أخبار - 2026.10.21

كتاب رائع للأستاذ الضّاوي موسى: "أغاني البُّرَّاشْ والرُّبَّاجْ"

كتاب رائع للأستاذ الضّاوي موسى: "أغاني البُّرَّاشْ والرُّبَّاجْ"

مشاعر متمازجة بين أحلام المرأة وأفراحها، وكذلك أحزانها، تأتينا من أعماق تطاوين، بتعبيرات غزيرة المعاني، تلك التي جمعها الأستاذ الضّاوي موسى في كتاب متميّز تحت عنوان: "أغاني البُّرَّاشْ والرُّبَّاجْ، مرآة تعكس الهوية الثقافية النسائية بمنطقة تطاوين".

وقد حرص المؤلّف على جمع نماذج حيّة، مباشرة من الرّواة أنفسهم، لأغاني النساء في أقصى الجنوب التونسي، وأثراها بذكر العادات والتقاليد، كما عرض في جزء ثانٍ أغاني المرأة البدوية في الأفراح والمناسبات الأخرى.

وبقدر ما يوفّر هذا الكتاب جهدا متميّزا في جمع النصوص وحفظها من الاندثار، بقدر ما يأخذ القارئ في جولة رائعة تمتدّ في ربوع الجنوب التونسي بما يكتنزه من تراث بديع.

يمثل فضاء الجنوب التونسيّ بمختلف مكوناته الجغرافيّة من أقصى الصّحراء إلى سواحل المتوسّط الجنوبيّة بما فيها من تلوّن طبيعيّ بين بواد وجبال و كثبان رمليّة، مسرحا لإنتاج غزير و متنوّع من التّراث سواء منه  الماديّ أو غير المادّيّ، و قد بقيت بعض آثاره قائمة: ممّا عفت عنه الطّبيعة من الآثار المادّيّة أو ممّا تولّت الذاكرة حفظه من شفويّ منقول من القصص والأمثال و الألغاز و الغناء و عير ذلك من المأثورات الشّعبيّة... والغناء واحد من مكوّنات هذا التّراث، وهو الأكثر وفرة و الأسرع انتشارا و الأكثر تعبيرا عمّا يخالج نفس الإنسان في مختلف حالاتها من مشاعر إنسانيّة، من حبّ وكراهية وخوف واطمئنان وسعادة وشقاء ورغد وحرمان... وهي المشاعر التي ستظلّ باقية ما بقي الإنسان و ما بقيت الأرض...

وإذا كانت مشاعر الإنسانية واحدة عبر كلّ العصور وعلى امتداد جغرافية الأرض فإنّ للمكان والزّمان ولظروف عيش المكونات العرقيّة المختلفة أصولا ومنابت ولغات وثقافات، تأثيرا على إبداعات الإنسان يجعل لكلٍّ خصوصيته التي تميّزه عن غيره.

في فضاء هذا الجنوب حيث اختلطت أصناف وأعراق من عرب الجزيرة الوافدين والأمازيغ السّابقين وزنوج أفريقيا اللاحقين، جاءت الأغاني والمعزوفات والرقصات وغيرها من الفنون شاهدة على هذا التنوّع فأفرزت لونا من الإبداع الإنسانيّ العفويّ ظلّ إلى زمن قريب سمة خصوصيّة قبل أن تمتدّ إليه يد النّمطيّة الخرقاء...

ولا شكّ أن الغناء يمثّل أبرز عناصر هذا الإبداع الفنيّ وقد حملت لنا الذّاكرة الجمعيّة منه ما يعزّ علينا أن تطويه الأيام.

يتنوّع الغناء بالجنوب الشّرقيّ بحسب ظروف عيش قائله وعاداته ولهجته وجنسه وإطاره الطّبيعيّ، وتتّجه عنايتنا في هذا العرض لجمع عيّنات منه ممّا يغلب عليه الطّابع البدويّ خاصّة.

حين نذكر الغناء في الأوساط البدويّة فإنّنا نعني إنتاج المرأة خاصّة لأنّ البدويّ في الغالب لا يغنّي بل يعتبر الغناء شأنا نسائيًّا وربّما عدّه بعضهم عارا على الرّجال. فإذا غنّى الرّجال أعطوا لغنائهم مسمّيات أخرى مثل "المهَاجَى"[1]... بينما عدّوا شّعر "الموقف" الذي يلقى في حفلات الأعراس غناء وسمّي شاعره "غنّايا"[2]. ثمّ صارت صفة الغناء تطلق على كلّ الشّعراء الشّعبيّين سواء منهم الذين يغنّون في الأعراس أو الذين لا يغنّون.

