أخبار - 2020.01.22

عامر بوعزّة: في ذكرى الثورة الـتونسية أهـداف الثورة وأوهـامها

 عامر بوعزّة: في ذكرى الثورة الـتونسية أهـداف الثورة وأوهـامها

في الرابع عشر من جانفي العام 2011 غادر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، رحمه الله، البلاد متّجها إلى السعودية في رحلة لم يخطر له أنّها ستكون بلا عودة. وانتهت الاضطرابات التي امتدّت كالحريق من سيدي بوزيد إلى سائر المدن التونسية بسقوط النظام السياسي الذي كان يبدو منيعا ومحصّنا ضدّ كل أشكال السّقوط الممكنة. وبدأت مرحلة جديدة اتّجه فيها الشّعب التونسي نحو الجمهورية الثانية. وسيطلق لاحقا على هذا الحدث المفصلي الذي غيّر وجه البلاد ووجهتها اسم »ثورة الحرية والكرامة«. ورغم أنّ الغموض يحتفظ لديه بكثير من أسرار تلك الأيام، فإنّ الواقع الذي نعيش يكفي لرفع الغشاوة عن العيون وإزالة الكثير من الأوهام.

1 - لم تسقط دولة الفساد

من الشعارات الأساسية التي تمّ رفعها إثر سقوط النظام في 2011 شعار «سقوط دولة الفساد»، فقد أقبلت مختلف وسائل الإعلام على تداول قصص عن الأساليب التي كان يتوخّاها مقرّبون من الرئيس للإثراء واحتكار المشاريع المربحة، ولا يُذكر فسادُ الخاصّة إلا مقترنا بمدح صلاح العامة، فالشعب الذي نهبت عائلة الرئيس أمواله شعب ضعيف مسكين طيّب لا حول له ولا قوة، وكلّ حالات النهب التي وقعت إبّان الثورة يقع تعويمها في مقولة «يحدث هذا في كل الثورات»، وقد جعلت هذه الحملة الرّأي العام يتوهّم أنّ الفساد مرتبط برأس النظام الذي بذهابه ستقوم المدينة الفاضلة. وبعد مضيّ تسع سنوات لم يحدث هذا بل أصبح الفساد في متناول كل يد.

2 - ثورة لا مؤامرة

يعتبر البعض أنّ ما حدث يوم 14 جانفي مؤامرة نسجت خيوطها في الخارج لتقويض النظام وإطلاق شرارة التغيير السياسي في شمال افريقيا والشرق الأوسط ضمن مخطّط امبريالي يهدف إلى إنهاك الدول العربية وإضعافها ثمّ تقسيمها والاستيلاء على ثرواتها، وتحظى هذه النظرية بشعبية كبيرة في الأوساط الأكثر تضرّرا من التغيير السياسي. لكنّ دراسةً أكاديمية معمّقة أنجزها ثلاثة من علماء النفس من بينهم الدكتور عبد الوهاب محجوب أثبتت العكس. الدراسة نُشرت في المجلة البريطانية لعلم النفس الاجتماعي تحت عنوان «تونس: ثورة نموذجية» وانطلقت من استقصاء علمي ميداني لدراسة الحالة الوجدانية للمجتمع التونسي خلال فترة الانتقال الديمقراطي ومطابقتها مع الثوابت التي استخلصها المؤرخون وعلماء الاجتماع من الثورات الكبرى عبر التاريخ على غرار الثورة الإنجليزية (1640)، والثورة الأمريكية (1776) والثورة الفرنسية (1987) والثورة البلشفية (1917)، وقد أفضت دراسة التحولات النفسية والشعورية التي عاشها الأفراد في تونس إلى الإقرار  بشكل علمي وموضوعي بأنّ ما حدث يعتبر ثورة حقيقية. 

3 - أكذوبة الربيع العربي

في السادس من جانفي العام 2011 نشرت مجلة أمريكية متخصّصة في دراسة السياسات مقالا للدكتور «مارك لينش» أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن بعنوان «الربيع العربي التابع لأوباما» وفيه يتحدّث عن دور الوسائط الجديدة في إحداث التغيير داخل البلدان العربية. وهكذا ظهر مصطلح «الربيع العربي» لأول مرة، واستخدم في إعطاء وصف موحّد للثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن ثم سوريا. (ليس ثمة تناقض بين هذا والاعتراض آنفا على نظرية المؤامرة، فالعوامل الخارجية ساعدت حركة التمرد الاجتماعي في تونس خصوصا على المستوى الاتصالي اللوجيستي). لكن من البديهي أن نكتشف التناقض بين الرمز والواقع بمعاينة الوضع الذي أفضت إليه الثورات على الأرض، إذ لا يمكن بأية حال اعتبار ما حدث في سوريا واليمن وليبيا ربيعا عربيا، ولعلّ سقف التفاؤل يتوقّف عند حدود البلاد التونسية التي يعتبر التداول السلمي على السلطة فيها تجسيدا فعليا لديمقراطية غير مألوفة في المدى العربي، من غير أن يكون هذا التغيير في فلسفة السلطة وأسلوبها مقترنا بأي تحسن تنموي يتجاوز المشاكل الحقيقية التي قامت بسببها الثورة أصلا. وهذا يعني أنّنا حتى لو نسّبنا الأمر واعتبرناه كما يفعل البعض ربيعا تونسيا فقط قد نكون أيضا بصدد تغطية عين الشمس بالغربال.

