أخبار - 2026.10.14

صالح شببل: مسيرة إذاعي أصيل ألهم الأجيال

صالح شببل: مسيرة إذاعي أصيل ألهم الأجيال

بقلم فاخر الرويسي - يعتبر صالح شبيل من أبرز الصحفييّن الذين عرفتهم تونس سنوات الاستقلال الأولى وطيلة ثلاثة عقود ونصف لم يكن فيها المصدح مجرد أداة لنقل الصوت بل كان محرابا للكلمة الصادقة ومدرسة تخرجت منها أجيال من الإعلاميين الذين نهلوا من نبض هذا الصرح.

فهو أحد أعمدة الإعلام التّونسي وواحد من أبرز المؤسسين لقسم الأخبار والمكوّنين لعدد من أشهر الصحفييّن التونسيّين منذ فجر الاستقلال الذين عملوا بالإذاعة والتلفزة الأولى والإذاعات الجهوية وبمختلف الأجهزة الإعلامية الأخرى. بَصْمتهُ ظلت قائمة في المشهد الإعلامي بشهادة كل من عرفه وتعامل معه.

عُرف كذلك الأستاذ صالح شبيل بخصال الصّحفي الإذاعي الذي يجمع بين دماثة الأخلاق وعلوّ الكعب المهني ونظافة اليد، ونموذجاً يُحتذى به في تقديم رسالة إعلامية نبيلة صادقة لامست منذ فجر الاستقلال قلوب المستمعين وعقولهم في آن واحد. ولذلك وجب التعريف به والتذكير بمسيرته الإعلامية.

أريد أن أتقدّم بالشكر للأساتذة الإعلاميين الأفاضل: محمد الحبيب حريز، نورالدّين الحاج محمود، الصّادق بوعبان، الذين مكّنوني من شهاداتهم حول خصال ومآثر صديقهم وزميلهم الأستاذ صالح شبيل والأستاذة رشيد البكّاي وحمّادي بن جاب الله وخالد نجاح الذين سمحوا لي بنشر ما دوّنوه بعد وفاة الفقيد، دون أن أنسى تشجيع الأستاذ صالح بيزيد الذي حثّني للتذكير بهذه القامة التي عملت بإخلاص وأمانة وتواضع نادرين.

من القيروان إلى باريس

هو سليل عائلة من مدينة طبلبة التي تقع جنوب ولاية المنستير. هو ابن القاضي محمد بن صالح شبيل وشهيدة بنت سعد بن بلقاسم ولد بالقيروان بحومة الشرفة في25 فيفري 1933.

نشأ صالح في بيئة وطنية مناضلة وزاول تعليمه الابتدائي بمدرسة الفتح بباب الجلادين ثم التحق بالمعهد الصّادقي بتونس. كان هذا المعهد وقتئذ قلعة النضال التلمذي ومنبت القادة الوطنيين الذين، إلى جانب دراستهم لبّوا نداء الواجب وقارعوا الاستعمار... تشبّع صالح بمبادئ الحرّية منذ نعومة أضفاره وشحنته المدّة التي قضاها في هذا المعقل الوطني العريق بحب بلده والذود عنه، فاقتدى مثل أترابه بمن سبقه من قادة الحركة الوطنية. وتشكل وعيه السّياسي. ومنذ ذلك الحين شارك في التحركات والمظاهرات التلمذيّة وفي ملحمة الذّود عن السّيادة الوطنيّة ومقاومة الاستعمار الفرنسي، التي خاضها هذا المعهد الذي كان حاضرا وفاعلا في كل المحطات التاريخية النضالية التي خاضتها تونس.

