أخبار - 2019.10.27

الصحبي الوهايبي: الحــيّ والمــيّــت

 الصحبي الوهايبي: الحــيّ والمــيّــت

هذه القصّة سأرويها لكم كما قرأتها دون زيادة أو نقصان، وما فائدة أن أكذب؟ فـإن صدّقتم وصادفت من أنفسكم هوًى فذلك بعض ما ورثت عن أمّي إذ كانت شديدة في الحقّ، تفلق حبّة القمح أنصافا وأرباعا وأسداسا وأثمانا حتى تؤدّيَ كلّ ذي حـقّ حقّه. وإذا لم تصــدّقوا القصّة وصادفت، رغم ذلك، من أنفسكم هوًى، فذلك بعض ما ورثت عن أبي، فقد كان يجعل من الحبّة قبّة حتّى يطعم هذا وذاك. كان ذلك في أوائل الخمسينات من القرن الماضي حين أرست سفــينة أنجليزيّة في أحد موانئ سكوتلاندا وأفرغت حمولتها من خمور معتّقة جلبتها من أرخبيل ماديرا البرتغالي، وعندما فرغ الحمّالون من عملهم، دخل بحّار غرفة التّبريد، يتفقّد إن تمّ كلّ شيء على ما يرام. ودون أن يتفطّن، أغلق بحّار آخر باب الغرفة عليه، وأبحرت السّفينة عائدة إلى البرتغال، وظلّ البحّار الحبيس يصيح ويصرخ ويطرق جدران الغرفة دون أن يسمعه أحد، حتّى بحّ صوته وهدّه الإعياء. كان حوله طعام كثير، يفي بحاجته، ولكن مـا فائدة الطّعام وهو هالك من شدّة البرد لا محالة؟ كان يعلم انّه سيموت متجمّدا وكان في عزّ شبابه، مقبلا على الحياة، فكيف يموت وهو لم يقل للتي يحبّها إنّه يحبّها؟ وكيف يموت وهو لم يقل للذي يكرهه إنّه يكرهه ... كان يريد أن يدوّن محنته وساعاته الأخيرة، فالتقط قطعة من رصاص وطفق يخطّ على جدران الغرفة تلك اللّحظات العصيبة التي عاشها، ساعة بساعة ويوما بيوم، بدقّة علميّة باهرة ... أطرافي ترتعش وأنفي بدأ يتجمّد، لا أجد أذنيّ، أصابع رجليّ ويديّ تحترق من شدّة البرد، والهواء البارد الذي أتنفّسه ينزل في رئتيّ مثل لسعة لا تُطاق. يا رب، لم أعد قادرا على الكتابة وأصابعي لا تطاوعني... وعندما ألقت السّفينة مراسيها في برشلونة، فتح القبطان باب غرفة التّبريد فألفى الرّجل ميّتا، وقرأ ما خطّه على الجدران وكان مندهشا، يكاد لا يصدّق، وله في ذلك عذره، فقد قاس وعاد يقيس حرارة الغرفة، كانت عشرين درجة فوق الصّفر. كانت السّفينة قد أفرغت حمولتها في سكوتلاندا ولم يكن ثمّة داع لتشغيل نظام التّبريد في رحلة العودة. مات الرّجل لأنّه كان يتصوّر أنّه يتجمّد من شدّة البرد. مات ضحيّةَ خياله أو وسواسه. هناك من يموت بخياله، وهناك من يحيا بخياله...

أمس، قرأت خبرا يقول إنّ الجيش الوطني أبطل مفعول قنبلة من مخلّفات الحرب العالميّة الثّانية. تلك قنابل الرّشّ والبارود، فمن لنا بمـن يبطل مفعـول قنـابـل بـدون رشّ أو بـارود، موقوتة وغير موقوتة، مدفونة وعارية، بكفن وبدون كفن؟ مضى زمن، كان الفتية في ريفنا القصيّ يعالجون فيه القنـابل التي لم تنفجر علّهم يفوزون بقليل من بارود يقدحونه في الأعراس ويتباهون به أمام الصّبايا، فيغنمون أحيانا حفنة بارود ويخلّفون أحيانا كثيرة بعضا من أصابعهم أو أطرافهم أو أرواحهـم، ويذهب دمهم هدرا بين جيوش المحور وجيوش الحلفاء. والقنـابل قنابل، هناك قنبلة الموسم، والقنبلة اليدويّة وقنبلة الصّــوت وفجعتها أشـدّ من فعلتها وقنبلة الضّـوء، تعمي ولا تضيء، وهناك القنابل المزروعة على جنبات الطّريق، والقنابل التي تسير على الطّريق، وهناك القنابل الذكيّة، ويحدث أحيانا كثيرة أن يصيبها مسّ من غباء (وفي الأصـل، كلّ القنابل غبيّة) فتسقط حيث يجب ألاّ تسقط، وتقتل حيث يجب ألاّ تقتل، وهناك القنابل الغبيّة، وهذه، لا لوم عليها ولا تثريب، تسقط حيث يعنّ لها أن تسقـط وتقتل حيـث يعنّ لها أن تقتل، وهناك القنابل العنقوديّة وقنابل الفســفـور، وهذه تقتل دون حسيب أو رقيب، بالشّبهة وبدون شبهة.

الصحبي الوهايبي

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.