4 - الثورة صناعة محلّية غير قابلة للتصدير

في معرض حديثهم عن التحالفات الدولية التي قامت لدعم الثورات أو لإحباطها يحلو لبعض السياسيين تبني نظرية «العدوى الثورية»، فيتمّ عادة تشبيه الأنظمة العربية بقطع «الديمينو» المرصوفة بعناية والتي تكفي نقرة واحدة لتطيح بها الواحد تلو الآخر، وهي مروية تغذي النرجسية التونسية وتجعلها تتباهى لا بالأسبقية التاريخية فحسب بل «بالوصاية الثورية» أيضا على النحو الذي انتهجه الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي وهو يرقص فرحا بسقوط معمر القذافي بين أيدي الثوار رغم قسوة المشهد، ويبرّر لاحقا قطعه العلاقات الديبلوماسية مع دمشق رغم تعارض ذلك مع المصلحة الوطنية. وهذه القراءة الأحادية للتاريخ تتعامل مع الشعوب العربية بوصفها كتلة واحدة، وتختزل مقولة الثورة في الحرية والديمقراطية، بينما يثبت الواقع الأهمية التي تكتسيها عوامل أخرى من الخطأ إغفالها، على غرار نفوذ المؤسسة العسكرية في مصر، والصراع الإقليمي الطائفي في سوريا واليمن، والتفكك الاجتماعي مع غياب ثقافة الدولة في ليبيا. كما يمكن الانتباه إلى أنّ الثورة في الجزائر تأخّرت كثيرا، واتخذت مسارا مختلفا بحكم التأثير النفسي والاجتماعي الذي خلّفته «العشرية السوداء» هناك والذي يمنع الجزائريين من الذهاب مجدّدا إلى المجهول. أمّا دول الخليج العربي والتي تُتّهم كُلّها باستثناء قطر بمساندة قوى الثورة المضادّة لخشيتها من «عدوى الديمقراطية» فتبدو محُصّنةً بإحكام ضدّ التعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة والحكم بمنطق «الشعب يريد» لاعتبارات ثقافية عميقة تتصل بطبيعة المجتمع ودور الرخاء الاقتصادي في إبقاء الوضع على ما هو عليه في المدى المنظور..

5 - من الذي قام بالثورة؟

يوم 3 مارس 2011 طرح الرئيس المؤقت فؤاد المبزع خارطة طريق تضمنت بعث هيئة «تحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي»، وهي هيئة متكونة من «شخصيات سياسية وطنية وممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية والهيئات والمنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني المعنية بالشأن الوطني في العاصمة والجهات ممن شاركوا في الثورة وساندوها». وكانت تلك أول مبادرة لاستعادة زمام المبادرة واسترجاعها من الشارع بعد استقالة محمد الغنوشي الوزير الأول من منصبه يوم 27 فيفري 2011 تحت ضغط ما سمي باعتصام القصبة. وهذا الخطاب الرسمي الأول الذي يستخدم فكرة «المشاركة في الثورة ومساندتها» باعتبارها معيارا للتصنيف رغم ضبابيتها وانطوائها على نزعة إقصائية استئصالية. ولئن كان واضحا إلى حدود تلك اللحظة أنّ الشارع تحرّك في 17 ديسمبر بسيدي بوزيد رافعا شعارات اجتماعية تتصل بالحقّ في التشغيل والحياة الكريمة، فإنّ دخول التنظيمات السياسية المختلفة على الخطّ في إطار الهيئة التي دعا الرئيس المؤقت إلى تأسيسها بدأ يجرّد الثورة من بعدها الاجتماعي وينسبها إلى الحراك الذي قادته المعارضة الراديكالية والنخب على امتداد عشرية كاملة ضد نظام بن علي والذي كان مجاله حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الانسان. وسيفرض هذا التنازع بين مطالب الشارع ومطالب النخبة نفسه على سلّم الأولويات طويلا، بل كان من أهم عوامل التأثير في خطاب قيس سعيّد الانتخابي دعوته إلى تغيير نظام الحكم باعتبار أنّ الذين قاموا فعلا بالثورة لم يكسبوا منها شيئا.

6 - الثورة لم تجهض

لم يغيّر قيس سعيّد رئيس الجمهورية المنتخب في أكتوبر 2019 خطابه قيد أنملة حتى بعد أن صار جزءا من النظام، بل في أعلى هرمه، وظلّ يكرّر نفس المقولات التي عُرف بها، فقد قال مثلا في لقاء تلفزيوني على شاشة قناة حنبعل يوم 24 مارس 2019: «الشعب يريد إسقاط النظام، لكن المنظومة القديمة قامت باحتواء الثورة». وأعاد هذه الفكرة وهو يحتفل مع المحتفلين في سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2019 بذكرى اندلاع الشرارة الأولى للثورة، واعتبر في هذا الموقف الشعبي الساخن أنّ 14 جانفي أجهض الثورة!