بعد نيله الجزء الأول من الباكالوريا استجاب صالح شبيل مع زمرة من زملاء الدّراسة لنداء الزّعيم الحبيب بورقيبة في الخطاب الذي ألقاه في مدينة بنزرت يوم 13 من نفس الشهر، وانخرط في المظاهرات وأعمال الشغب التي صاحبت انتفاضة الشعب التونسي وثورته المسلّحة الشاملة التي اندلعت يوم 18 جانفي 1952 والتي اعتقل إثرها الزّعيم بورقيبة مع عدد من الزّعماء والوطنيين. وأطرد صالح شبيل وكوكبة من زملائه من المعهد الصادقي ومن جميع المعاهد نتيجة مشاركاتهم في هذه الأعمال.

ضاقت به السّبل أيّامها، فقرّر السّفر إلى باريس لمواصل دراسته ونال سنة 1953 الجزء الثاني للباكالوريا.

انشغل بعد ذلك مدّة سنتين في بلاد الأنوار بالقيام بأعمال يومية صغيرة وأحرز على تكوين ببعض المؤسّسات الإعلامية الخاصّة ليوفّر لنفسه لقمة العيش.

لم تدم تجربته الباريسية طويلا، فعاد إلى تونس. وانتدب في مؤسسة البريد التونسي سنة 1955.

في الإذاعة الوطنية

التحق سنة 1958 بالإذاعة التونسية للعمل بعد مناظرة كمحرّر باللّغة العربية في قسم الأخبار. وقراءة النشرات الاخبارية باللّغة العربية. ومن سنة 1966 إلى سنة 1981 تولّى رئاسة تحرير نفس القسم.

وقد تمكّنت كما ذكرت من الحصول على بعض الشهادات من عدد من رجالات الاعلام والصحافة البارزين من أصدقاء الفقيد الذين زاملوه وعاشروه.

صالح شبيل محرّر بقسم الأخبار بالإذاعة التونسية

يقول الأستاذ محمد الحبيب حريز: " المرحوم صالح شبيل زميل محترم وصديق عزيز جمعتنا مهنة المتاعب في أجواء حميمية من الزّمالة والتعاون بهدف ابلاغ الرّسالة الاعلامية بالسّرعة المطلوبة والدقّة المنشودة. لما التحقت بقسم الاخبار وجدت في المرحوم صالح شبيل سندا مهما ساعدني على الاندماج بسرعة في أجواء المهنة وفي الفريق العامل وكان يضم جهابذة الميدان وأُسَمِّي للذّكر لا للحصر الرّاحل الهادي الغالي والرّاحل الهادي بن خامسة والرّاحل حامد الدبّابي وغيرهم ممن احتضنوني ويسّروا مهمّتي بينهم وعملي معهم مع قرب أكبر مع الرّاحل العزيز صالح شبيل. لقد كان رحمه الله نصوحا في حدب كبير وكان لطيفا بصفة مشهودة في تعامله معي. تعلّمت معه كيفية التّعاطي مع وكالات الأنباء ومع التدفّق الهائل للأخبار التي تزوّدنا بها في مختلف مجالات النّشاط وطنيّا ودوليّا بالصّورة التي لا تمسّ بالمصالح العليا للوطن ولكن دون تحريف أو توظيف وهو ما يستدعي الكثير من اليقظة والحسّ الوطني...". 

في استقبال السلك الدبلوماسي المعتمد بتونس لمقر الإذاعة الوطنية بعد تونستها

ويقول الأستاذ نورالدّين الحاج محمود: " بدا حياته المهنية في مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية محرّرا وقارئ النّشرات الاخبارية بقسم الأخبار باللغة العربية. أعدّ العديد من البرامج الاذاعية في الشأن الوطني إلى جانب تعاليق الاذاعة والعربية "بيت العرب "، وهو برنامج كانت تُشرف على مضامينه جامعة الدّول العربية. الأستاذ صالح شبيل عمل رئيس تحرير قسم الاخبار باللغة العربية- كاهية مدير البرامج في الاذاعة الوطنية- مدير الاذاعة الجهوية بالمنستير.  

