مختار اللواتي: حقّ الجهات الداخلية، ومنها صفاقس عليكم، أن لاتُهملوها !..

مختار اللواتي: حقّ الجهات الداخلية، ومنها صفاقس عليكم، أن لاتُهملوها !..

اغتبطتُ منذ أكثر من أسبوع لدى مشاهدتي، على شاشة التلفزيون ضمن نشرة الأنباء على القناة الوطنية، عمال نظافة بأزياء الحماية اللازمة معزَّزين بعربات ضخ المياه ومواد التعقيم، وهم يمسحون شوارع وساحات وأحياء مدينتهم، في أحواز العاصمة على ما أذكر، قلت في نفسي "هاهو الفرج قريب، وهذه تباشيره". فأن تَهُبَّالبلديات، وهي أحدُ أهمِ أعمدةِ الحكمِ المحلي، لنجدة متساكني مناطقها والمساعدةِعلى تقليل مخاطر انتشار الوباء فيها بمثل تلك الحملات للتعقيم والتنظيف، فذلك مايشرح النفس ويُطَمْئِن ! وانتظرتُ اليوم تلو اليوم لأرى أو أسمع عن حركة في جهة صفاقس، التي أقيم فيها، شبيهةٍ بما شاهدتُه على شاشة التلفاز، فلم أظفر بما يزيل الكدر ويبعث الأمل.. فحتى حاوياتُ الزبالة ظلت أمينةً على أوساخها، مرتعا للذباب ومختلف عائلات الحشرات، وقت امتلائها وخصوصا بعد رفع محتواها، تماما مثل حالها قبل عدوان الكورونا علينا وشن حربنا عليها..

دعكم من وسخ الطرقات والساحات والأحياء والحاوياتـ. فقد يراها البعض ربما، من مقويات المناعة.. وفي النهاية، قد يقول البعض، هو حجر صحي في المنازل.. فما دخلكم في الشوارع وفي الساحات والأحياء.. فلنترحم فقط على روحي إثنين من رؤساء بلدية صفاقس الأقدمين، الراحليْن أحمد الزغل والتيجاني مقني، حيث كانت مدينة صفاقس تُغسل شوارعُها وأنهجُها كل ليلة، صيفا وشتاء.. ولا وباء هناك ولا هم يحزنون !

طيب، وماذا عن التهاب أسعار المواد الغذائية الأساسية، من خضر وغيرها، وقد ازدادت ارتفاعا طابقين وأكثر، والحكومة تتحدث عن الضرب على أيدي المحتكرين. وقد سمعنا فعلاً عن إيقاف عدد منهم وإصدار أحكام بالسجن وبالغرامة عليهم .. ولكن، هل النافخون في لهيب أسعار المواد الغذائية المشتعلة أصلا من قبل، يُعَدَون من التجار الأذكياء الذين يعرفون كيف يقتنصون الفرص من أجل الربح الحلال؟. وأن ذلك هو من مستلزمات قانونِ عرضٍ وطلبٍ، مستجدٍ هو الآخر..؟؟

صحيح سمعنا عن حجز أطنان من البضائع المخبأة من مواد الاستهلاك الحياتية للناس في عديد الجهات. وبالمناسبة، أدعو وبإلحاح إلى الكشف علنا عبر التلفزيون والإذاعات عن أسماء المحتكرين الذين تمٰ ويتمّ ضبطهم، مع عرض صورهم وذكر المناطق والجهات التي يقومون بجرائمهم فيها حتى يكونوا عبرة للباقين، وهم كُثُر..أعود إلى جهة صفاقس، ليس تفضيلا لها عن بقية جهات بلادي، وأنا لم أكن يوما جهويا متعصبا، وإنما اخترتها، من ناحية لأنني أحد أبنائها ومقيم فيها وأدرى بشعابها، ومن ناحية ثانية، قمت باختيارها كمثال فقط عما يعانيه المتساكنون في ربوعها وفي المناطق النائية في البلاد وسط نقص فادح في الرعاية والإحاطة المزمنة وكذلك تلك التي يتوجبها الظرف الخطير الذي تعيشه البلاد بأسرها في جو حرب من أشرس ما تكون.. ما أعلنته الحكومة من إجراءات إيجابي مافي ذلك شك، ولكنه غير كاف من ناحية، وينقصه إحكام التنظيم وسرعة الإنجاز ليحقق المراد. وفي كل الحوال لابد من معاضدته بتضافر جهود كل الجهات، عمومية كانت أو خاصة. وفي هذا السياق أتوجه بجزيل الشكر إلى رجل الأعمال الذي شيد مبنى إستشفائيا في جهة سوسة يدعم مستشفى سهلول القائم فيها.

