شهادة للتاريخ: كلمة في عمّان قبل 38 عاماً… كيف أسهم موقف السفير محمد جنيفان في إعادة الاعتبار للكفاءات التونسية بمنظمة التعاون ا لإسلامي؟
بقلم نورالدين المازني
من حفل التكريم إلى كشف سرّ لم يكن يعرفه المحتفى به
سعدت بحضور حفل التكريم الذي أقامته مشكورةً جمعية قدماء السفراء والقناصل العامين، يوم السبت 24 أكتوبر 2026، احتفاءً بالسفير محمد جنيفان، بمناسبة صدور مذكراته تحت عنوان «السفير محمد جنيفان: مسار وتحديات ومواقف».
وقد تميّز هذا اللقاء بحضور رفيع المستوى، تقدّمه وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، مرفوق اً بكاتب الدولة، إلى جانب عدد من الشخصيات الوطنية، وجمع من السفراء السابقين والدبلوماسيين من مختلف الرتب والأجيال، فضلاً عن مثقفين وإعلاميين وطلبة من الأكاديمية الدبلوماسية.
وخلال الحوار الشيق الذي دار بين المحتفى به والحاضرين، حرصت في مداخلتي على توجيه تحية تقدير إلى السفير محمد جنيفان، الذي لم ألتقِ به منذ قرابة عقدين، مستعيداً أمامه موقفاً من مواقفه الدبلوماسية في خدمة تونس، كنت شاهداً عليه شخصياً قبل ثمانية وثلاثين عاماً.
وكانت تلك مناسبة للكشف عن سرّ لم يكن السفير جنيفان يعرفه، ويتعلق با لأثر الإيجابي الذي تركته كلمته في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية بالعاصمة ا لأردنية عمّان سنة 1988، على مسار الكفاءات التونسية العاملة في ا لأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، التي أصبحت تُعرف اليوم بمنظمة التعاون ا لإسلامي.
مذكرات توثّق مسيرة دبلوماسية ثرية في العالم العربي
يتضمن كتاب «مسار وتحديات ومواقف «أبرز محطات المسيرة الدبلوماسية للسفير محمد جنيفان، التي امتدت قرابة ثلاثة عقود، خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
وقد تولّى خلالها تمثيل تونس سفيراً لدى ثماني دول عربية، هي العراق ولبنان وليبيا والمملكة العربية السعودية واليمن الجنوبي وسوريا والبحرين ومصر، وهي بلدان شهد العديد منها أزمات وصراعات وحروباً تركت آثاراً عميقة في استقرار العالم العربي وتطوراته السياسية.
كما تو لّى منصب المندوب الدائم لتونس لدى كل من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر ا لإسلامي، خلال اضطلاعه بمهامه سفيراً لبلادنا في مصر والمملكة العربية السعودية، حيث يوجد مقر المنظمة الإسلامية بمدينة جدة.
إن هذا الكتاب شهادة حية ومتميزة على تجربة دبلوماسية طويلة وثرية ومتنوعة في العالم العربي، وهو المجال الذي شكّل الاختصاص الرئيسي للسفير جنيفان داخل وزارة الخارجية التونسية، حيث ترأس لسنوات إدارة الشؤون السياسية للعالم العربي.
ولا أعتقد أن كثيراً من السفراء في العالمين العربي وا لاسلامي أُتيحت لهم فرصة تمثيل بلدانهم في هذا العدد من الدول العربية، خلال مراحل مفصلية من التاريخ الحديث للأمة العربية، بما تحمله تلك التجربة من تحديات سياسية ودبلوماسية وإنسانية.
العاصمة الأردنية، عمّان، مارس 1988: بداية الحكاية
للعودة إلى خلفيات الشهادة التي أدليت بها خلال حفل التكريم، لا بد من استحضار أجواء الدورة السابعة عشرة لمؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية، التي انعقدت في العاصمة الأردنية عمّان في النصف الثاني من شهر مارس 1988. كنت أعمل آنذاك نائباً لمدير إدارة الإعلام بمنظمة المؤتمر الإسلامي، بعد أن شغلت، بين سنتي 1985 و1987، خطة نائب المندوب الدائم للمنظمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك.
