المعهد التونسي لأعضاء مجالس الإدارة يطلق نواة أولى لمعهد إفريقي ويعزز معايير الحوكمة والاستدامة
عقد المعهد التونسي لأعضاء مجالس الإدارة، الخميس 24 سبتمبر 2026، لقاءه السنوي العاشر، الذي شكل مناسبة للإعلان رسمياً عن تكوين النواة الأولى لـالمعهد الإفريقي لأعضاء مجالس الإدارة، بمشاركة ممثلين عن خمس دول هي تونس والجزائر ومالي وغينيا والكوت ديفوار.
وتندرج هذه المبادرة في إطار توجه نحو تعزيز تطبيق المعايير الدولية في حوكمة التصرف والمسؤولية البيئية والاجتماعية داخل المؤسسات المالية والبنوك والشركات المدرجة بالبورصة، بما يدعم قدرتها على الاستدامة والتنافسية والاندماج في الأسواق الدولية.
معايير الحوكمة لم تعد خياراً
وأكد رئيس المعهد التونسي لأعضاء مجالس الإدارة، معز الجودي، أن اعتماد المعايير الدولية للحوكمة لم يعد خياراً بالنسبة للمؤسسات، بل أصبح آلية أساسية لضمان استدامتها وتطوير قدرتها الإنتاجية والتنافسية، فضلاً عن تعزيز قدرتها على النفاذ إلى التمويلات الدولية وتوسيع نشاطها.
وأوضح الجودي أن الإفصاح عن القائمات المالية لم يعد المؤشر الوحيد على أداء المؤسسة، مشيراً إلى تنامي أهمية الإفصاح عن مدى نجاعة ممارسات الحوكمة والمسؤولية البيئية والاجتماعية ومدى التزام المؤسسة بهذه المعايير.
وأشار إلى أن عدداً من المؤسسات التونسية نجح في اعتماد هذه الممارسات، لتصبح نماذج على المستويين المحلي والدولي، من بينها شركات مالية وبنوك ومؤسسات مدرجة بالبورصة، إلى جانب الجهود التي تبذلها بورصة تونس في هذا المجال.
وفي السياق ذاته، أبرز الجودي أهمية التكوين في آليات تطبيق معايير الحوكمة، وخاصة في ما يتعلق بالتوازن بين الجنسين داخل مجالس الإدارة، موضحاً أن عدد النساء الأعضاء ورؤساء مجالس الإدارة ارتفع، وفق المعطيات التي قدمها، من نحو أربع نساء قبل حوالي خمس سنوات إلى أكثر من 30 امرأة حالياً.
تونس بوابة لشبكة إفريقية للحوكمة
من جانبه، أكد رئيس مجلس الأعمال التونسي الإفريقي، أنيس الجزيري، أن مشاركة المجلس في اللقاء السنوي العاشر للمعهد تندرج في إطار دعم مبادرة إطلاق المعهد الإفريقي لأعضاء مجالس الإدارة، الذي يضم في مرحلته الأولى ممثلين عن تونس والجزائر ومالي وغينيا والكوت ديفوار.
واعتبر الجزيري أن هذه النواة يمكن أن تمثل خطوة أولى نحو إرساء شبكة من المعاهد المتخصصة في أعضاء مجالس الإدارة بمختلف الدول الإفريقية، بما من شأنه دعم العلاقات الاقتصادية التونسية مع القارة وتعزيز حضور الكفاءات والمؤسسات التونسية في سوق إفريقية ذات أهمية متزايدة.
هيئة السوق المالية: نحو إطار جديد لتقارير الاستدامة غير المالية
وفي افتتاح أشغال اللقاء السنوي، أكد رئيس هيئة السوق المالية بالنيابة، حاتم السميري، أن دعم حوكمة التصرف داخل المؤسسات المدرجة بالبورصة والمؤسسات المالية والبنوك يمثل أحد محاور عمل الهيئة، في إطار القوانين والترتيبات الجاري بها العمل.
وأوضح أن الهيئة تعمل على مزيد توعية المؤسسات والفاعلين في القطاع المالي بأهمية احترام مسؤولياتهم الاجتماعية والبيئية، إلى جانب تطوير ممارسات الحوكمة، ورقمنة الخدمات، وتعزيز الأمن المعلوماتي وحماية المعطيات والتصرف في المخاطر.
وكشف السميري عن توجه الهيئة نحو وضع أسس إطار قانوني جديد لحوكمة التصرف، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات السوق المالية التونسية ويكون قابلاً للتطبيق بصورة ناجعة وعملية.
كما يتضمن هذا التوجه تطوير الإطار القانوني المتعلق بإعداد التقارير الخاصة بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، وإرساء متطلبات جديدة بصورة تدريجية تتلاءم مع واقع السوق التونسية، مع الاستفادة من التجارب الإفريقية والأوروبية والدولية.
ويهدف هذا المسار إلى تعزيز حوكمة المؤسسات، ودعم قدرتها على تحسين الإنتاجية والتنافسية، إلى جانب المساهمة في الحد من الأخطاء والمخاطر من خلال إرساء مجالس إدارة أكثر تخصصاً وكفاءة واستقلالية.
وبإطلاق النواة الأولى للمعهد الإفريقي لأعضاء مجالس الإدارة، يضع المعهد التونسي لأعضاء مجالس الإدارة مبادرة ذات بعد إفريقي، تراهن على التكوين وتوحيد الممارسات وتطوير الحوكمة كأدوات لدعم تنافسية المؤسسات وتعزيز اندماج الاقتصادات الإفريقية في التحولات الاقتصادية والمالية العالمية.