وعلى ذكر الرعاية والإحاطة، ومع معرفة سكان جهة صفاقس، بل وسكان كامل الجنوب التونسي، بالحالة المزرية التي عليها مستشفيا صفاقس، الهادي شاكر والحبيب بورقيبة، من حالة اهتراء لتجهيزاتهما الطبية، إما بالعطب الذي طال أو بالقِدَم وفقدان الصلاحية، إلا أنهم لم يكونوا يتخيلون أن لا تعطي الدولة الأولوية في الإصلاح بالسرعة المطلوبة للمستشفيين، سواء مما حصلت عليه من دعم أجنبي، أو مما تجمع لديها من تبرعات على محدوديتها. وقد سمعنا عن إعلان رجل أعمال من أبناء الجهة عن اعتزامه التكفل بتجهيز أحدهما، ولم يبلغني شخصيا أي نبإ عن حصول ذلك بعد، أو إن كان في الطريق.. ولولا هَبَّةُ جمعياتِ المجتمع المدني، مثل فرع صفاقس الجنوبية للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجمعية مجيدة بوليلة للحداثة، لجمع التبرعات من أجل محاولة تسديد بعضِ النقص في مستلزمات حماية الإطار الطبي، لما رأينا السيد رئيس الحكومة يزور مستشفى الهادي شاكر ويَعِدُ بالغوث.. هذا الغوث الذي نتمنى أن يكون على قدْر الاحتياج من ناحية ويأتي قبل فوات الأوان من ناحية أخرى !!..

ومشروعٌ لكم السؤالُ هنا، أين اختفى المستشفى الذي أهدته لنا جمهورية الصين الشعبية وبنته سواعد رجالها على أرض صفاقس؟ وما الذي عطّل فتحَه في هذه الأيام العصيبة؟ ولماذا صَمَت الجميع عن الخوض في هذا الموضوع؟ والحال أن نوابَ جهة صفاقس في مجلس نواب الشعب، هم أولى من تُلقَى على كواهلِهم مثل هذه المسؤولية أمام صمت الوزارة المعنية. وإلا ماذا يكون دورُهم تحت قبة مجلس باردو، إن لم يكن هذا ومثلَه الكثير؟. أم هو فتاوى أحدِهم في الإيمان وفي الكفر؟ أو في اقتحامه مجلسا فنيا وإداريا لبحث مستجدات الوضع في مستشفى الحبيب بورقيبة، وافتعالِ مناوشةٍ للتهجم على الاتحاد العام التونسي للشغل ؟؟

وعلى ذكر المستشفى الجديد المعطل، أتمنى أن يرد رئيس الجمهورية على رسالة رئيس جمهورية الصين الشعبية، بالتماس فضله أن يكملوا معروفهم ويجهزوه ويشغلوه.. وكان الرئيس الصيني قد أبلغ في تلك الرسالة رئيسنا أمس، يوم الحادي والثلاثين من مارس، استعداد الصين لمد يد المساعدة لتونس في كل ما تحتاجه. كما عبر له فيما يتعلق بالتجهيزات والمعدات الطبية، وبالنظر لإمكانيات بلدنا المحدودة، عن تأجيل خلاص ثمنها وتقسيطه، إن هي رغبت في الشراء..

لست في حاجة إلى التذكير بالنسيان الذي تعرضت له جهة صفاقس لعقود طويلة، فذلك ذاقت مثله جهات ومناطق أخرى أيضا في البلاد. ولكن أن يستمر ذلك إلى اليوم وبعد عشر سنوات من التي اسمُها، كما شئتم، ثورة أو انتفاضة، تلك التي حملت بأَجِنَّةٍ اختار لها شبابها من الأسماء قبل أن تولد، "عدالة إجتماعية، كرامة وطنية..شغل ..حرية". للأسف، لم يولد منها حياً إلا واحد فقط هو حرية.. وجاء مشوَّهاً.. أو بالأحرى شوهوه بعد الولادة، وعلى مَرِّ هذه السنوات !

مختار اللواتي

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.