والمرأة في مجال الغناء أكثر إنتاجا فهي تغنّي في كلّ الحالات وفي كلّ المواضيع: تغنّي طربا في حفلات الأعراس والختان وكلّ المناسبات السّعيدة وتغنّي لتستعين على ما تقوم به من أعمال دنيويّة عند جمع الحطب أو جلب الماء أو عند القيام بسائر الأعمال المنزليّة الأخرى كالنّسيج وإعداد الطّعام وغير ذلك وهي تغنّي أيضا للتّفريج عن كربة أو إبلاغ رسالة أو إبداء رأي، فتنوّع إنتاجها الغنائي وهو إنتاج تسخّر من أجله قدراتها الصّوتيّة إذ قليلا ما تستعين بما توافر لديها من أدوات إيقاع بسيطة[3]. كما تغنّي منفردة أو مع غيرها من النّساء في مجموعات ثنائية أو جماعيّة.

لعلّ الحالة الاجتماعية للمرأة كانت دافعا أساسيّا لوفرة إنتاجها الغنائيّ لفرط ما يعتمل في نفسها من أحاسيس خلال مراحل حياتها المحفوفة بالكثير من المصاعب وليس هذا شأن مجتمع الجنوب الشّرقيّ التّونسيّ فحسب بل إن المرأة كانت في الكثير من المجتمعات عرضة للإقصاء والتّهميش بل حتّى للاضطهاد، رغم مكانتها الهامّة في بناء المجتمع.

عاشت المرأة البدوية ظروفا صعبة بسبب الفقر والجهل والتخلّف، داخل مجتمع ذكوريّ بدائيّ يحكمه القوي و يظلم فيه الضّعيف وتنتمي المرأة إلى الصّنف الأقل حظًّا والأدنى منزلة، ذلك أنها لم تكن تتمتع بحقوقها ولم تكن تستشار في أغلب ما يجدّ حولها من أحداث بل لم تكن تستشار حتّى في أمر نفسها... فقد دأبت أغلب المجتمعات البدويّة أن تلتئم مجالس الحلّ و العقد عندها في غياب المرأة فكانت مجالسهم مقصورة على رجال منهم يمثلون "حصافة الرأي" و "رجاحة العقل "و "بعد النظر"، أو عرفوا بصلابتهم في القتال وتمرّسهم بفنون الحرب... حتّى صار الكلام الموثوق به "كلام رجال"، أمّا "النّساء والضّراري" فهم دون ذلك منزلة فلا يعتدّ برأيهم ولا يؤخذ بكلامهم و لا يعمل على مواثيقهم. وقد شكّلت القصص الشعبيّة في الذاكرة صورتين متباينتين بين الرّجل والمرأة حين يتقدّم بهما العمر فوصف الشّيخ الكبير بـ: " قديم الرّأي" الذي لا ينطق إلا بالحكمة بينما نعتت المرأة المسنّة بأنّها "عزوز السّتوت اللي لا ترحمها نهار اللي تموت" وهي التي تمثل المكر والدّهاء والسّحر خاصّة فيما يتعلّق بالعلاقة بين الرّجل والمرأة.

وجاء في الأمثال الشّعبيّة ما فيه حطّ من قيمة المرأة وتنقيص لدورها الاجتماعي فقيل: "المرَا كِيفْ الدِّيسْ[4] ارْخِفْ علِيهْ يَجَرْحَكْ «و"المرا ما اتسوّطها إلاّ ما اتكتّفها"[5] وقال الشّاعر فيما جرى مجرى المثل:

مَشْيَكْ في البَــرْ اتْجَـــــــــــــــــارَهْ     ومـــِعْرِفْتكْ في الرّجالْ كنُوزْ
ومعرِفتكْ في النّساءْ خسَارَهْ    سَــــوَى شَابَّــهْ وِلاّ عَــزُوزْ
[6]

ومهما كانت الظّروف الّتي قيلت فيها هذه الأمثال فقد اجتمعت أطراف كثيرة على استصغار المرأة واستنقاص قدرها حتّى سلبتها بعض المجتمعات الكثير من حقوقها وحرمتها من حرية العيش الكريم إلى درجة ظنّت معها المرأة نفسها أن لا حقوق لها، فرضيت بتلك المنزلة أغلب النّساء واستكانت، ورفضتها وانقلبت عليها فئة قليلة منهنّ[7] وإن أبدت فئة أخرى رضًى مماريًا فإلى حين في انتظار أن "تكبر الحواشي وتجّلّى الغواشي"[8].

فهل كانت المرأة في هذه الظّروف غائبة فعلا في حياة البدويّ؟ وهل كان صوتها مكتوما دومًا؟ وكيف تنجح المرأة في إبلاغ صوتها إلى الرّجل؟ وماهو السّبيل الذي انتهجته لبلوغ هذه الغاية؟
وإذا كان صوت المرأة في الغالب غير مسموع في المجتمع البدويّ، فإن شواهد أخرى في مجتمعنا حملتها لنا الرّواية الشفويّة التي لا تخلو من مبالغة، تفيد ما حصلت عليه بعض النّساء من منزلة داخل القبيلة أو المجتمع عموما: منها موقف الجازية الهلالية[9] حين استشارها قومـها فنجحت في تخليصهم ممّا ألمّ بهم في تلك المغامرة التّاريخيّة المتداولة.  

