-لغتنا المُيَسَّرَة- للأستاذ رضوان الشعري: مرافعة عن اللغة العربية وتأكيد على ضرورة إصلاح منظومة التربية والتعليم
بقلم محمد إبراهيم الحصايري - في مستهلّ هذه السنة الدراسية الجديدة، أريد أن أوجّه تحيّةَ تقدير إلى صديقي ورفيق سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا الأستاذ رضوان الشّعري بمناسبة صدور الجزء الأول من مُؤَلَّفِهِ القيّم الذي اختار له عنوان "لغتنا المُيَسَّرة".
هذا الجزء الأوّل الذي جاء في 208 صفحة يُعنى بمادّتي الصرف والعروض وبقواعد الرسم، بينما سيُعْنى الجزء الثاني بمادّتي النحو والبلاغة...
والمؤلَّف ككل هو عصارة تجربة مؤلِّفِه كأستاذ درّس اللغة العربية لفترة ناهزت الأربعين سنة في المعاهد العمومية، والفرنسية، وفي معهد بورقيبة للغات الحية وبعض المراكز الخاصة بتونس، وقد كان الباعث على تأليفه، كما يقول في المقدمة، خدمة التلميذ والمدرّس من خلال السعي إلى تحقيق ثلاثة أغراض أولها معرفي وثانيها تعليمي وثالثها قومي.
أما خدمة التلميذ فإنّها تتمثل، كما يؤكد، في محاولة ملء الفراغ الناجم عن عدم مراعاة وزارة التربية التي سيطر عليها نخبة من الأساتذة الجامعيين في مجال البرمجة والمنهجية، "للتجربة الميدانية التي تتواصل مع مهجة التلميذ ونفسيّة المراهق في زمن تهاوت فيه رغبة أبنائنا وإقبالهم على المطالعة وتدهور مستوى الابداع اللغوي في بعض المنشورات الأدبية وفي وسائل الاعلام وتحديدا في مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت التي غدت المنهل الرئيس لناشئتنا في تحصيل معرفتهم" (ص.1).
ثم إن المؤلَّف يأتي ردا على ما نسمعه من أبنائنا الذين لم يعد غريبا أن يقولوا "إن اللغة العربية قد تجاوزها الزمن وهي لا تتماشى مع مقتضيات العصر"، فضلا عن كونها "مستعصية على الدارس والمتعلِّم" (ص.1).
والمؤلِّف يقرّ بأن هذا المَزْعَمَ فيه "جانب من الوجاهة إذ لم تشهد لغتنا تجديدا ناجعا في مناهج تدريسها وتنشئة المتعلّمين على أصولها وآلياتها الخصوصية" (ص.1)، ولذلك فإنه يطمح إلى أن يسهم مؤلَّفُه في تدارك هذا النقص.
غير أنه يرى أن الأخطر من ذلك هو أن اللغة العربية في تونس تتعرض للعديد من "التحديات الحداثية"، وهو ما يتجسم في مقولة أنها "باتت متجاوزة" التي يتصدى لتفنيدها من خلال التأكيد على الحجج التالية:
• أن اللغة العربية هي "لغة الله العليم الحكيم الذي أنزل بها آخر كتبه على خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم. (ص.1).
• "أن العلوم اللغوية من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ، بيانًا وبديعًا ومعانيَ، وعروضٍ وأصواتٍ ولهجاتٍ ومعجمٍ تفاعلت مع العلوم اللسانية الحديثة المستَغِلَّة للتكنولوجيا وللمختبرات الصوتية فتم توظيفُها، مسندةً بعلم النفس التربوي في الإشهار والتجارة وحتى في الخطاب السياسي والعلاقات الدولية" (ص.2).
• "أنّ اللغة العربية معترف بها في مختلف أجهزة الأمم المتحدة، تُنْقَلُ وتُتَرجمُ الى مختلف اللغات العالمية وتُدَرَّسُ باهتمام كبير في جامعات العالم" (ص.2).
• "أن المستشرقين في عديد دول العالم دَرَسُوا اللغة العربية بدقة، فترجموا القرآن إلى لغاتهم وكذلك فعلوا بأمّهات كتبنا"... (ص.2).
• "أن اللغة العربية ما زالت تنافس اللغات الحيّة العالمية المنبثقة عن اللغة اللاتينية" التي تجدر الملاحظة "أنها كلغة أمّ لم تصمد كلغتنا الأمّ" (ص.2).
• أن اللغة العربية ليست هي القاصرة عن مواكبة عصر التكنولوجيا والانترنت وإنما هي كائن حي يتنفس وينمو بقدر الاهتمام بها، لا سيّما من الأجيال الصاعدة التي يمكن "أن تسندها وتطوّرها بالدرس والقراءة والكتابة والترجمة" (ص.3).
وقد حرص المؤلف، في ذات هذا السياق، على أن ينشر، تحت عنوان "رسالة اللغة العربية إلى جيل اليوم" مقتطَفًا من قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم الشهيرة التي يتغنى فيها بلغة الضاد قائلا:
وسـعـتُ كتـابَ الله لفـظــا وغـايـة *** وما ضقت عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضيق اليومَ عن وصف آلة *** وتـنـسيــق أسماء لمخـتـرعاتِ (ص.7)
هذا بالنسبة إلى التلميذ، أما بالنسبة إلى المدرّس فإنّ المُؤلِّفَ يؤكّد أن مؤلَّفَه يأتي "لغرض الإسناد من الناحيتين العلمية والبيداغوجية" (ص.3).