يُعدّ صالح شبيل من الإعلاميين الذين أعطوا مكانة كبرى للأخبار انتاجا وتصوّرات ومبادرات، فقد كان فاتحا المجال للإنتاج الوطني. عرفت فترته تطوّرا على مستوى التبادلات الاذاعية بين الاذاعة الوطنية وبين عدة اذاعات عربية من أهمّها الرّياض، المغرب، عمّان، الكويت. رجل على قدرة كبرى في التأطير والاحاطة بالإعلاميين الشبّان في إطار من الجدّية والسّعي إلى تقديم الإضافة".

في المملكة العربية السعودية في حضرة الملك فيصل

مع وفد اعلامي تونسي في إحدى زياراته لبلد عربي

كما خصّه الاستاذ رشيد البكّاي بشهادة في كتابه الذي صدر حديثا الموسوم بـ "الصحافة الجهوية ببنزرت"(1): " أكنّ لهذا الرّجل كل الاحترام والتّقدير، وأدين له بالكثير من الفضائل، التي أسهمت أيّما اسهام في تكويني الصّحفي، فقد كان خلال الثّمانينات رئيس تحرير الأخبار بالإذاعة الوطنية التونسية حين سُمّيت مندوبا لهذه المؤسسة العتيدة بولاية بنزرت، وعملت السّنين الطوال تحت إمرته، ونهلت من معينه واستفدت أيّما استفادة من توجيهاته ونصائحه. كان رحمه الله قويّا صارما ومؤثرا في ذات الوقت ودودا، غافرا للعثرات، حاضنا للمواهب والكفاءات، مشجّعا للطّموحات. لا ولن أنسى أبدا أنسى أنّه أوكل إليّ يوم 15 أكتوبر 1981 نقل أطوار زيارة المجاهد الأكبر الرّئيس الحبيب بورقيبة إلى بنزرت على أمواج الإذاعة الوطنية مباشرة وهي ثقة ومسؤولية كبرى مازلت أقدّرها وما زلت أذكر أنّه ألحّ عليّ كثيرا لقبول طلب الالتحاق بقسم الأخبار في الإذاعة بصفة احترافية رسمية، إلّا أنّ ظروفي العائلية آنذاك حالت دون ذلك. سي صالح قامة صحفية فارعة، صاحب قدرة فائقة على التّحرير والتسيير، فضلا عن قراءة الأخبار بصوت جهوري مؤثر ولغة عربية فصيحة والقاء متميّز".  من اليسار إلى اليمين: المختار المستيسر، صالح شبيل، عبدالحفيظ الهرقام وإبراهيم الغضاب

 مع الرئيس بورقيبة

عرفه الرّئيس الحبيب بورقيبة من خلال نشرات الأخبار التي كان يساهم في اعدادها وتقديمها وخاصة نشرة الخامسة، ومن خلال عدد من البرامج التي أنتجها مثل" حديث اليوم" و"نحن والعالم" وبرامج أخرى. وأعجب به وبصوته وحرفيّته فقرّبه إليه وألحقه بالفريق الإعلامي الذي كان يرافقه في جلّ زياراته للبلدان العربية والأوروبية بين 1960 إلى سنة 1970.  مع الرئيس بورقيبة في احدى تصريحاته

وبفضل كفاءته وجدّيّته تدرّج صالح شبيل في سلّم المسؤوليات ليرتقي إلى خطّة كاهية مدير البرامج في الإذاعة الوطنية من سنة 1979 إلى سنة 1983.

في الجامعة العربية

ونظرا لكفاءته وجدّيته التي اشتهر بها قرّر المسؤولون سنة 1979 تكليفه بمهمة بقسم الإعلام بجامعة الدّول العربية التي أصبح مقرّها تونس بالتوازي مع مباشرة مهامه بالإذاعة. وتوصّل إلى ربط علاقات مع كل الإذاعات العربية ليرسي جذور تعاون وتكامل معها في عدّة مجالات، جنت اذاعتنا الوطنية ثمارها اليوم بفضله وبفضل مسؤولين عاصروا الفترة وآخرين حملوا المشعل بعده وآمنوا بضرورة التعاون الإعلامي العربي.