كثيرا ما كانت المرأة تتبرّم بما يسلّط عليها من ظلم ويضيق صدرها بما تتعرّض له من ضيم، لذلك فإننا نجدها تغنّي لتفرّج عن البعض من كربتها حين تنفرد بنفسها لترحي حبوبها أو تجمع حطبها أو تغزل صوفها، أوحين تنصرف إلى شأن من شؤون دنياها مخاطبة نفسها حينا أو رحاها أو مغزلها، أو غير ذلك...  وتظلّ هذه المرأة تقتنص الفرص وتنتهزها لتعبّر عمّا يختلج بنفسها من الخواطر وإنها لتجد في مناسبات الإختفال... وفي مواكب " البرّاش" فرصا ثمينة تبث من خلالهــا رسائلها ولواعج  نفسها عساها توصل في لحنها الشّجيّ كلمات يرقّ لها قلب أب غافل أو زوج قاس أو حماة متسلّطة... فإذا لم تجد في البشر أذنا حوّلت وجهتها لتخاطب القمر تسأل عن غالِ حالت الأيام دونه... مسافرا أو مقيما... فجاءت هذه القطع الغنائية من "بُرَّاش " أو " رُبّاج " أو محتلف أنواع الغناء...على لسان المرأة في مختلف حالاتها إبداعًا عفويّا و مرآة تعكس الهويّة الثّقافيّة النّسائيّة يهذه الجهة و شاهدا جليّا على معاناة المرأة، و تفصح المسحة الحزينة التي تغلب عليه عن مدى ما لحق المرأة من ضيم ونكد. فصارت المرأة المعنيّة بذلك في هذه المنظومة الإبداعية العنصر الفاعل المبدع متحدّية كلّ محاولات التّهميش والإقصاء.

ولم يفلح الإقصاء المقصود أو غير المقصود في إلجام المرأة وكتم صوتها فنطقت من تحت الكِمَامَة وحضرت من وراء الغياب. وتسلّلت من خلال ستائر التَّعتيم فغنّت طربة حينا منتحبة أحيانا فأسعدت وأحزنت وأضحكت وأبكت وآلفت وفرّقت...وجاء إبداعها غزيرا متنوّعا، وجاءت مساهمات المرأة في إغناء الرّصيد الإبداعي الإنساني قَــيِّمَة وكثيرة.

لا شكّ أن ما وصلنا من غناء المرأة هو قليل من كثير ولعلّه كان الأجود والأقدر على الصّمود أمام تيّارات المحو الجارفة وعلى الرّسوخ في الذّاكرة، بل في زاوية صغيرة من زوايا وتجاويف الذّاكرة الشّعبيّة المتشعّبة.

وبما أننا لم نجن من الذّاكرة الشّعبيّة الجماعيّة غيرالنّزر القليل أو الأقرب إلى محيطنا السّمعي، فأنّى لنا أن نحيط بإبداع المرأة الكثير، ولذلك فإنّنا سنقصر على ذكر نماذج من هذا الإبداع مع التّاكيد على صنفين منه هما "البُرَّاش" و "الرُبَّاج" باعتبارهما نموذجين هامّين من إبداع المرأة.

ولا شكّ أنّ المرأة قد اهتدت إلى واحدة من الطّرق التي تمكّنها من إبلاغ صوتها، إنه الغناء ...هذه الأداة المؤثرة التي تجد طريقها إلى القلوب بيسر.

وقد رأينا أن نورد بالملاحق نماذج من الأغاني النّسائيّة الأخرى التي جمعناها في مناسبات محتلفة إلى جانب النّصوص الكاملة لما جمعناه من بعض القطع من البرّاش والرّبّاج.

الضّاوي موسى
تطاوين 2004

[1] - المهاجاء هوغناء عن الإبل حين سقيها أو حين تكون محمّلة بالأثقال أو على الغنم في موسم الجزّ
[2] -  يطلق على شعراء الأعراس في جهات اخرى إسم " أديب "
[3] - سنذكر ذلك في حديثنا عن أغاني " النقّيرة " بالملحق الأوّل.
[4] - الدّيس نبات ينبت حول مواقع المياه دقيق السّعف طويله يحصد و يسدّى و تصنع منه الحُصُر و الفُرُش....
[5] - موسى (الضاوي) مجمع الأمثال الشعبيّة التّونسيّة ص 229. مطبعة الخدمات السريعة. قابس 2001
[6] - موسى (الضاوي). مجمع الأمثال الشّعبيّة التّونسيّة المثل رقم 2839، ص 230. مطبعة الخدمات السريعة. قابس 2001
[7] - إشارة لعادة الهرّابة وهي أن تغادر الفتاة منزل الأهل مع من تتّفق معه دون علم أهلها.
[8] - حتى يكبر الأولاد وتزول معهم الشّدائد.
[9] - موسى (الضاوي) قصائد من الذّاكرة الشّعبية. مطبعة تونس قرطاج. أفريل 2003 ص81 قصيد: "وينه نجع أولاد هلال".


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.