ويقوم هذا الخطاب الرئاسي الغريب من نوعه على الاستسلام الطيّع لأوهام كثيرة تتّسم بالطابع الشعبوي. ناهيك عن خطورته إذ يقسّم التونسيين ويختلق حربا افتراضية بين الثورة والثورة المضادّة، وأوّل مظهر لهذا التقسيم التنازعُ في الرمزية بين 17 ديسمبر و14 جانفي، بين سيدي بوزيد والعاصمة الخ. وهو خطاب متناقض لأنّ الصيرورة التاريخية تؤكد أنّ سقوط النظام كان نتيجة للتحركات الاجتماعية التي بدأت من الداخل واجتاحت العاصمة في أكثر مواقعها حاجة إلى الاحتجاج والعصيان، وأنّ كل الخطوات التي اتخذت لقطع المسافة بين الاستبداد والديمقراطية كانت موفّقة رغم ما شابها من تعثرات، وأنّ وجود قيس سعيّد في قصر قرطاج بعد انتخابات حرة ونزيهة وشفافة هو أبرز دليل على أنّ الثورة لم تجهض وأنّ تونس نجحت رغم كل شيء في تمكين الشعب من آليات تكفل له تحقيق إرادته.

7 - ثورة لا تشبه إلا ذاتها

بالنظر إلى الأحداث التي عاشتها البلاد في مثل هذه الأيام من العام 2011 يمكن الجزم بأنّ الثورة التونسية كانت  فعلا «ثورة على غير منوال»، وهذا يتعارض مع كل القراءات التي تنظر إليها من الخارج وتحاول إخضاعها إلى منطق الحتمية التاريخية. وأبرز من تخصّص في هذا الضرب من القراءة الدكتور محمد المنصف المرزوقي الرئيس السابق للجمهورية التونسية. نذكر هنا على سبيل المثال قوله في محاضرة ألقاها العام 2012 بقصر القبة الرئاسي بالقاهرة: «الثورة العربية لا تخرج عن القوانين التاريخية..، إنّ ثورات الربيع العربي تجمع مبادئ الثورات الفرنسية والروسية والأمريكية والمحمدية» وذلك رغم إقراره في نفس السياق بأهمية العامل الاتصالي بقوله: «هذه التكنولوجيا لم تصنع الثورة. لكن لولا هذه الثورة التكنولوجية ربما بقينا حتى الآن نتخبط في الاستبداد».

ويقوم خطاب المرزوقي على جملة من الأفكار اعتبرناها في هذا المقال أوهاما كبرى: فكرة الترابط بين الثورات (الثورة العربية)، وفكرة (المنوال الثوري) التي تساعد في تفسير الفوضى واعتبارها نتيجة طبيعية لكل ثورة وقعت عبر التاريخ، وهو ما يناقض القول بأهمية العامل التكنولوجي الذي يفترض السرعة. أما الوهم الثالث فيتمثل في إضفاء طابع ديني على الثورة في عبارة «الثورة المحمدية»، ومثل هذا النص يكشف بوضوح  الدور الذي قام به عدد من النشطاء في تحويل مجرى الثورة من حيزها الاجتماعي إلى حيز تمكين الإسلاميين من الحكم باستغـلال حالة الإنهـاك التي مرت بها الدولة.

8 - الثورة لم تكتمل

نعرف الآن جيدا أنّ الثورة بدأت يوم 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد عندما رفع متظاهرون شعارات تتّهم النظام القائم بالفساد وتعتبره السبب الأساس في انعدام فرص الشغل وانسداد الآفاق. فهل من الجائز اعتبار النجاح في تحقيق الانتقال الديمقراطي مؤشرا على نهاية الثورة وتحقيقها أهدافها التي لم يطرحها الشارع أصلا؟

يميل السياسيون إلى استخدام مقولة تحقيق أهداف الثورة في سياقات انتخابية ويجنح المواطنون إلى عقد مقارنات بين أوضاعهم الآن وما كانوا عليه قبل 2011، كما يحلو للمتفائلين السفسطائيين التأكيد على أنّ الفقر في مناخ ديمقراطي أفضل بكثير من الفقر في ظل الاستبداد، لكن الأرقام تؤكد أنّ كلفة الديمقراطية غالية جدا ولا تتناسب والقدرة الشرائية للمواطن التونسي، ولهذا يعيش الشارع على وقع الاضطرابات الموسمية التي توصف أحيانا بأنّها مقدمات ثورة ثانية مع التهديد بخطر أي ثورة لا تلتزم بالطابع السلمي، والحال أنّه من الممكن جدا القول بأنّ الثورة بما هي قطع مع البنية التي قامت ضدها لم تكتمل بعد وأنّها مشروع مفتوح في انتظار تحقيق الأهداف الحقيقية التي طالب بها الشارع ولم تهتد النخبة إلى تحقيقها وهي تتخبّط في أوهامها.

عامر بوعزّة

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.