الإبعاد لحين

مرّت تونس قبل وخلال وبعد ثمانينات القرن الماضي بأزمات وصراعات سياسية داخلية خاضتها مختلف القوى السّياسية والاقتصادية، تشكلت خلالها مجموعات منافع ومصالح مشتركة وتكتلات ضغط تزعّمتها شخصيّات سياسيّة تنافست فيما بينها من أجل خلافة الرّئيس بورقيبة والتفرّد بالسّلطة والاستفراد بمراكز القرار. استعملت فيها الشخصيات المتنافسة شتى الطرق والأساليب المعارك السياسية المتاحة والممكنة ووظّفت فيها عديد الأطراف الموالية لها وقتئذ للوصول إلى غاياتها.

كان الكل يتسابق للسّيطرة على الإذاعة، هذا المرفق الإعلامي الذي تتابعه الملايين وخاصة قسم الأخبار الذي كان له تأثير كبير على الرّأي العام والمحرار السّياسي.

عُيّن الطاهر بالخوجة في ديسمبر 1980 وزيرا للإعلام. كان شخصيّة وازنة وطرفا في هذا السّباق على الخلافة. وكان طبيعيا بالنسبة لشخصية نافذة مثله أن تتكوّن لديه طموحات نتيجة مركزه السّياسي الحسّاس وما يتمتع به من دعم ساكنة قرطاج وسيلة بورقيبة التي كانت معنية بهذا الصراع.

يقول الأستاذ عبد العزيز قاسم الذي كان مديرا للإذاعة في كتابه الممتاز "المستمع الأكبر"(2): "لم يتدخّل الطّاهر بالخوجة في اختياري ولن أنسى له تنبيهي بالرّغم من أنّه محسوب على السّيدة وسيلة سياسيا. كنت أرى من الطبيعي أن أطلعه على البرمجة وأن آخذ بتعليماته فيما يتعلّق لا بالسّياسة العامّة للمؤسّسة ولكن العلاقة بدأت تسوء إذ كان يتدخّل في التصرّف الإداري...وتلبّد الجوّ بالإضافة إلى انخراط الوزير في تحرّكات ترمي إلى الإطاحة بالوزير الأوّل وهو ما كان مخالفا تماما لقناعاتي...".

لأسباب يطول شرحها نجح وقتها منافسوه في اقناع بورقيبة بإقالته من الوزارة في شهر جوان 1983. وأصرّ أعدائه بعد ذلك على التخلص من أعضاده وأنصاره وأصدقائه المقرّبين.

لمّا تحمّل بالخوجة حقيبة الإعلام وصار المشرف على هذا القطاع تعاون وتعامل معه صالح شبيل باعتباره الوزير والمسؤول الأوّل. وهي علاقة إدارية عادية لطبيعة القطاع الذي كان يتابعه الرئيس بورقيبة بانتظام، ما يفرض التعاطي المشترك مع الأحداث السياسية التي طبعت تلك المرحلة المتقلّبة.

كان موقع صالح شبيل حساسا للغاية. وهي مسؤولية دقيقة عانى منها كل رؤساء قسم الأخبار وبالدّرجة الأولى المديرين الذين تعاقبوا على الإذاعة في كل الفترات...لأنّه وكما يقال بلغة الشعب: "الزلقة بفلقة".

سنة 1983 تمكّن "أعداء" بالخوجة من تجميد مهام "مناصريه" وإبعادهم من المسؤوليات وتهميشهم. وكان صالح شبيل من الذين شملهتم الاقالة من مسؤولياته في الإذاعة وكذلك الجامعة العربية. ولم يغفر له أصحاب القرار مزاجه الصعب، وربّما عثراته المهنية وصداقته القديمة بالطاهر بالخوجة رغم انضباطه في عمله واحترامه للتسلسل الإداري والتراتيب الجاري بها العمل بشهادة عدد لا بأس به من زملائه.