وشهدت تلك الدورة انتخاب أمين عام جديد للمنظمة، هو الدكتور حامد الغابد، مرشح النيجر، خلفاً ل لأمين العام الباكستاني المنتهية ولايته، السيد شريف الدين بيرزاده، الذي تولّى المسؤولية بعد الحبيب الشطي خلال الفترة الممتدة من 1985 إلى 1988 . وكان الدكتور الغابد يشغل منصب الوزير الأول في بلاده، قبل انتخابه على رأس الأمانة العامة للمنظمة.
ومثلما جرت العادة في عدد من المنظمات ا لإقليمية والدولية، فإن وصول أمين عام جديد غالباً ما يصاحبه تغيير في فريق العمل المحيط به، وخاصة على مستوى الديوان وبعض الإدارات الاستراتيجية، وهو ما قد يؤثر في مواقع المسؤولية التي يشغلها المسؤولون الذين تم تعيينهم خلال عهد سلفه.
وقد انعكست هذه التحولات على وضع الكفاءات التونسية داخل المنظمة، بعدما كانت تحتل مواقع متقدمة خلال فترة الأمين العام الحبيب الشطي. ومع التغيير الذي أعقب انتخاب شريف الدين بيرزاده، شعرت بعض تلك الكفاءات بالتهميش النسبي، وتراجع حجم المسؤوليات التي أُسندت إليها.
وقد عشت بدوري جانباً من هذا الشعور، عند عودتي إلى مقر الأمانة العامة بجدة، بعد انتهاء مهمتي في نيويورك، وذلك بتعليمات من الأمين العام الباكستاني، قبل نحو سنة من مغادرته منصبه.
كلمة مرتجلة حملت رسالة تقدير ودعم لتونس
في خضم هذه التحولات، جاء الموقف الذي أستعيده اليوم بكل تقدير، والذي اتخذه السفير محمد جنيفان خلال الجلسة الختامية للمؤتمر الذي استضافته المملكة ا لاردنية الهاشمية.
فقد كان السفير جنيفان يرأس الوفد التونسي، بصفته مدير الشؤون السياسية للعالم العربي، نيابة عن وزير الخارجية آنذاك، محمود المستيري، الذي غادر عمّان قبل اختتام أعمال المؤتمر لارتباطات سابقة.
وفي كلمته المرتجلة، استهل السفير جنيفان مداخلته بالتعبير عن سعادة الوفد التونسي بانتخاب الدكتور حامد الغابد أميناً عاماً جديداً للمنظمة، مرحّباً به ومشيدً بالنيجر، التي تربطها بتونس علاقات أخوية وثيقة تعود إلى السنوات ا لأولى لاستقلال البلدين، في عهد الرئيسين الحبيب بورقيبة وهماني ديوري.
وأكد، في هذا السياق، أن تونس لن تدخر جهد اً في تقديم الدعم ال لازم ل لأمين العام المنتخب، بما يساعده على النجاح في مهامه الجديدة.
وقد كان لهذه الكلمة وقع خاص لدى وفد النيجر، الذي ض مّ في صفوفه الدكتور حامد الغابد نفسه. وعقب الجلسة الختامية، حرص وزير خارجية النيجر وأعضاء الوفد المرافق له على تحية السفير محمد جنيفان، رئيس الوفد التونسي، وسائر أعضاء الوفد بحرارة، والتعبير عن شكرهم لتونس على دعمها القوي لمرشح بلادهم.
كان ذلك موقفاً دبلوماسي اًيعكس تقدير تونس للعلاقات ا لأخوية مع النيجر، وحرصها على إنجاح مهمة الأمين العام الجديد، في مرحلة كانت المنظمة تحتاج فيها إلى تعزيز العمل الإسلامي المشترك. غير أن الأثر الأهم لهذا الموقف، بالنسبة إليّ وإلى عدد من الكفاءات التونسية العاملة بالمنظمة، لم يتضح إلا لاحقاً.