ثلاثة محاور لبناء حوكمة أكثر نجاعة
من جهته، أكد المدير الإقليمي لشمال إفريقيا والقرن الإفريقي بمؤسسة التمويل الدولية (IFC)، التابعة لمجموعة البنك الدولي، Ary Naim، أن المؤسسة عملت على مدى عقود على توفير مليارات الدولارات لدعم عدد من الدول في تطوير استراتيجيات حوكمة التصرف.
وأشار إلى أن التحديات الحالية تختلف بشكل كبير عن تلك التي كانت مطروحة قبل عشر سنوات، في ظل التحولات الديموغرافية والمناخية والجيوسياسية والجيو-اقتصادية، إلى جانب تعدد الممارسات والتحديات الاجتماعية.
واعتبر أن بناء نموذج ناجع لحوكمة التصرف والمسؤولية البيئية والاجتماعية داخل مجالس إدارة المؤسسات يتطلب رؤية طويلة المدى، ترتكز أساساً على تطوير استراتيجيات للتصرف في المخاطر، ولا سيما في ظل تنامي التهديدات السيبرنية التي يمكن أن تؤثر في استمرارية سلاسل الإنتاج.
كما شدد على ضرورة اعتماد التفكير الاستباقي والاستعداد للتحولات المستقبلية وبناء مؤسسات قادرة على كسب ثقة الشركاء والمستثمرين والممولين، من خلال الالتزام المستمر بالمعايير الدولية للحوكمة والمسؤولية البيئية والاجتماعية.
وثمّن في السياق ذاته نتائج برامج التكوين التي يشرف عليها المعهد التونسي لأعضاء مجالس الإدارة، في إطار الشراكة القائمة مع مؤسسة التمويل الدولية منذ سنة 2023، مشيراً إلى أن هذه الشراكة ساهمت في تكوين قاعدة من المختصين في هذه المعايير، بمعدل 30 متكوناً في غضون ستة أشهر.
وأضاف أن المعهد أصبح مرشحاً من قبل مؤسساتهم للاستفادة من خبراته في مجال تكوين أعضاء مجالس الإدارات التابعة لهياكل حكومية تونسية، خاصة في مجالات حوكمة التصرف والمسؤولية البيئية والاجتماعية.
كما دعا إلى التسريع في تركيز المكتب الذي سيتولى الإشراف على مهام المعهد الإفريقي الأول لأعضاء مجالس الإدارة، معتبراً أن التكوين يمثل أحد المفاتيح الأساسية للاستجابة للتحديات المستقبلية لسوق الشغل الإفريقية.
وأشار إلى أن ملايين الشباب الأفارقة يتطلعون إلى الاندماج في سوق الشغل في أفق سنة 2050، معتبراً أن تطوير التكوين والممارسات الجيدة في مجال الحوكمة يمكن أن يساهم في خلق فرص عمل جديدة، وخاصة من خلال دعم دور القطاع الخاص في استيعاب هذه الطاقات والكفاءات.
التمويل والبنية التحتية والتكنولوجيا... تحديات الحوكمة في إفريقيا
وخلال النقاشات، أكد المشاركون أن الدول الإفريقية تمتلك من الكفاءات والخصوصيات ما يمكنها من تطوير نموذج خاص بها في مجال حوكمة المؤسسات المالية والبنوك والشركات المدرجة بالبورصة وغيرها، مع تعزيز ممارسات المسؤولية الاجتماعية والبيئية المستدامة.
كما تم التطرق إلى جملة من التحديات المرتبطة بالتمويل والبنية التحتية والتكنولوجيا والتحول الرقمي، باعتبارها عوامل أساسية يتعين تطويرها لمواكبة المتطلبات الجديدة للحوكمة والاستدامة.
وفي هذا الإطار، أكد سفيان قايد، المدير العام لشركة Panoro Energy، أن القارة الإفريقية مطالبة بالتوفيق بين هدفين أساسيين، يتمثل الأول في إنجاح مسار التحول الطاقي، والثاني في اعتماد معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) بما يتلاءم مع مستوى التطور الطاقي والاقتصادي في القارة.
وشدد على ضرورة عدم اعتماد المعايير المعمول بها في الاقتصادات المتقدمة بصورة آلية، داعياً إلى إدراج استثمارات المرحلة الانتقالية ضمن تحليلات معايير ESG، باعتبارها استثمارات لا يمكن تصنيفها بشكل كامل ضمن الاستثمارات الملوثة أو الخضراء.
من جهته، اعتبر ألكسندر غروكس، المدير التقني لشركة DiliTrust، أن التكنولوجيا قادرة على تسهيل عملية التحول، من خلال تمكين المؤسسات من قياس أدائها وتوثيقه بصورة أكثر دقة.
وأوضح أن البيانات أصبحت، في ظل المتطلبات البيئية الجديدة، بمثابة دليل يسمح للمؤسسات بإبراز أدائها الفعلي، عوض الاكتفاء بتقييمها استناداً إلى مؤشرات أو قيم افتراضية.
في المقابل، أشار إلى أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا يطرح بدوره مخاطر جديدة، مؤكداً أن التكنولوجيا يمكن أن تكون عاملاً مسرعاً وميسراً للتحول، شريطة توفر البنية التحتية الضرورية.
تكريم 25 خريجاً جديداً
وعلى هامش اللقاء السنوي العاشر، تم تكريم نحو 25 خريجاً جديداً من أعضاء مجالس الإدارة الذين تلقوا تكويناً متخصصاً في هذا المجال.
وتأتي هذه المبادرة تمهيداً لإدماج هذه الكفاءات مستقبلاً في مجالس إدارة عدد من المؤسسات المالية والعمومية والخاصة والشركات المدرجة بالبورصة، سواء بصفتهم أعضاء مستقلين أو ممثلين عن صغار المساهمين.
- اكتب تعليق
- تعليق