أخبار - 2019.05.29

السفير محمد إبراهيم الحصايري يتوجه إلى القمة العربية الطارئة بمكة: أليس منكم رجل رشيد؟

السفير محمد إبراهيم الحصايري يتوجه إلى القمة العربية الطارئة بمكة: أليس منكم رجل رشيد؟

غَدًا، الخميس 30 ماي 2019، أي شهرين بالضبط بعد القمة العربية الثلاثين التي انعقدت في بلادنا يوم الأحد 30 مارس 2019، تلتئم القمة العربية الطارئة التي دعا العاهل السعودي الملك سلمان بن العزيز إلى عقدها في مكة من أجل بحث التطورات التي عرفتها منطقة الخليج خلال الأيام الأخيرة على إثر تخريب أربع سفن تجارية في ميناء الفجيرة، وضرب محطّتي ضخ بترول في المملكة العربية السعودية بطائرات مُسَيَّرَة.

وهذه القمّة التي يُفْتَرَضُ أن تسبقها قمّة خليجية طارئة هي أيضا، وأن تعقبها القمة الإسلامية العادية الرابعة عشر، ربّما لم تكن لتنعقد لو أن القادة العرب لم يُحْجِمُوا في قمّة تونس عن مواجهة حقائق الواقع العربي المتردّي، وعن قول كلمة الحق فيما ينبغي عمله لحل مشاكل بلدانهم المتفاقمة...

ولأنّه ليس من المُتوقَّع أن يغادر القادة العرب خلال القمة القادمة هذا السلوك المُجَانِب للصّواب، وأن يستمرّوا في مجاراة المملكة العربية السعودية والعمل بـ"إذا قالت الرّياض فصدّقوها... فإنّ القول ما قالت الرّياض"،فإنّه يُخْشَى أن تكون القمة التي يراد لها "أن تناقش تداعيات التطوّرات الخطيرة الأخيرة على السلم والأمن الإقليمي والدولي وعلى إمدادات واستقرار أسواق النفط العالمية"، مناسبة لقرع طبول حربٍأو مُواجهةٍ جديدة في الخليج المُخْتَلَفِ، منذ القديم، حتى على اسمه.

ولأن الأجواء التي تنعقد فيها القمة تذكّر بالأجواء التي انعقدت فيها القمّة العربية الطارئة بالقاهرة في أوت 1990، إثر غزو العراق للكويت، فإنّني أريد أن أقول للقادة العرب، وهم يتّجهون إلى مكّة:
أليس منكم رجل رشيد فَيُنبّهكم إلى أن الولايات المتحدة التي ضيّقت الخناق بعقوباتها الجائرة الجديدة على إيران في مطلع الشهر، ثم حشدت أعتى قواتها في الخليج بدعوى استعدادات محتملة من قبل طهران لتنفيذ هجمات ضد القوات أو المصالح الأمريكية، لم يزل ديدنها، منذ عقود طويلة، العمل على زعزعة استقرار العالَمَيْن العربي والإسلامي حتى لا يستطيعا الفكاك من هيمنتها عليهما؟
أليس منكم رجل رشيد فًيُذَكِّركم، لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين، بأن المفكّرين الأمريكيين خرجوا، بمجرّد سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، لينظّروا للحرب الواجب اشعالها بين "الإمبراطورية" وبين الإسلام، تحت عنوان صدام الحضارات؟

أليس منكم رجل رشيد فَيُعيد إلى أذهانكم أن الولايات المتحدة أجّجت، بسياستها الماكرة، وصفقات أسلحتها المشبوهة، ومعلوماتها التحريضية المُسَرَّبَة، الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات والتي دارت رحاها بتأييد أعمى من معظم دولكم، وكانت كارثية النتائج لا على العراق وحده، وإنما على العرب جميعا... وأنها شنّت حربها الأولى على العراق في جانفي 1991 بعد 434 يوما فقط من سقوط جدار برلين، ولم تكتف بذلك بل إنها، بعد حصار لا انساني فظيع ذهب ضحيته مئات الالاف من العراقيين، عادت سنة 2003 بذرائع مُلَفَّقَة إلى غزوه واحتلاله، وتمزيقه شرّ ممزق؟

