أخبار - 2020.08.17

منجي اللوز : كيـف ستـــغـيّـــر حكومة الكفــاءات المشهد السياسي

منجي اللوز : كيـف ستـــغـيّـــر حكومة الكفــاءات المشهد السياسي

بقلم منجي اللوز - أعلن السيد هشام المشيشي، المكلّف بتشكيل الحكومة الجديدة، في أولى تصريحاته أنّه سيسعى إلى تشكيل "حكومة كفاءات وطنية" تستجيب لطموحات التونسيين التي طال انتظارها.

وقد ساد الاضطراب إثر ذلك صلب الطبقة السياسية وفي أوساط الرأي العام بين مؤيّد ومتفهّم لهذا الخيار وبين رافض له.

وللوهلة الأولى يبدو وكأنّنا إزاء مشكل مغلوط لأنّ المعرفة والخبرة كانتا دوما أساس السلطة، وهما توأمان متلازمان ومترابطان عضويا، فجلّ المنتخبين ورجال ونساء السياسة في عالم اليوم محاطون بثلة من الخبراء والمستشارين لمساعدتهم على اتّخاذ القرارات الصائبة تجاه قضاياه المستعصية والمتشعبّة، ولعلّ الاختلاف الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه يوجد صلب فئة المثقّفين ذاتها، وذلك بين من اعتبروا مثقّفي الشعب والمجتمع ومن يطلق عليهم بمثقّفي البلاط أو القصر، نظرا للريبة التي تحوم حول دور هؤلاء في إخفاء الشرعية على ظلم الحكّام وحيفهم.

ولكن لماذا يقع التعريض اليوم بين رجال السياسة وخبرائهم ومستشاريهم ولماذا يتمّ الرمي بهم ظهرا إلى ظهر؟ هل اكتسب هؤلاء من القوة والاستقلالية ما يؤهّلهم لمنازعة أصحاب القرار المنتخبين على السلطة؟

غير أنّ "حكومة الكفاءات"، مع ذلك ليست بدعة. ففي إيطاليا مثلا يمكن اعتبار حكومة ماريو بونتي عميد كلية الاقتصاد سنة 2011 مثالا نموذجيا لهذا النوع من الحكومات، وهو خيار أملته الأزمة المزمنة للديمقراطية الإيطالية، فقد كانت حكومة محدودة العدد ضمّت أحد عشرة وزيرا جلّهم أساتذة جامعيّون مرموقون وليس بينهم أيّ سياسي محترف بالمعنى المتعارف عليه.

وفي تونس كانت حكومة المهدي جمعة سنة 2013 حكومة غير متحزبة فرضتها الأزمة السياسية الحادّة لحكومتي ما عرف بـ "الترويكا" إثر سلسلة الاغتيالات السياسية وتفاقم العمليات الإرهابية وتحت الضغط المرتفع لاعتصام الرحيل.

كما يمكن القول ولو بشكل مفارق إنّ المدّة القصيرة التي أمضتها حكومة الياس الفخفاخ في السلطة كانت فعليا حكومة خبراء حيث تحوّلت الحكومة في ظلّ جائحة كورونا إلى مجرّد جهاز تنفيذ لقرارات المجلس الأعلى للصحّة، وهكذا يتّضح أنّ حكومة الكفاءات أو الخبراء ليست منبثقة عن اختيار الناخبين إنٌما هي حكومة تمليها الضرورة وللضرورة أحكام كما يقال : فهي الحكومة الوحيدة الممكنة لتفادي الانهيار والفوضى التي عجزت الأحزاب عن درئها.

ومثلها مثل "حكومة القضاة" هي حكومة استثنائية في النظام الديمقراطي، ولا يفرض أن تكون محدودة العدد فحسب إنّما أن تكون محدّدة المهام ومحدودة المدّة الزمنية.

وقد يتبادر إلى ذهن البعض أنّ حكومة "الكفاءات غير المتحزّبة ليست سوى اختيار اعتباطي ومزاجي لرئيس الدولة الذي ما انفكّ يبشّر بنهاية عصر الأحزاب ويناصبها العداء.

ولكن إذا وقفنا عند إفلاس الأحزاب السياسية التي حكمت البلاد على مدى السنوات العشر الماضية أدركنا أنّ هذا الظن خاطئ وآثم.

فقد برهنت هذه الأحزاب وعلى رأسها حزب حركة النهضة على عجز تام عن إنقاذ الاقتصاد الوطني من الانهيار وعلى الحدّ من البطالة وعلى تنمية الجهات والأحياء المحرومة وتعريض الانتقال الديمقراطي إلى أزمة باتت تهدّد ما تمّ تحقيقه من مكتسبات بينما انصرفت في السعي وراء مآرب شخصية وحزبية ضيّقة وتورّط العديد من أطرافها في حماية ومنح الغطاء للفاسدين والمهرّبين والمتهرّبين والمحتكرين وانخرط معظمها في المحاور الإقليمية خاصّة في علاقة مع الملفّ الليبي لقاء فتات من جملة استعمالات تغذية النزاعات الداخلية الهوجاء. فضلا عن السقوط في المهاترات والتهريج وحتّى اللجوء الى العنف تحت قبّة البرلمان وعبر البلاتوهات التلفزية التي تحوّلت إلى سيرك مزعج.