جُمّد نشاط صالح شبيل الإداري منذ سنة 1984 وأبعد خمس سنوات عن مقرّ الإذاعة والوسط الإعلامي.

في إذاعة المنستير

في ماي 1989 هاتفه الأستاذ البشير طوال مدير ديوان وزير الاعلام وقتئذ وأعلمه بقرار تعيينه مديرا لإذاعة المنستير...

"عاد الدرّ الى معدنه" كما يقال. 

بإذاعة المنستير

يقول الأستاذ الصّادق بوعبان:  "تولّى السّيد صالح شبيل إدارة إذاعة المنستير خلفا للمرحوم المنصف الهرڨلي، الذي كان محبوبا من أغلبية أبناء الإذاعة، وكان المدير العام للإذاعة والتلفزة وقتها المرحوم صلاح معاوي. أوّل لقاء بين السّيد صالح شبيل وأبناء الدّار، كان من خلال اجتماع عام، خلّف كثيرا من الرّيبة والاحتراز، نظرا لقسمات وجهه الصّارمة، ولِكلماته المقتضبة، ولتدخّلاته التي كانت أقرب للإيحاءات منها إلى الشرح المُبسّط. كان سي صالح شبيل فعلا قوي الشّخصية، يفرض الانضباط حتى دون أن يتكلّم، وكان يحث على الاجتهاد، ويبحث عن الجودة، ويشجع على الابتكار. في عهده نظمت الإذاعة أول نشاط ثقافي خارج أسوار الأستوديوهات، وكان ذلك بمناسبة اليوم الوطني للثقافة، كما نظمت في عهده الدّورتان الأولى والثانية من ملتقى أدب التّسعينات، كما كان الإنتاج الثقافي لإذاعة المنستير غزيرا، حتى أنه أُطلق على الإذاعة صفة الإذاعة الثقافية. فقد كانت مفتوحة أمام أساتذة الجهة، كما استقطبت مبدعيها في اختصاصات متنوّعة، مما جعلها تتميّز بطرافة البرامج ورشاقة الأسلوب. كان سي صالح مديرا بأتم معنى الكلمة، أحسن اختيار معاضديه في ميادين الأخبار والتقنية، والبرامج، والمالية، حتى أنّك إذا دخلت مكتبه لا تجد فوقه إلا الجرائد اليوميّة، أما تسيير الإذاعة فكان يتمّ بينه وبين رؤساء المصالح (أعضاده), كل في اختصاصه. لقد عرفت الإذاعة في عهد سي صالح انتشارا واسعا، زاد في إشعاعها، وكرس وجودها كمنارة إعلامية أضاءت كل البلاد.

من اليسار إلى اليمين: صالح شبيل، عبدالحفيظ الهرقام والصّادق بوعبان

يواصل الأستاذ الصادق بوعبان: "بقيت أمارس التنشيط الإذاعي بالتوازي مع التدريس حتى سنة 1991 حيث دعاني الأستاذ صالح شبيل للتفرّغ للعمل الإذاعي وكلّفني بالإشراف على مصلحة البرامج إلى حدود 1993، حيث دعاني الأستاذ عبد الحفيظ الهرقام إلى مكتبه واقترح عليّ أن أتولّى إدارة إذاعة تطاوين..."(3).

التقاعد

في سبتمبر 1991 غادر صالح شبيل إذاعة المنستير وألحق بديوان وزير الاعلام آنذاك الأستاذ فتحي الهويدي. وبقي في هذه المهمة إلى غاية سنة 1993.

مع حرمه السيدة نعيمة

وفاته
غادر صالح شبيل الحياة وتوفّي يوم 14 جويلية 2024 تاركا لوعة لدى كلّ من عرفه وعاشره.  