أليس منكم رجل رشيد فيسترعي انتباهكم إلى أن الابتداء بالعراق لم يكن من باب الصدفة أو الاعتباط، فهو بموقعه الجغرافي، وبتركيبته السكّانية، كان بمثابة المخْبَر الملائم لتجربة أفضل الطرق لزرع الفتنة بين العرب والمسلمين وزعزعة استقرار العالمين العربي والإسلامي بأسرهما؟

أليس منكم رجل رشيد فيفتح عيونكم على أن العراق الذي بات مُقَطَّعَ الأوصال هو الذي أتاح للجماعات الإرهابية المتطرِّفَة إنشاء "الدولة الاسلامية في العراق والشام" التي عاثت في دولتي الخلافة الإسلامية الأولى والثانية فسادا وما تزال، والتي فتحت بابا آخر من أبواب جهنّم على المنطقة عندما استخدمتها دولة الخلافة الإسلامية الثالثة في تبرير استباحتها لأراضي سوريا بدعوى مكافحة إرهاب هي التي سمحت بانتشاره من أجل تأجيج الحرب الاهلية فيها وإسقاط نظامها؟

أليس منكم رجل رشيد فيدعوكم إلى التمعّن فيما حدث لسوريا حيث دارت إحدى أبشع حروب العصر وأشنعها، وإلى الاتعاظ بما آل إليه وضعها من "تشعبات" ومتاهات داخلية وإقليمية ودولية ستحتاج إلى وقت طويل للخروج منها...

أليس منكم رجل رشيد فيجرؤ على أن يقول لكم بملء فمه إن الوقت حان لوقف الحرب الظالمة المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات على اليمن وفيه، فهي حرب زادت نيران الخلافات اشتعالا بدل اطفائها، وقسمت البلاد بدل توحيدها، وزرعت من الأحقاد ما يكفي لاستحكام العداوة بين أطرافها وبين اليمن وجواره لأجيال قادمة...

أليس منكم رجل رشيد فيُنْذِرَكم، ومن أنذر فقد أعذر، بأن حربا بين دول الخليج وبين إيران، إن اندلعت، لن تنحصر في المنطقة، وقد تتحول إلى حرب أهلية بين المسلمين السُّنّة والمسلمين الشِّيعة، حيثما كانوا، وهي حرب، لو قامت، ستؤدي إلى سقوط ملايين الضحايا، وتخريب الدول العربية والإسلامية التي ستحتاج إلى عقود طويلة من الزمن للتعافي من آثارها المدمرة؟

أليس منكم رجل رشيد فيصدع فيكم بكلمة الحق ويدعوكم إلى تجنّب الوقوع في دائرة السوء التي يراد لكم الوقوع فيها، وإلى استعادة وعيكم والإقلاع عن المشي في طريق المهالك الذي ساقكم ويسوقكم إليه الأمريكيون الذين أثبتت التجارب في منطقتنا وغير منطقتنا أنهم "إذادخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة قومها أذلّة"، وأن من اتخذهم "هاديا"لم يكن مصيره إلا الضلال الأكبر...

أليس منكم رجل رشيد فيحثّكم وأنتم تنتقلون من القمة العربية إلى القمة الإسلامية على أن تذهبوا إليها لا "متأبّطين شرّا"، وإنما "متأبّطين خيرا" أي عزما صادقا على توخّي نهج الحوار العقلاني وعلى وقف التصعيد وتجنب أي موقف انفعالي قد يفضي في لحظة طائشة إلى تعريض عالمينا العربي والإسلامي إلى كارثة جديدة، غير مسبوقة وغير محسوبة العواقب.

وأخيرا أليس منكم رجل رشيد فينبّهكم، في ظل الخطاب التحريضي الشائع عشية التئام القمة والذي ينبئ بأن الرياض تريد من عقدها "أن توجّه رسالة تحذير إلى إيران حتى تغير سلوكها"، إلى أن تضعوا في حسابكم أن الرئيس الأمريكي غريب الأطوار يمكن أن يتلقف هذه الرسالة وأن يرى فيها ضوءا أخضر لشن الحرب"المشتهاة" على دولة تفصل بينها وبين الولايات المتحدة آلاف الكيلومترات ولكنها جارة لدول الخليج وستظل جارة لها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟

محمد إبراهيم الحصايري

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.