شؤون وطنية - 2018.11.28

الذكاء الاصطناعي والروبوتية أين تونس من الثورة الصناعية الرابعة؟

 الذكاء الاصطناعي والروبوتية أين تونس من الثورة الصناعية الرابعة؟

يعيش العالم اليوم على وقع الثورة الصناعيّة الرابعة التي يعدّ من أبرز تجلّياتها استخدام الذكاء الاصطناعي والربوتية في العديد من المجالات وأضحت دول كالولايات المتّحدة الأمريكية والصين تستثمر بسخاء لتطوير البحوث حول هذه التقنية وتوسيع نطاق تطبيقاتها.

كيف نشأ الذكاء الاصطناعي والربوتية ؟ هل يشكّل استخدامها خطرا على الإنسان ؟ وما تداعيات ذلك من الناحية الأخلاقية ؟ أين تونس من هذه الثورة الصناعية الرابعة؟ تلك أسئلة نحاول الإجابة عنها في هذا الملفّ.

إنّ التطوّر الهائل الذي يشهده العالم في مجــــال الذكـــاء الاصطناعي والاستخدامات العديدة للروبوتات في أنشطة الإنسان المختلفة ليس وليد اليوم وإنّما انطلق منذ سنة 1950 إجابة عن تساؤل كان طرحه البريــطاني Alan Turing  1954 – 1912 وهو:هل تستطيع الآلة أن تفكّر مثل الإنسان؟ ومن هناك نشأ الذكاء الاصطناعي ووضعت له الأسس بداية من سنة 1956. ومنذ تلك الفترة عرف هذا النشاط تطوّرا هائلا  فاستخدم الذكاء الاصطناعي أو الآلة الذكية في الصناعة لأوّل مرّة في قطاع صناعة السيارات وذلك بداية من سنة 1960 ثمّ في الصناعات المعملية وبعدها تطوّر استخدام الآلة الذكية لتشمل مجال الخدمات منذ سنة 1985 والنقل منذ سنة 2010... وكانت البحوث الهادفة إلى إنتاج روبوت ذكيّ قادر على التعلَم  قد انطلقت منذ سنة 1965 بهدف جعل الآلة قادرة على اتخاذ القرار وحلّ المسائل الشائكة والتصرّف فيها وفي الصعوبات التي تعترضها في تفاعلها مع المحيط والعمل على أن تكون لها القدرة على التعرّف على الأشياء والقيام بالحركات اللازمة لنشاطها والتحكّم فيها وتطويرها حتى سمّي هذا التطوّر الكبير، إضافة إلى التطوّر في مجال أنترنيت الأشياء، الثورة الصناعية الرابعة وقد أشـــار إلى ذلك Schwab Klaus المهندس والخبير الاقتصادي الألماني مؤسس منتدى دافوس سنة 1987، وذلك في كتـــابه  الصـــادر سنـــة 2016 بعنوان «La quatrième révolution industrielle».

فبعد اختراع المحرك البخاري واستعماله في الإنتاج في الثورة الصناعية الأولى أواخر القرن 18 وبداية القرن 19 ثمّ اكتشاف الضوء والتحوّل نحو الإنتاج الآلي في الثورة الثانية أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 جاءت الثورة الثالثة وهي الثورة الرقمية والتي بدأت تظهر منذ سنة 1960.

وقد خطا الذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوتات خطوات متسارعة خلال السنوات الخمس الأخيرة في اتّجاه تقاسم المهام مع الإنسان إمّا  بتعويضه في بعض المجالات الخطرة أو بمساعدته على القيام بمهام شاقّة أو شديدة الدقة أو بالرفع من كفاءته والزيادة في قدرته على أداء المهمات. وفي إطار تفاعل الروبوتات مع الإنسان توصّل التقدّم العلمي إلى جعل الآلة تتوقّع ماذا يريد الانسان القيام به وتفعّله وأصبحت قادرة على قراءة الانفعالات الإنسانية بتحليل تقاسيم وجه الإنسان إن كان غاضبا أو سعيدا أو خائفا أو مندهشا ..وتتصّرف وفق ذلك . وتوسّعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي بإنتاج روبوتات تعمل في عدّة مجالات كالطبّ في اختصاصات كالجراحة أو التشخيص عن بعد والمتابعة الصحية للأشخاص في المناطق المعزولة ولمساعدة المصابين بإعاقة ..الخ.. وفي قطاع الأمن والدفاع تعمل الآلة في مجال المراقبة واقتحام المواقع الخطيرة وفي صناعة الطائرات دون طيار.