بعد وفاته كتب عنه صديقه الأستاذ حمّادي بن جاب الله على حائطه الفايسبوكي(4): "رحم الله سي صالح رحمة واسعة واسكنه فسيح جنانه ...عرفته ايام كنت صحافيا بدار الإذاعة والتلفزة وانا طالب بالجامعة...تعلمت منه الكثير ...كان عالي الأخلاق ...وما سمعته يوما يشكو من شيء ..ولا يقدح في احد ...كان عالي الكفاءة ...جدي للغاية ...ابتساماته القليلة نؤرخ بها ...ونصفّق لها ...مع ''سي حامد الدبّابي '' كمال العريف وصالح جغام  و ''بلها'' سي الهادي بن خامسة و بوديدح...رحمهم الله جميعا ...وخاصّة مع صاحب ''رسالة العبّاسيىة'' الأسبوعية بجريدة ''الشعب'' الأخ الشّعري حفظه الله الذي كان الوسيط بيننا وبين ''سي الحبيب ''...الحبيب عاشور لتكوين نقابة أساسية بالإذاعة والتلفزة ...وتكفلت وقتها بإعداد بيان في الإعلام الوطني المستقل... وكان سي صالح يُسدي – في تكتّم شديد- النّصيحة والحكمة العمليّة والطرق الإجرائية...

كم سعيت بواسطة الاخ العزيز الأسعد نجل المرحوم في الأسابيع الأخيرة لمقابلته والاطمئنان على صحّته ...ولكن قضاء الله جرى بما شاء الله ...رحم الله سي صالح رحمة واسعة...موضعه في صدري باق على الأيّام ...ورزق جميع أفراد عائلته وفي مقدمتهم الاخ لسعد جميل الصبر والسّلوان".

كما كتب صديقه رشيد البكاي بعد وفاته(5): " تمنّيت لقائه قبل أن يتوفاه الله وقد سعيت لذلك كثيرا. كنت أودّ أن أردّ له بعض جميله ولو بكلمة طيبة وعرفان صادق، لكن كلما سألت عنه، هل هو مازال على قيد الحياة؟، أين يقطن؟، ما هو رقم هاتفه؟، الّا وشحّت الأجوبة حتى ظننت أنّه غادر هذه الدّنيا الفانية، إلى حين فاجئني يوم 15 جويلية 2024 خبر وفاته رحمه الله. لكن يشفع لي أنّني كنت دائما وكلّما حانت الفرصة أذكره بكل احترام وتقدير وأشيد بقدراته وأفضاله، وهذا الأمر موثق في أحاديث ومقالات صحفية ولقاءات إذاعية وتلفزية، شأنه في ذلك شأن كل اللذين عملت معهم وتكوّنت على أيديهم. رحم الله سي صالح شبيل وأسكنه فراديس جناته"