لقد أفضى هذا السقوط إلى تلويث الحياة السياسية والعامة وترذيلها فنال من مصداقية الأحزاب بصورة عامّة وأفقدها ثقة التونسيين.

وهكذا، فإنه حتى لو يبقى بإمكان الأحزاب البرلمانية التصويت ضد حكومة المشيشي غير المتحزبة فالأرجح أنها ستذعن لهذا الخيار خوفا من فقدان شرعيتها الانتخابية، وسوف نشاهد معا كيف أنّ الاحزاب، حتى تلك التي تحتلٰ مرتبة محترمة في عمليات سبر الآراء (على علاتها) ستكون أوّل من يؤيدها وسنشهد لأوّل مرة التقاء العدوين اللدودين (النهضة والدستوري) في التصويت بـ "نعم" لفائدة حكومة الرئيس.

بذلك ستغيّر حكومة "الكفاءات" الإطار السياسي العام برمّته إذ سيصبح الرئيس قيس سعيد وحكومته في الواجهة فيما ستطلق يد الأحزاب، وسيمنحها هذا المشهد الجديد حرية مساندة قرارات وإجراءات هذه الحكومة أو الوقوف في وجهها ومعارضتها وهو أفق لا يوحي بأيّ خير.

ولكن السؤال الأخطر يبقى دائما: هل ستكون حكومة "الكفاءات" قادرة على التغيير في ظلّ انعدام قدرة الأحزاب؟ وهل ستكون فعلا قادرة على رفع التحديات الاستثنائية المطروحة على تونس اليوم، وهل ستنجح في حماية البلاد من السقوط في الفوضى والانهيار؟

إنّ تونس تمرّ اليوم بأعنف أزمة عرفتها منذ الاستقلال وستواجه حكومة المشيشي تحديات لم يسبق لها مثيل، تحديات لم تعرفها حكومات بورقيبة ولا حكومات بن علي ولا أيضا الحكومات المتعاقبة بعد الثورة.

ذلك أنّ البلاد قد تحولت من حــــالة الأزمة الاقتصـــــادية الى حالة الانكمـــــــاش التام بعد الخسارة الفادحة التي تكبّدها الاقتصاد الوطنـــــي جرّاء جائحة كورونا والتي تقدّر بما لا يقلّ عن عشرة مليار دينــــــار، بما يعني خسارة ما بين 7 الى 10 نقـــــاط نموّ يقابلها آليا ارتفاع في نســــبة البــــــطالة من 5 الى 7 في المائة.

كيف العمل؟

من أين سيأتي المشيشي بمبلغ العشرة مليار دينار لتسديد الخسارة والحفاظ على المؤسّسات الاقتصادية القائمة وعلى موارد الرزق والعمل والحال أنّ سبل الاقتراض الخارجي قد ضاقت الى أبعد حدّ وهل ستكون له القوة السياسية لتجنيد الاقتراض الداخلي كبديل عن ذلك؟

هل ستكون لحكومة الرئيس القوّة والجسارة السياسية اللازمة لمكافحة آفات الفساد والتهرّب الضريبي والتهريب والاحتكار التي أنهكت المجتمع والدولة والتي ستنتعش أكثر فأكثر في هذه الأوضاع المتفجّرة؟
ما هي حلول "حكومة الكفاءات" لإيقاف نزيف المؤسّسات العمومية ورفع حملها على ميزانية الدولة؟

كيف يمكنها إرجاع قطاعي الفسفاط والنفط الى سالف نشاطها وحلّ المعضــلات الاجتماعية المحيطة بها؟

إنّها تحدّيات جسيمة بلا ريب، وسيكون من الإجحاف التوهم بأن حكومة السيد هشام المشيشي تستطيع رفعها أو أنها قادرة على تحريك الجبال غير أنه لا يمكن مجابهتها ولو تدريجيا وعبر مراحل بروح السذاجة الرومنسية عندما قال إنّ "حكومته ستكون سياسية وأن السياسة ما هي إلّا خدمة الشعب" لأنّ السياسة في وضع تونس المهدد بالانهيار لم تعد فقط "فن الممكن" إنما خاصة "هي فن جعل ما هو ضروري ممكنا" وهذا هو شأن الرجال الأقوياء في مجالي السياسة والاقتصاد الذين تحتاجهم تونس الآن.

مع ذلك هناك خشية حقيقيــة في اللا تكــون حكومـــــة الرئيس في مستـــــوى الكفاءة والقدرة لوضع تونس على طريق الخلاص..

م.ل

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.