وفي قطاع النقل تتمّ اليوم تجربة السيارات ذاتية القيادة وحافلات النقل العمومي والمترو دون سائق وفي المطارات تستعمل الروبوتات لتوجيه المسافرين واستقبال أمتعتهم آليا وكذلك في قطاع التعليم والخدمات البنكية والرياضة والمقاهي والمطاعم  ..الخ.. وتسيطر على هذه الصناعة الولايات المتحدة الأولى عالميا وتبلغ الاستثمارات الأمريكية  في مجال الذكاء الاصطناعي 62 % من الاستثمارات العالمية، تليها الصين  التي تصنع اليوم حوالي ربع انتاج العالم من الروبوتات الصناعية وهي تعمل على أن تصبح الأولى عالميا سنة 2030 .. ويوجد في العالم اليوم 1500 مؤسّسة ناشئة تعمل في هذا المجال في 70 دولة أحدثت 470 منها سنة 2017 . أما الاعتمادات المالية التي رصدت للاستثمار في هذا المجال فقد بلغت 13 مليار دولار سنة 2017 بينما لم تكن تتجاوز 600 مليون دولار سنة 2010.

تأثيرات استخدام الذكاء الاصطناعي

أصبح  التطوّر الكبير الذي تعيشه صناعة الذكاء الاصطناعي محلّ جدل كبير اليوم بين علماء النفس والاجتماع وكذلك العاملين في هذا المجال وعبّروا عن تخوّفهم من هذا التطوّر من حيث مدى قدرة العلماء على السيطرة مستقبلا عليه أو استعماله لغايات غير إنسانية  وتدعو إلى أن يتحدّد نشاط الذكاء الاصطناعي في كلّ ما من شأنه أن يوفّر للإنسان الرّفاه ويحافظ على القيم الإنسانية ويكون متاحا للجميع  ولا تتجاوز ذلك. كما لا حظ آخرون أنّ تلك التطورات ستقوّض المساواة بين المواطنين داخل المجتمعات الضيّقة وستعمّق الفجوة بين الدول التي تملك الذكاء الاصطناعي وتلك التي لا تملكه، علما أنّ تلك الفجوة لا يمكن معالجتها . كما يتخوّف هؤلاء من استعمال الذكاء الاصطناعي قصد مراقبة جميع البشر وتتبعهم مما يمسّ الحرمة الشخصية للأفراد. وقد انطلقت الصين مثلا في ذلك وبفضل الكاميرات المثبّتة في الشوارع إذ يمكن بالضغط على زرّ معرفة كل المعطيات حول أيّ شخص يظهر في الشاشة من خلال صورته. كما يتخوّف المتابعون لهذا التطور التكنولوجي من قضائه على مواطن الشغل التقليدية وتعويضها بالروبوتات. وكمثال على ذلك نذكر الهاتف الجوال الذي قضى بظهوره على مواطن شغل كانت موجودة لكنّه أحدث وظائف جديدة. ويأتي تعليق رئيس منتدى دافوس ليطمئن المتخوّفين على التشغيل فيقول إنّ 74% من الوظائف ومواطن الشغل الحالية ستختفي بسبب صناعة الروبوتات لكنّها ستطوّر حاجيات جديدة حيث ستحدث نحو 10 ملايين وظيفة جديدة مقابل ذلك. ويذهب المتفائلون إلى القول إنها ستحدث حوالي 25 مليون وظيفة جديدة. لذلك ستكون صناعة الروبوتات المحرّك الأساسي لحياة الإنسان في المستقبل وستنتشر في كلّ القطاعات لترافق العامل أو تعوّضه أو تساعده ومعها ستتطوّر كلّ الصناعات.

أمام هذا الصراع بين الإنسان والآلة والذي يتواصل منذ حوالي قرنين من الزمن فلمن ستكون الغلبة في النهاية؟ هذا ما يتخوف منه بعض الباحثين عندما تصبح الآلة تتصرّف بنفسها فمن سيوقفها أو يوجّهها ؟ خاصّة وأنّ موجة جديدة من الحقوقيين في مجال الروبوات ينتقدون اليوم ما يطلقون عليه «المعاملة السيئة للروبوتات». وقد أثار ذلك جدلا في الأوساط العلمية بل وهناك من يتساءل  اليوم عن ضرورة تمكين الروبوتات من حقوقها من ذلك الأجر مقابل ما تقوم به من أعمال!

لكنّ التخوّف الأكبر يأتي من القراءة السياسية لهذه الثورة الصناعية الرابعة فهذا الرئيس الروسي بوتين يقول سنة 2017 إنّ البلاد التي ستكون رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي في المستقبل هي التي ستسيطر على العالم بل وذهب العالم الأمريكي الشهير نيكولا تسلا إلى القول إنّ المنافسة على التفوّق في مجال الذكاء الاصطناعي بين الدول ستكون من المرجّح سببا في اندلاع الحرب العالمية الثالثة. ويعتقد أحد الباحثين في الدراسات المستقبلية أنّ تطور الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا في العالم سيؤدّي إلى ظهور صنف من البشر وصفه بـ «الانسان الخارق  والمتضخّم» سيسيطرون على العالم وسيحولون بقية الإنسانية إلى فئات ثانوية لا حاجة للعالم بهم.

خالد الشّابي

قراءة المزيد

أين تونس من هذه الثورة الصناعية الرابعة؟

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.