وعلى هذا الصّعيد، يلاحظ في البداية أننا "شاهدنا منذ تسعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا نقصا جَلِيًّا في تكوين مدرّسي اللغة العربية، فالهوَّة تكاد تكون بيِّنَة بين ما يتلقاه المُدرِّس في الجامعة وبين ما هو مطالب بتبليغه لأبنائنا التلاميذ وخاصة منذ إحداث منظومة إمد (إجازة ماجستير دكتورا) في كلية العلوم الإنسانية، وتغييب دار المعلمين العليا لتخريج أساتذة التعليم الاعدادي والثانوي، وتغييب مدارس ترشيح المعلّمين بالصيغة التي كانت عليها منذ الحقبة البورقيبيّة والتي كان يتلقى فيها الطالب دروس الخط النّسخي والموسيقى والعروض إلى جانب معارف اللغة والعلوم والتربية وتاريخ البلاد وجغرافْيَاهَا، فيكون التَّعَلُّمُ موظفا بصورة عملية للتربية الأصلية ببعدها الإنساني الراقي وللعلم الدقيق المبسط ببعده الحضاري المشع" (ص.3و4)...
واعتبارا لذلك فإنّه يتساءل قائلا: "فكيف لنا أن نحاسب التلميذ على رداءة مستواه في لغته الأم وقد وصل إلى المدرسة الإعدادية بعد ستّ سنوات من التكوين الأساسي وهو لا يكاد يميّز بين المفاهيم؟"... وكيف لنا أن نحاسبه على "رداءة الكتابة وتعثر الملفوظ في العبارة؟"، والحال "أنّ العلة في الأساس قبل أن تكون في الفرع" (ص.4).
وفي نفس هذا الصدد، يُنْحِي المُؤَلِّف باللائمة على بعض الخيارت التي زادت الطين بلّة، معتبرا أن "المنظومة الانتقائية" التي تم إرساؤها والتي أدت إلى قيام المدرسة النموذجية والمدرسة الخاصة ومدرسة قرطاج الدولية "وظفت للنخبة وعلية القوم وألقت بِسَوَاد الشعب عرض الحائط (ص.4).
وحتى تتسنى معالجة هذه الإشكالية فإنّه يرى، من منطلق "ضرورة استعادة الدولة هيبتها" أن تستعيد المدرسة العمومية بالذات "نجاعتها وإشعاعها عملا بما جاء في الدستور من اجبارية التعليم، وتعميم حقّ كل طفل تونسي فيه بالحظوظ والإمكانات والمرافق نفسها، ولا فرق بين هذا وذاك الا بالاجتهاد والبذل، لا بالمال والجاه والولاء" (ص.4).
أما من الناحية البيداغوجية الصرفة، فإنّه يرى أن إصلاح التعليم يستوجب:
• إيلاء عناية خاصة لسلك التفقد وعلاقة المتفقّد بالمُدرِّس، حيث أن هذه العلاقة، كما يرى "تآكلت مع الزمن ولم تعد تؤتي أكلها... فالمتفقد، والتعميم غير جائز في هذا المقام، إما ان يكون سوط عذاب على المُدرِّس أو أن يكون مجاملا له" (ص.5)، ثم إن عدد المتفقدين غير كافٍ، وزياراتهم للمُدرِّسين لا تنطبق عليها صفاتُ "الدورية والمنتظمة والمفاجئة"...
• أن هناك نوعا من الإسراف في إغداق ما يسميه "عناوين الشرف" على المُدَرِّسين (من أستاذ أول إلى أستاذ فوق الرتبة، الى أستاذ متميّز درجة استثنائية، ومبرّز، ودكتور...) دون أن يقابل ذلك تغيُّرٌ في "حال التلميذ" إذ تبقى كدار لقمان على حالها (ص.5).
• أنّ تغيير البرامج وتنويع المناهج لا يجديان نفعا ما دامت العلاقة بين المعلِّم والمتعلِّم تفتقد أو تكاد روح التواصل، ومادامت "الغاية تبرر الوسيلة والنتائج الجيدة هي المنشود أولا وأخيرا" (ص.5).
• أنّ "الرفق" في علاقة المعلم بالمتعلم تعني، في نظره، أن يمد المدرّس يده إلى التلميذ لينتشله إلى أعلى، لا أن ينحني إليه ويتواطأ تحت شعار "تلامذتنا فلذات أكبادنا"، ومعنى ذلك أن هذه العلاقة تحتاج إلى الصرامة التي هي "قوة دون قسوة ولين دون ضعف"، حتى تكون "للمدرسة حرمة وللمدرِّس هيبة وللتلميذ تربية وآداب وعندئذ تستقيم البيداغوجيا في التبليغ والتواصل والتعامل" (ص.5)...
وعلى العموم وفي الختام فإنّ المؤلِّف يؤكد على أن "الأمل يبقى معقودا على مبادرة وزارة التربية في إصلاح المنظومة التربوية اعتمادا على استفتاء شامل في إصلاح المنظومة التربوية في هذه الحقبة الجديدة من تاريخ البلاد" (ص.5).
واعتقادي أن جملة هذه الأفكار والمقترحات ومثيلاتها مما يقترحه ذوو التجربة الطويلة والخبرة الثابتة في مجال التعليم، جديرة بأن توضع في حسبان المجلس الأعلى للتربية والتعليم الذي شرع، مؤخرا، في مباشرة مهامه بعد أن تمّ تعيين كاتبه العام وأعضاء هيئته العليا...
محمد إبراهيم الحصايري
- اكتب تعليق
- تعليق