شؤون وطنية - 2019.04.29

عامر بوعزة: السلطة في مواجهة أخطائها

عامر بوعزة: السلطة في مواجهة أخطائها

ثلاثة مواقف حكومية صدرت في أعقاب حادث الطريق الذي أودى بحياة اثني عشر شخصا من العاملين في المجال الفلاحي بنواحي سيدي بوزيد وأثارت حنقا شديدا في مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام. الموقف الأول عبّرت عنه وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن، ويتمثل في قولها «إن الحكومة لا تتحمّل مسؤولية الحادث، وأنها قامت بواجبها تجاه المرأة الريفية عبر وضع الخطط وتنفيذها(!) لكن سائق الشاحنة تعمّد خرق قوانين النقل الآمن، ويعتبر بذلك المسؤول الأول عما حدث». الموقف الثاني كان لسمير بالطيب وزير الفلاحة خلال إشرافه على الحوار الجهوي للنقل بمدنين، أقرّ فيه بفشل الخطط التي ذكرتها زميلته قائلا: «إن الاتفاقية التي أبرمتها وزارته مع وزارتي المرأة والنقل لم تمنع أصحاب الشاحنات من مواصلة استغلال العاملات»، أما الموقف الثالث فهو على لسان المتحدّث باسم وزارة الداخلية الذي أكّد أنه سيتمّفتح بحث على مستوى فرقة حوادث المرور بالإقليم الوطني بسيدي بوزيد، مذكّرا بأن وزارة الصحة ووحدات الحماية المدنية قامتا بتسخير جميع الإمكانيات لتوفير الرعاية اللازمة وعلى عين المكان للمصابين.

وإذا نظرنا إلى هذه المواقف الثلاثة للبحث في مدى قدرتها على الإيفاء بما هو مطلوب من أي تصريح حكومي في مثل هذا الظرف وجدنا أنها لا تفي بالغرض بل تؤدي عكسه تماما، فأيّ قيمة مثلا لموقف وزارة الداخلية حين يستعرض الأمور البديهية؟ إن كل حوادث المرور يُفتح فيها بحث لتحديد المسؤوليات، وما قامت به وزارة الصحة ووحدات الحماية المدنية لا يمثل استثناء بل هو الواجب عينه.

وهذا التصريح لا يفعل شيئا غير استدعاء أساليب قديمة في الاتصال الرسمي خالَ التونسيون أنها انقضت بلا رجعة.

تصريح وزير الفلاحة يستمدّ أهميته من كونه يمثل إقرارا صريحا بفشل ترسانة حكومية قوامها ثلاث وزارات مجتمعة في التصدي لما يفعله سواق الشاحنات باليد العاملة الفلاحية في المناطق النائية، إنه اعتراف نادر وغير مسبوق بعجز السلطة عن فرض نفوذها وإضفاء النجاعة اللازمة على برامجها الإصلاحية، فالخطط والاتفاقيات التي تبرمها الوزارات فيما بينها لا يمكن أن تتحوّل إلى واقع ملموس ما لم تكن مشفوعة بإرادة قوية من أجل تغيير واقع الناس بالقوّة إذا لزم الأمر، وإلاّ بقيت مجرّد شعاراتلا تصلح سوىللدعاية الحزبية وملء النشرات الإخبارية، إذ يتّضح دائما بُعْدُها عن الواقع وعجزُها عن إحداث أثر إيجابي في حياة الناس.

أما وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن فحسبُها أنها ذهبت إلى جوهر الموضوع رأسا دون لفّ أو دوران، وقامت بما يمليه عليها واجبها السياسي قبل أن تفكّر في الواجب الإنساني، لقد كان كل همّها نفي المسؤولية عن الحكومة حتى لو كلّفها الأمرُ تقديمَ خطاب ضعيف متهافت لا يليق بمتحدّث في مستوى وزاري. فالقول بأن المسؤولية يتحمّلها سائق الشاحنة أمر بديهي أيضا ولا يعني بالضرورة إعفاءَ الحكومة من تحمّل أي مسؤولية. ومثلما يتحمل سائق الشاحنة وزر الحادث تتحمل الحكومات المتعاقبة على الحكم منذ الاستقلال أوزار الفقر والتهميش والعوز والحاجة والحرمان والتفاوت والقهر والجوع والاستغلال.

إن الحوادث بأنواعها طبيعيةً كانت أم بشريةً لا تتسبّب فيها الحكومات بشكل مباشر لكنها مسؤولة عن توفّر أرضية ملائمة تجعل الكوارث حين وقوعها عنيفة ومدمرة، لا أدلّ على ذلك من أن المتعاطفين مع أسر الضحايا لم يهتموا بتفاصيل الحادث ولم يناقشوا حيثياته وأسبابه بقدر ما بدت لهم صورة النساء المحتشدات في شاحنة فلاحية ذاهبات إلى الحقول صورة قاسية على النفس مهينة للكرامة البشرية متعارضة مع كل ما يقال عن أسبقية تونس في مجال حقوق المرأة.

هذه المواقف الثلاثة تؤكّد أنّ أزمة الثقة السائدة في البلاد والتي تؤدّي إلى التهكّم من كل ما تقوله الحكومةُ ورفضه والتشكيك فيه ليست أزمة مفتعلة في سياق التنمّر الحزبي والاستهداف السياسي الانتخابي، بل معضلة حقيقية، وتعود أساسا إلى الاستهتار بقيمة الاتصال الجماهيري من جانب المسؤولين الحكوميين أنفسهم، والتندّرُ بهذه المواقف على صفحات التّواصل الاجتماعي ليس بالضرورة من عمل «الذباب الالكتروني» وبإيعاز من غرف مظلمة هدفُها الإطاحةُ برئيس الحكومة وتنغيصُ حياته كما يقال دائما، بل بسبب عطب في آليات الخطاب الرسمي ذاته لم تهتد الجهات المسؤولة إلى إصلاحه والتحكّم فيه حتى لا يعود بالوبال عليها. الشيء الوحيد الذي أحسنت السلطة فعله هو التدخل لمنع التظاهرات الاحتفالية التي كانت مبرمجة في شارع الحبيب بورقيبة في اليوم الموالي والتي أعلنت عنها منظّمتُها بكل برودة دم في إذاعة خاصة لم تستطع الذهاب في التعاطف بعيدا ولم تعدّل ولو بشكل طفيف برامجها شأنها في ذلك شأن قنوات تلفزيونية أخرى حافظت على بهرج سهرة السبت وميوعتها رغم أن الواجب الوطني كان يفرض إبداء التعاطف ولم لا تنظيم حملة تضامنية واسعة النطاق مع الأسر المنكوبة حتى لا تعمق الحادثة الشعور السائد بالتفاوت الجهوي والطبقي. ولعله من أوكد المتطلبات اليوم ونحن نعيش على وقع كوارث متتالية الإسراعُ بوضع بروتوكول للتعامل مع الطوارئ والأزمات يأخذ بعين الاعتبار أهمية الاتصال مع الجمهور سواء أكان من جانب الحكومة أم من جانب وسائل الإعلام، نظرا لتداعياته على المزاج العام، وأثره في تكريس التضامن الوطني أو تقويضه.

عامر بوعزة

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.