ووجدت نصا شيّقا على الجدار الفايسبوكي للإعلامي الأستاذ خالد نجاح جاء فيها ما يلي: "فقدت الإذاعة التونسية أحد رموزها في قطاع الصّحافة وهو المرحوم صالح شبيل الذي كان من الجيل الأوّل للصحفييّن في فترة تونسة الإذاعة وقد لعبت حينها دورا كبيرا في مرافقة بناء دولة الاستقلال ومواكبة احداث وطنية وعربية مهمة قبل أن يتدعّم المشهد لاحقا ببعث التلفزة التونسية...في سنة 1983 كنّا خمسة عشر صحفيّا نجحنا في مناظرة وطنية لانتداب صحفيين بالإذاعة والتلفزة ولمّا باشرنا العمل في ثاني أيّام ذلك العام كنّا في حضرة صحفيّين أعلام في تلك المؤسسة نعرف بعضهم من خلال الشاشة وبعضهم الآخر من خلال المذياع سواء بسماع أصواتهم أو ذكر أسماءهم... كان من بين هؤلاء رجل انيق وجدي إلي أبعد الحدود استقبل الوافدين الجدد من الصحفيين الذين تم تعيينهم في قسم الأخبار الإذاعية، بكلّ ودّ باعتبار أنّهم يمثّلون جيلا جديدا من أبناء الجامعة التونسية ووضعهم أمام مسؤولياتهم الاعلامية الوطنية والتي تتطلب منهم الكفاءة والانضباط والجدية.. وكانت فترة الاختبار بسنة كاملة التي قضّاها الصحفيّون في قسم الاخبار الاذاعية باللغة العربية تحت اشراف المرحوم صالح شبيل سنة مفصلية في مسارهم المهني إذ تعلّموا أساسيّات العمل الصّحفي في جهاز اعلامي جماهيري يستمع اليه الملايين في ذلك العهد ويقدم مادة اخبارية منوعة من نشرات وتعاليق. وكان المرحوم صالح شبيل متشددا في التعامل مع اداء الصحفيين حتى تكون الاخبار التي يحرّروها أو الرّيبورتاجات التي ينجزوها متوفرة على جميع المقاييس التي تعطي للخبر والمعلومة حرفيّتها ومصداقيتها وكان حريصا على سلامة اللّغة العربية ودقة الصّياغة... كان الجيل الجديد من الصحفيّين في تلك الفترة يحمل صورة عن ارتباط الاذاعة والتلفزة الوثيق بالسّلطة وهي الصّورة التي ارتسمت طيلة سنوات في المشهد السّمعي البصري التونسي ولكن المرحوم صالح شبيل كان من بين عدد من المسؤولين الاعلاميين في تلك الفترة الذين عملوا على تطوير المحتوى الاعلامي واخراجه من بوتقة السّلطة فكان مناصرا لذلك المحتوى الذي يعطي للمواطن صورة عن الحدث تتسم بالنزاهة والمصداقية وتتجاوز خطاب السلطة الاحادي.. وكانت للمرحوم صالح شبيل محطة اعلامية أكبر في اذاعة المنستير التي تولّى اداراتها في 20 ماي 1989 حتى سبتمبر 1991 وقد انتقل اليها بنفس الافكار والتصورات الاعلامية التي كان يؤمن بها ويدافع عنها ويعمل على تجسيدها والتي مع الأسف لم تكن ترضي السّلطة التي كانت تستعمل الاعلام للدّعاية وترويج السّياسات وتضخيم الانجازات..

لم يكن المرحوم صالح شبيل في اهتمامات السّلطة في مشروعها الاعلامي فكان أن أبعدته عن دائرة الضوء وقد خسر الاعلام الاذاعي خدماته حتى حصل على التقاعد وكان فخورا بمسيرته التي رافق فيها أجيالا متعاقبة من الصحفيّين والاذاعيّين. ... ورغم الجدّية التي عرف بها في مساره المهني وكانت من الصّفات التي استحسنها الصحفيّون المهنيّون، إلا أنّ كلّ من اقترب منه اكتشف مجموعة من الصّفات والخصال الانسانية في شخصيّته.

يوم 15 جويلية 2024 دفن صالح شبيل في مقبرة الجلاز.

رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته.

فاخر الرويسي

(1) رشيد البكّاي: الصحافة الجهوية ببنزرت، القنال والرديون والحديث ذو شجون- تونس 2026.
(2) عبد العزيز قاسم: المستمع الأكبر- ص42، سيراس للنشر.
(3) ثمانون...من أعلام ومشاهير الإذاعة التونسية (الجزء الأوّل) ص 635/636 جمع وصياغة وتقديم عبد الستار النقاطي.
(4) بتاريخ 17 جويلية 2024.
(5) رشيد البكّاي: الصحافة الجهوية ببنزرت، القنال والرديون والحديث ذو شجون- تونس 2026





هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.