أخبار - 2020.01.23

منجي الزيدي: الغـربـة داخل الوطن

منجي الزيدي: الغـربـة داخل الوطن

تُعرف الغربة بأنّها الابتعاد عن الأوطان والأهل والأصحاب، وهي بهذا المعني تستوجب التنقّل المادي والجغرافي، طوعًا أو قسرًا، بالسفر أو الهجرة أو المنفى... ولكن هناك غربة داخلية تتمثّل في شعور الإنسان بأنّه غريب في عقر داره وبين أهله وذويه، وهي من هذه الوجهة ذات أبعاد سيكولوجية واجتماعية وسياسية وحضارية. وكثيرون اليوم يقولون لك بأنّهم يشعرون أنّهم غرباء في أوطانهم و لو لم يغادروه، وذلك تعبيرًا عن غربة داخلية أشد وطأةً ومعاناةً من الغربة الخارجية.

الغربة الداخلية ذات أبعاد متعددة ومتداخلة. ولقد تناولها الفكر السياسي والاجتماعي والآداب والفنون منذ القدم. وعُرفت بمصطلح الاغتراب أو الاستلاب الذي شاع استخدامه في مجال علاقة الإنسان بالإنتاج والنـظام الطبقي؛ ثـم اتّســع إلى المجال الاجتماعي والنفسي ليعبّر عن حالة شعورية ذاتية من ناحية وعن موقف وردّ فعل تجاه النظام الاجتماعي من ناحية أخرى. والواقع أنّ موضوع الغربة الداخلية قد ارتبط بمعاناة النخبة التي تجد نفسها تعيش في فجوة تفصلها عن مجتمعها، وتـواجه عجزا عن تجسيم طموحــاتها على أرض الواقع بحكم انعدام الوعي لدى العامة أو رفضها للتغيير، وقد قيل إنّ «لا كرامة  لنبيّ في قومــه»، وقـال الشافعي من ذلّ بين أهاليه ببلـدته ... فالاغتراب له من أحسن الخلق».

والأمثلة متعدّدة على اغتراب النخب من الأنبياء والفلاسفة والزعماء، ولنا شواهد عليها عند الشعراء والأدباء كمثل «الشنفرى» الذي وجد «في الأرض منآى للكريـم عن الأذى» فترك بني جلدته ليلوذ بعـالم الوحـوش البريّة حيث لا يذاع ســرّ ولا يخذل مستجير.

ومثل «التوحيدي» الذي لخّـص المعاناة بقوله: «وقد قيل: إنّ الغريب مـــن جفاه الحبيب وأنا أقول الغريب مــن واصله الحبيب، بل الغريب من تغافل عنه الرقيب...بل الغريب من نودي من قريب..الغريب من هو في غربته غريب.. يا هذا: الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، ودلّ عنوانه على الفتنة عقيب الفتنة، وبانت حقيقته فيه بين الفينة حدّ الفينة. الغريب من إن حضــر كان غائبًا، وإن غــاب كان حاضرًا». ومثل «الشابّي» عندما بان له أنّ الشعب «روح غبية تكـره النور وتقضي الدهور في ليل ملس»، شدّا  قانطا: «إنّني ذاهب إلى الغــاب يـا شعبي لأقضي الحياة وحدي بيأسي».
الظاهرة التي تلفت الانتباه اليوم هو أنّ الشعــور بالغربـــة الداخلية تجاوز النخبة ليتّسع مداه فيشمل قطاعات واسعة من المجتمع. بل ثمّة من يعتبر أنّ هناك حالة من اليأس والقلق العامة والشاملة. فيقول البعض «لم أعد أعرف بلادي» ويقول البعض الآخر «إنّني لا أفهم ما يجري والناس تغيّروا». والتعبيرات الدارجة على ذلك بليغة من قبيل «تجي تفهم تدوخ» و«شئ يوقّف المخ» وما إلى ذلك...

الواقع أنّ هناك عوامل كثيرة يمكن أن تساعد على فهم هذه الظاهرة. ويأتي في مقدّمتها عامل التحوّلات السريعة والعميقة التي قلبت الأوضاع الاجتماعية رأسا على عقب؛ فكأنّ الأرض غير الأرض وكأنّ البشـــر غيــر البشر. هذه التحوّلات هي كمثل الزلزال المباغت الذي طال أمد هزّاته الارتدادية فلم تتوفّر أسباب الاستقرار حتى يستوعب الناس ما يجري.

ويتعمّق عدم القدرة على فهم معاني الأحداث التي يعيشهـــا الأفراد meaninglessness بفعل حالة الأنوميا Anomie التــي تنتج عن التغيير المباغت، والمقصود بها واقع عدم الاستقرار والفوضى الذي يرافقه انخرام منظومة القـيــم وفشلها في توجيه سلوك الناس والضبط الاجتماعي وإحداث التوازن والوفاق. وهذا ما يعيش على وقعه مجتمعنا اليوم. فهو في قلب دوامة من التناقضات واجتماع الأضداد. واقع تلتقي فيه الخطوط المتوازية ويتحكّم فيه فاعلون اجتماعيون وسياسيون أكثرهم يقولون ما لا يفعلون، يبرّرون الشيء ونقيضه، ويستبدل بعضهم الخبيث بالطيب، ويكيل آخرون بمكيالين وأكثر. واقع تزر فيه وازرة وزر أخرى، وتحكمه كلمات الحقّ التي يراد بها الباطل... واقع تغيّرت فيه مقاييس الجدارة والكفاءة وشروط النجاح والفشل ومعايير المكافأة والعقاب. أصبح كل شيء واردا وجائزا. أصبح المواطن العادي يشعر بالعجز عن التحكّم في مجريات حياته اليومية Powerlessness مع انسداد الآفاق وغموض المستقبل. يعيش الفرد في قلق دائم لا يعرف كيف سيكون الغد. ويشعر أنه مُتَلاعب به وأنّه معزول ومهمّش ووحيد، وأنّه في قلب رحى طاحنة يديرها أصحاب منفعة باسمه ونيابة عنه. الجدب الفكري والضجيج الإعلامي والصراخ الخطابي وحمّى الجدال التي لا تتوقّف تزيد في غموض الحاضر وتلفع الآتي بالضباب الكثيف. مجتمع يهيم على وجهــه دون بوصلة. الأشياء ليست في مكانها الطبيعي والأشخاص في غير مواضعهم المناسبة... و«كلّ ساعة وعلمها».

دراسات عديــدة تعتبـر الاغتراب حالة باثولوجية مرَضيّـة على مستوى الفعل الاجتماعي وعلى مستــوى المعانى والقيم وعلى مستوى الفاعل الاجتمــاعي نفسه. وهي في الـواقع كذلك إذا لم تتوفّر عــزيمة جماعية لمجابهة التغيرات بروح المسؤولية ونكران الذات والتضحية...التضحية الحقيقية ليعود المغتربون إلى ذواتهم وأوطانهم. جواز السفر إلى الداخل ليس بعيد المنال إذا ما تحمّلت المجموعة الوطنية مسؤولياتها، وشعر الجميـع بأنّ كـــلّ الطــرق تـــؤدّي إلى الوطن وأنّ البلاد وإن جارت تبــقى عزيزة.

منجي الزيدي

أستاذ تعليم عال بجامعة تونس

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.