من عمّان إلى جدة والرياض: أثر إيجابي امتد لسنوات
بعد انتخابه، تسلّم الدكتور حامد الغابد مهامه على رأس الأمانة العامة للمنظمة في مطلع سنة 1989. وفي السنة نفسها، عُيّن السفير محمد جنيفان سفيراً لتونس في الرياض، وتولّى بهذه الصفة أيضاً تمثيل بلادنا مندوباً دائم اً لدى منظمة المؤتمر الإسلامي. وقد تزامن وجوده في المملكة العربية السعودية مع بداية عهد الأمين العام الجديد، وهو ما أتاح له متابعة أوضاع المنظمة والتواصل مع قيادتها من موقعه الدبلوماسي.
وكان لهذا التعيين أثر إيجابي على الكفاءات التونسية داخل الأمانة العامة، إذ سرعان ما أُعيد إسناد عدد منها إلى مواقع مرموقة، واستعادت حضورها في عدد من المسؤوليات المهمة.
وكنت من بين الذين شملتهم هذه المرحلة الجديدة؛ فقد تولّيت خطة مستشار في ديوان الأمين العام، وتمت ترقيتي إلى رتبة مدير رئيسي. كما حظيت بثقة الدكتور حامد الغابد طوال السنوات الثماني التي قضاها على رأس المنظمة، وأصبحت من أقرب مساعديه، وشاركت في معظم مهامه داخل بلد المقر وخارجه. وقد أتاحت لي هذه المسؤوليات فرصة ثمينة للتعرف إلى كبار المسؤولين في العالم ا لإسلامي، وإلى شخصيات سياسية ودبلوماسية بارزة على الصعيد الدولي، فضلاً عن اكتساب خبرة واسعة في العمل متعدد الأطراف. وما زلت، إلى اليوم، على تواصل مع الدكتور حامد الغابد، الذي يكنّ محبة كبيرة لتونس، وزارها في مناسبات عدة بعد مغادرته الأمانة العامة.
وهنا تكمن المفاجأة التي حرصت على كشفها أمام السفير محمد جنيفان خلال حفل تكريمه: إن الكلمة التي ألقاها في عمّان سنة 1988، والتي ربما بدت في حينها موقفاً دبلوماسياً بروتوكولياً لتأكيد دعم تونس للأمين العام المنتخب، كان لها، في سياق الأحداث اللاحقة، أثر إيجابي في مسار الكفاءات التونسية داخل المنظمة. وهي حقيقة عشت تفاصيلها بنفسي، وشعرت بأهمية استحضارها أمام صاحب الموقف، تقديراً لدوره، وإنصافاً لذاكرة الدبلوماسية التونسية.
تقليد استمرّ عبر الأجيال… وتطلّع إلى مرحلة جديدة
منذ تلك الفترة، اتبع عدد من ا لأمناء العامين الذين تعاقبوا على قيادة المنظمة نهج الاستعانة بكفاءات تونسية في مواقع المسؤولية، واستمر هذا التوجه إلى عهد الأمين العام التشادي حسين إبراهيم طه، الذي عمل معه سفيران تونسيان أُلحِقا بالمنظمة وتولّيا مسؤوليات تسيير إدارات استراتيجية بالأمانة العامة.
وقد أسهم هذا الحضور المتواصل في تعزيز مكانة الكفاءات التونسية داخل المنظمة، مستفيداً من خبرتها في العمل الدبلوماسي والإعلامي والإداري، ومن معرفتها بآليات العمل متعدد الأطراف.
وأنا على ثقة بأن الأمين العام الجديد، الأستاذ إسماعيل ولد الشيخ أحمد، من موريتانيا الشقيقة، سيواصل هذا النهج، مستعيناً بالكفاءات القادرة على الإسهام في إنجاز مشروعه الطموح للإصلاح والتغيير، بما يمكّن المنظمة من الاضطلاع بدورها وتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.
فمنظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة موزعة على أربع قارات، وتمثل شعوباً يزيد عدد المسلمين فيها على ملياري نسمة، بما في ذلك ا لأقليات المسلمة، تظل إطاراً مهماً للعمل الإسلامي المشترك، وتستحق أن تكون مؤسساتها في مستوى تطلعات شعوبها والتحديات التي تواجه العالم ا لإسلامي.
