أخبار - 2026.09.28

حاتم قطران: صباح الغربي لم تعد بيننا!

حاتم قطران: صباح الغربي لم تعد بيننا!

لقد اختطف الموت من بين أيدينا ومن محبّتنا إنسانة كانت، بالنسبة إلى كثيرين منا، مثالًا يُحتذى به.

إن زملاءها في كلية الحقوق بتونس، الذين حصلت معهم سنة 1977 على الإجازة في الحقوق، وكذلك كل من عرفها واستطاع أن يدرك عمق التزامها، سيحتفظون في ذاكرتهم بصورة امرأة استثنائية.

وقد كرّست صباح الغربي جانبًا مهمًا من هذا الالتزام لـ الجمعية التونسية لمرضى العضلات  (AMT)، التي كانت، إلى جانب شقيقتها الراحلة نور الهدى الغربي، من مؤسساتها عند إنشائها في مارس 1991.

ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الجمعية التونسية لمرضى العضلات عن القيام بأعمال واسعة النطاق لفائدة الأشخاص المصابين بالأمراض العصبية العضلية. وبمعية أعضاء الجمعية، الذين كانوا على قدر كبير من التفاني، عملت صباح الغربي دون كلل على مكافحة الاعتلالات العضلية والأمراض العصبية العضلية، وعلى توعية الرأي العام والسلطات العمومية بالصعوبات الصحية والأسرية والاجتماعية التي تنجم عن هذه الأمراض المسببة لإعاقات بالغة، كما عملت على تقديم الدعم المادي والمعنوي للمرضى.

وكان الهدف هو تمكينهم، بالتعاون مع السلطات العمومية، من الحصول على أفضل فرص ممكنة للعلاج والتكوين المهني والنفاذ إلى سوق الشغل، وبوجه أعم، الاندماج في المجتمع.

لكن صباح الغربي تميزت، قبل كل شيء، بقدرتها على تقديم نموذج في الإدارة الصارمة والدقيقة والمتجردة من أي مصلحة شخصية للجمعية التونسية لمرضى العضلات. فمنذ تأسيسها، حرصت على أن تدار الجمعية من قبل أعضاء منتخبين من بين الأشخاص المصابين بالاعتلالات العضلية المنخرطين فيها أو من آبائهم أو أمهاتهم أو أبنائهم، مع الاستعانة في الوقت نفسه بـ مجلس علمي يضم، بالخصوص، أطباء من اختصاصات مختلفة وباحثين، وبـ مجلس اجتماعي يضم أخصائيين اجتماعيين، وأخصائيي علاج طبيعي، وأخصائيي علاج وظيفي، ومهندسين معماريين، ومحامين وغيرهم من المهنيين المعنيين.

وكان هذا التنظيم، شأنه شأن جميع أنشطة الجمعية، يخضع لتدقيق سنوي. وقد مكّن ذلك الجمعية التونسية لمرضى العضلات، على مر السنين، من تقديم نموذج متميز لما يمكن للمجتمع المدني أن يحققه في مجال الحوكمة والانضباط والشفافية، خدمةً للأشخاص ذوي الإعاقة.

ومن خلال عملها، أسهمت صباح الغربي في ترسيخ الثقة التي كان بإمكان الأشخاص المصابين بالأمراض العصبية العضلية أن يضعوها في جمعيتهم، وكذلك، على نطاق أوسع، في قدرة تونس على أن توفر لهم الإصغاء والتضامن والكرامة.

إن رحيل صباح الغربي، في هذه الظروف، يمثل خسارة لا تُقدّر بثمن بالنسبة إلى تونس بأسرها، وبصفة خاصة بالنسبة إلى عائلتها وأصدقائها، وإلى كل من تقاسم معها نضال الجمعية التونسية لمرضى العضلات، وكذلك كل من عرفها في مختلف مراحل وظروف حياتها.

قلّما ترك رحيلٌ وراءه ذكرى بهذا الثراء، وبهذا النور، وبهذا القدر العميق من السكينة.

فلنعمل، ونحن نحييها اليوم معًا بتحية وداع أخيرة، على أن نحافظ على ذكرى صباح الغربي ونواصل إحياءها؛ تلك المرأة التي كانت كل ذلك في آن واحد:

امرأة جميلة، شديدة الذكاء؛
مناضلة كبيرة، سخية ومتفانية في خدمة الفئات الأكثر هشاشة؛
محبة للموسيقى، شديدة التعلق بها؛
وصديقة كبيرة بالنسبة إلى عدد كبير منا.
تلك هي المرأة التي ستبقى في ذاكرتنا.

وداعًا، صباح.

رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فراديس جنانه وألهمنا جميعا جميل الصبر والسلوان.

حاتم قطران

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.