أخبار - 2019.09.14

البـاجي قائد السبـســي الرجـل »المنـقـذ«

البـاجي قائد السبـســي الرجـل »المنـقـذ«

في تاريخ الشعوب، هناك لحظات تاريخية فارقة يوجد فيها رجال يمتلكون المزايا اللازمة لحل الأزمات. الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، كان واحدا من هؤلاء الرجال الذين يأتون في الوقت المناسب ليشقّوا بالناس العاصفة بسلام.

تنظيم أوّل انتخابات ديمقراطية وتسليم السلطة

بعد سنوات طويلة من النضال والعمل في دواليب الدولة في فترة حكم بورقيبة، اختار الباجي قائد السبسي طوعا أن يترك السياسة خلال فترة عشرين سنة أثناء حكم بن علي، بعد أن كان رئيس مجلس النواب، لأنه لم يكن موافقا على توجّهاته. عاد طوعا إلى مهنة المحاماة، لكن شبح السياسة بقي يلاحقه ليستجيب لنداء العودة من جديد إلى الساحة السياسية. هذه العودة جاءت في لحظة مهمة من تاريخ تونس. فبعد شهرين تقريبا من الثورة، وعندما كانت البلاد تتخبّط في اضطرابات سياسية واجتماعيةواقتصادية خلال اعتصام القصبة 1 و2، جعلت رئيس الحكومة آنذاك محمد الغنوشي يستقيل، دفعت الأقدار من جديد بالباجي قائد السبسي، إلى مقدّمة الأحداث، ليجد نفسه وزيرا أوّل، مهمّته أن يقود حكومة انتقالية وينظّم أوّل انتخابات للمجلس التأسيسي بعد الثورة. كان عبئا ثقيلا جدّا خصوصا وأنّ البلاد كانت في حالة عدم استقرار دائمبين موجة واسعة من الاحتجاجات ومخاطر الإرهاب. لكنّ الباجي قائد السبسي الذي يحمل في رصيده 50 سنة من العمل السياسي، بدأت منذ الحركة الوطنية واستمرّت خلال العهد البورقيبي، تقلّد أثناءها وزارات الداخلية والخارجية والدفاع، كان يملك ما يكفي من الحنكة والذكاء السياسي لإدارة الأزمة. وفعلا، انطلق منذ تعيينه في بداية مارس 2011 في اتخاذ جملة من القرارات الحاسمة، أهمّها الاستجابة إلى مطالب المعتصمين في القصبة والمطالبين بمجلس تأسيسي، ثمّ بمحاسبة رموز النظام السابق. لا يجب أن ننسى أيضا أنّ تونس كانت في تلك الفترة تشكو من تداعيات الثورة في ليبيا وانتقال الصراع إلى الداخل التونسي، إلى جانب موجة غير مسبوقة من اللاجئين من القطر الليبي، ممّا كان يشكّل تهديدا إضافيا للوضع الأمني والسياسي الهشّ في البلاد. كان الباجي واعيا بهذا الخطر الداهم، لذلك اختار بحكمته المعتادة وخبرته في الشؤون الخارجية أن لا يصطفّ وراء أيّ طرف من أطراف الصراع، في حين  بذل كلّ الجهود الممكنة لضمان حسن استقبال اللاجئين الليبيين وإقامتهم في تونس.

وما يُحسب للرجل، هو نجاحه في تنظيم أوّل انتخابات ديمقراطية في تونس وهي انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 والتسليم السلس للسلطة، ليُعطي مثالا لكافة حكّام المنطقة. ويُحسب له أيضا منع وزرائه ونفسه من الترشّح للإنتخابات، معتبرا أن واجب حكومته الانتقالية كان الإعداد للاستحقاق الانتخابي ولا شيء غير ذلك. وقد شهد العالم بنزاهة انتخابات 2011، وبصدق الرجل فيما وعد به.

توحيد العائلة الوسطية

بعد أداء مهمّته، كان يمكن للباجي قائد السبسي أن يختفي من الساحة السياسيّة. ولكن مرّة أخرى، أعادته الأحداث التي شهدتها البلاد إلى الواجهة، فوصول الإسلاميين إلى السلطة، ومحاولتهم الاستفراد بالحكم وإقصاء المعارضين واللجوء إلى العنف السياسي لإبعاد المنافسيين، بالإضافة إلى تنامي التيارات السلفية الجهادية وتتالي الاغتيالات السياسية، جعل هذا الرجل الغيور على أمن تونس واستقرارها، وهو الذي شارك في تحريرها ثمّ في بنائها، يحزم أمره للعودة إلى المشهد السياسي. ولكن هذه المرّة من خلال حزب سياسي قويّ يجمع العائلة الوسطية الحداثية، في مواجهة المشروع الظلامي. فكان «نداء تونس» في جانفي 2012.حزبا جامعا أراد مؤسّسه من خلاله تعديل المشهد السياسي وخلق نوع من التوازن فيه. وهو ما حصل بالفعل، حيث عاد الأمل من جديد إلى الطبقة السياسية وإلى الشعب التونسي الذي بدأ يخشى على مكاسبه. الباجي قائد السبسي ابن هذه الأرض الطيّبة والمتشبّع بروحها، كان يعلم أنّ التونسيين في عمقهم يحبّون الوسطية والاعتدال ويكرهون التطّرف والعنف، ففهم الحاجة الملحّة إلى خلق كيان سياسي يعكس هذه المطالب ويقف في وجه تيّار الظلاميّة الجارف. نجح الرجل في تجميع كلمة العائلة الوسطية، ورغم محاربته من قبل الشقّ المضادّ فإنّه مضى قدما في تعزيز أركان حزبه. وكما توقع الباجي فقد تعقّد وضع البلاد أكثر فأكثر في ظلّ ممارسة غير محكمة للسلطة وتغليب المصالح الفردية على حساب المصلحة العامة. وجاء صيف 2013، وقد كانت البلاد على شفير حرب أهلية، خاصّة بعد الانقلاب العسكري على الإسلاميين في مصر واغتيال النائب محمد البراهمي. وفي حين اصطفّ كلّ في معسكر، كان الباجي أوّل من دعا إلى تهدئة الأجواء والحوار، بل إنّه أخذ بزمام الأمور حينما بادر بلقاء الغنوشي في باريس لإيجاد حلّ للوضع المتفجر. جاء بعد ذلك تأسيس «جبهة الإنقاذ» التي جمعت لأوّل مرّة في التاريخ الدساترة واليسار وكان قائد الجبهة قائد السبسي. ثم بدأ الحوار الوطني وكان هذا الأخير راعيه والحريص على نجاحه، إلى حدود تشكيل حكومة تكنوقراط على رأسها المهدي جمعة. هكذا نجح الباجي قائد السبسي في تجنيب الشعب التونسي العاصفة مرّة أخرى والخروج  به من «عنق الزجاجة» كما كان يحلو له أن يقول.

