أستاذ جامعي
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.