نحو توثيق ذاكرة الكفاءات التونسية في المنظمة
حرصاً مني على الدقة والموضوعية، لم أذكر خلال مداخلتي أسماء الزملاء الذين عملوا في المنظمة منذ تأسيسها، على امتداد عهود أمنائها العامين المتعاقبين، سواء في ا لأمانة العامة أو في مختلف أجهزة المنظمة واختصاصاتها. غير أنني أعتزم الشروع قريباً في إعداد قائمة توثيقية شاملة لهذه الكفاءات، تكون بمثابة مساهمة في حفظ الذاكرة الجماعية للدبلوماسية التونسية، وتسجيل حضورها وإسهاماتها في إحدى أهم المنظمات الإقليمية والدولية.
وأتمنى أن أتمكن من إنجاز هذا العمل بالتعاون مع الزملاء الذين ما زالوا على قيد الحياة، متعهم الله بموفور الصحة والعافية، حتى نستفيد من ذاكرتهم وشهاداتهم ونحفظ تفاصيل هذه التجربة للأجيال القادمة. كما لا بد من استحضار أسماء الزملاء الذين غادرونا، وتسجيل ما قدّموه من جهود وإسهامات، حتى لا يقع نسيانهم، ويظل عطاؤهم جزءاً من تاريخ هذه المنظمة التي جمعتنا، والتي نعتز جميعاً بالانتماء إلى تجربتها. إن توثيق هذه المسيرة ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو أيضاً اعتراف بجهود أجيال من الكفاءات التونسية التي عملت في صمت، وأسهمت في خدمة بلادها وتعزيز حضورها في المحافل ا لإقليمية والدولية.
تحية وفاء وتقدير
شكري المتجدد لجمعية قدماء السفراء والقناصل العامين على مبادرتها المتميزة بتكريم السفير محمد جنيفان، الذي يستحق كل التقدير لمسيرته الدبلوماسية الثرية، ومكانته باعتباره من أبرز السفراء التونسيين وأحد عمداء الدبلوماسية العربية. ولابد من الإشادة في هذا الإطار بالجهود الجبارة التي بذلتها اللجنة المصغرة من الهيئة المديرة للجمعية والمكونة من السفراء الهادي بن نصر رئيس الجمعية وكاتبها العام عبد الرزاق ا لأندلسي وعضو الهيئة حافظ بجار طوال الأشهر الأخيرة في الإعداد والتنسيق بين السفير جنيفان ومؤسسة ليدرز حتى تنجز المهمة بنجاح ويصدر الكتاب في الموعد المحدد له.
كما أتوجه بالشكر إلى مؤسسة ليدرز ومديرها العام الصديق توفيق حبيب على نشر هذا الكتاب، والمساهمة في إخراجه إلى القراء، ليكون مرجعاً مهماً من مراجع تاريخ الدبلوماسية التونسية.
أما السفير محمد جنيفان، فأتمنى له دوام الصحة والعافية وطول العمر، مع خالص التقدير لما قدمه من خدمات لبلاده.
لقد كان حفل تكريمه مناسبة لاستعادة ذكرى مضى عليها ثمانية وثلاثون عاماً، لكنها بقيت راسخة في ذاكرتي، بما حملته من دلالات على أهمية المواقف الدبلوماسية، حتى تلك التي قد تبدو عابرة في حينها، وبما يمكن أن تتركه من آثار تتجاوز لحظتها وتمتد إلى مسارات مهنية وإنسانية طويلة. تلك شهادة أرويها اليوم للتاريخ، وفاءً لرجل يستحق التقدير، وإنصافاً لكفاءات تونسية أسهمت في خدمة منظمة التعاون الإسلامي، وحرصاً على أن تبقى هذه المحطات حاضرة في ذاكرة ا لأجيال القادمة.
نورالدين المازني
السفير محمّد جنيفان، مسار وتحدّيات ومواقف
إصدار الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين
دار ليدرز، 2026، 338 صفحة، 45 د
متوفر بالمكتبات
وعلى المنصة الالكترونيةwww.leadersbooks.com.tn
(التوصيل مجاني)
قراءة المزيد
• في حوار شيق، تقديم كتاب مذكرات السفير محمد جنيفان (ألبوم صور)
• صدر حديثا: "السفير محمّد جنيفان، مسار وتحدّيات ومواقف"
- اكتب تعليق
- تعليق