سياسة التوافق واحتضان الآخر

بلغت شعبية الباجي أوجها في بداية 2014، ليبدأ الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية التشريعية والرئاسية. وجاءت النتائج كما كان متوقّعا حيث وضعت حزب نداء تونس في الصدارة وكذلك الباجي الذي فاز في الرئاسية على حساب المرزوقي با55.68 % من الأصوات ليكون بذلك أول رئيس منتخب ديمقراطيا من الشعب في تاريخ تونس. غمرة الفوز لم تُنس الرجل الواقع الذي كان يفترض القيام بتضحيات لممارسة الحكم. فالخصم السياسي بالأمس، أصبح لزاما أن يتحوّل إلى شريك في السلطة لتحقيق الاستقرار في البلاد. فالانتخابات لم تفرز أغلبية مريحة لنداء تونس، وبات من الضروري على الباجي أن يتحالف مع النهضة، لتبدأ بذلك سياسية التوافق. علاوة على الضرورة السياسية التي فرضت تشريك الإسلاميين في الحكم، كان الباجي يهدف من سياسية التوافق، إلى احتضانهم داخل دواليب الدولة، والقطع مع سياسية الإقصاء التي مورست ضدّهم، ثمّ التي مارسوها هم بدورهم  ضدّ معارضيهم عندما مسكوا إلى السلطة في 2011. وبحكمته وعمق رؤيته، فهم الرئيس الراحل أنّ لا استقرار لتونس مادامت غير قادرة على احتضان كلّ مكوّناتها رغم تناقض رؤاهم ومشاريعهم السياسية والإديولوجية. وفي الوقت نفسه، لم يكن التوافق يعني قبول المشروع المجتمعي للآخر وإنّما التعايش معه على أساس أرضية مشتركة من الديمقراطية والحريّة. لم تلق هذه الرؤية طبعا دعما من الجميع وأوّلهم، أعضاء حزب الباجي، حيث رأى جزء منهم في هذه السياسية خيانة للمشروع الذي انبنى على أساسه الحزب وهو محاربة الظلامية. ودفع الرجل «المنقذ» و«المؤسس» ثمن هذا التوجّه، حيث سرعان ما تفتّت حزبه التاريخي وطالته الصراعات والانقسامات في نزيف لا ينتهي. كما أنّ قسما من الشعب التونسي، لم يكن راضيا بدوره عن هذه السياسية التوافقية مع النهضة، التي وإن خلقت نوعا من الاستقرار، فإنّها مكنّت من عدم محاسبة الفاسدين والمسؤولين عن العنف السياسي والاغتيالات.

هزّت الصراعات السياسية والعمليات الإرهابية المتكرّرة في 2015 حكومة الصيد، وبات لزاما على الباجي أن يتدخّل لتهدئة الأوضاع وبعث الأمل في التونسيين القلقين على أمنهم، فجاءت وثيقة قرطاج، وهي وثيقة سياسية وقّعتها تسعة أحزاب وثلاث منظمات كان هدفها تكوين حكومة وحدة وطنية، وضع على رأسها رئيس حكومة شابّ وهو يوسف الشاهد، في دليل واضح على رغبته فيضخّ دماء جديدة في الطبقة السياسية.  لم تكن الفترة الأخيرة في حكم الباجي فترة زاهية، حيث بلغت الصراعات الداخلية في حزبه أوجها وانقلب عليه حلفاؤه القدامى الذين احتضنهم، في محاولة لتكوين توافق جديد يخرجه من دائرة الفعل. لكنّ الرجل ظلّ صامدا «كجبل لا يهزّه ريح». وكعادته كانت له الكلمة الأخيرة في كلّ المواقف الصعبة. ففي حين اعتقد خصومه السياسيّون أنّه انتهى وحاولوا أن يمرّروا قانونا انتخابيا «إقصائيا» بضعة أشهر قبل الانتخابات، قطع عليهم الطريق، رغم ظروفه الصحية المتدهورة، ورفض الإمضاء على هذا القانون وتزكية لعبة سياسية تخدم مصلحة أطراف على حساب أخرى، ليبقى الرجل المُوحّد للتونسيين والخادم الأمين لمصلحة تونس.

اليوم وقد رحل الباجي قائد السبسي، سيكون من الصعب إيجاد شخصية توافقية ذات حنكة سياسية وإيمان عميق بالوحدة الوطنية مثله، ولكنّ الطبقة السياسية كما الشعب التونسي تعلّموا منه دروسا ستبقى نبراسا ينير لهم الدّرب ليقودوا هذا الوطن إلى برّ الأمان.

حنان الأندلسي

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.