أخبار - 2026.07.26

قرقنة: الطبيعة في أنقى صورها

قرقنة: الطبيعة في أنقى صورها

على بعد نحو عشرين كيلومترًا من مدينة صفاقس، أي ما يقارب ساعة واحدة من السفر، تقع جزر قرقنة، وهي أرخبيل من الجزر المنخفضة تحيط بها المياه الضحلة. ولا تصل العبّارة التي تربطها باليابسة إلا من الجهة الجنوبية، عبر ميناء مليتة في جزيرة الغربي. أما في الشمال، عند ميناءي القراطن والعطايا، فلا ترسو سوى قوارب الصيادين المحليين.

ويعتقد كثيرون أن قرقنة ليست سوى جزيرة واحدة تتكون من قسمين يفصل بينهما جسر صغير: جزيرة مليتة، وهي الأصغر، وجزيرة الشرقي، وهي الأكبر، وتضم عدة قرى أهمها الرملة. لكن في الحقيقة، يضم الأرخبيل أيضًا عددًا من الجزر الصغيرة غير المأهولة، مثل صفنو وشرمادية وقرمدي ورمادية. وفي هذه البقعة الصغيرة، البعيدة عن صخب البر، يجد الزائر صفاءً وسكينة نادرين.

فهنا، في هذا المكان المحدود المساحة، يكتشف الإنسان اتساع العالم من جديد، ويعيد النظر في تصوراته التي كثيرًا ما تبالغ في تضخيم الأشياء أو التقليل من شأنها. فلا تتجاوز مساحة الجزر نحو خمسة عشر ألفًا وسبعمائة هكتار، ويبلغ طولها حوالي خمسة وأربعين كيلومترًا، وأقصى عرض لها أحد عشر كيلومترًا، بينما لا يزيد أعلى ارتفاع فيها على ثلاثة عشر مترًا.

وفي هذه الطبيعة الخلّاقة، أو «الطبيعة المبدعة» كما يسميها الفلاسفة، والتي تُنجب كل مظاهر الكون المرئية، يجد الزائر مناظر آسرة وأحلامًا لا تنتهي. فطوبى لمن يزور قرقنة.

هناك يدرك الإنسان أن العين ترى في الآخرين جوهرهم، بينما لا ترى في نفسها إلا المظهر الخارجي. أما معرفة الحقيقة فتحتاج إلى نظرة من القلب، لا من العين وحدها. وعندها تنكشف معانٍ عميقة، وتبرز حكمة متجذرة في الثقافة الشرقية، حيث يستعيد المرء المعنى الحقيقي للبركة. فأن يبقى الإنسان وفيًا لنفسه هو أعظم قوة. وكان الأجداد يقولون: «من وطئت قدماه أرض قرقنة باركه الله»، لأن من يزورها يقع في حبها ولا يستطيع مفارقتها. ولذلك يعتبرها كثير من المؤرخين أكثر الأماكن استحقاقًا لأن تكون جزيرة آكلي اللوتس التي ورد ذكرها في الأساطير القديمة.

سحر الحياة في الجزيرة

تنتصب أشجار النخيل شامخة، وقد عُلقت في أعاليها أوعية فخارية يُجمع فيها اللاقمي، وهو عصير النخيل العذب الذي يُعد من ألذ المشروبات، خاصة في ساعات الصباح الأولى. ويحتسيه الناس في ظلال النخيل قبل أن يتوجه الصيادون إلى البحر، أو ينشغلوا بإصلاح قواربهم الطويلة والضيقة الراسية على الشاطئ، والتي لا تحمل أشرعة ولا مجاديف. وعلى ضوء مصباح صغير ما يزال مضاءً فوق الصاري، تبدأ رحلة الصيد مع أول خيوط الفجر.

ويُعد النخيل نعمة حقيقية لأهالي قرقنة، فهو مصدر خير لا ينضب. فهم يأكلون ثماره التي تمدهم بالطاقة، ويرتوون من عصيره المنعش، كما يستعملون سعفه في صناعة وسائل الصيد؛ فالسعف بأوراقه يُستخدم داخل المصائد، أما بعد تجريده من أوراقه فيصبح عيدانًا متينة تُستعمل في أعمال الصيد المختلفة.

كما يعتمد السكان أيضًا على العنب والتين والتمر في غذائهم. غير أن الفاكهة المفضلة لدى كثير منهم كانت التين الشوكي الذي كان ينمو بكثرة على حواف الحقول المزروعة بالتين والكروم. لكن مع توسع العمران وانتشار البناء الخرساني بسرعة كبيرة، اختفت مساحات واسعة من هذا النبات الذي كان يومًا من أبرز معالم جزر قرقنة.

على شاطئ البحر، ما زالت تُشاهد أحيانًا مساحات واسعة مغطاة بأعواد الحلفاء التي تُترك لتجف تحت أشعة الشمس الحارقة. وتُجلب هذه النبتة من البرّ الرئيسي، حيث يعتمد سكان جزر قرقنة على أوراقها في صناعة منتجات الحلفاء التقليدية. وتوفّر الحلفاء موردًا إضافيًا للرزق لكثير من الأهالي، إذ تُصنع منها الحبال، والقفاف، والسلال، وأكياس عصر الزيتون، وهي أدوات تُستخدم في الحياة اليومية أو تُنقل إلى البرّ الرئيسي لبيعها إلى معاصر الزيت، التي يكثر عددها خاصة في صفاقس.كما تُستعمل بعض هذه المصنوعات عند مداخل المنازل كبُسُط صغيرة، أو تُعلّق داخل البيوت للزينة إلى جانب الدّرينات، وهي مصائد تقليدية للأسماك. وتصنع الدرينة من عيدان عراجين النخيل على شكل شبكة مستطيلة، تُثبت على حلقات مصنوعة من أجزاء ليفية من عراجين النخل، ويكون قاعها من شبكة من الحلفاء تُفتح بحبل صغير، بينما يأخذ أعلاها شكل قمع ينتهي بحزمة تمنع السمكة التي تدخلها من الخروج.
وتُستخدم هذه الدرينات داخل مصائد الصيد الثابتة المعروفة باسم الشرافي، وهي حواجز من سعف النخيل تُغرس في قاع البحر لتحديد مساحة معينة، فتوجّه الأسماك مع حركة المدّ والجزر نحو حجرات الصيد التي توضع فيها الدرينات.

ويُتقن أهالي قرقنة فنون الصيد التقليدي، فيستطيعون تحقيق صيد وفير بالقرب من الشاطئ، كما أنهم خبراء في صيد السرطانات البحرية، ويعرفون أنواعها المختلفة، بل ويميزون أكثرها دهاءً.
وخلال موسم صيد الأخطبوط، تُربط جرار فخارية بحبال طويلة وتُغمر في البحر عند الغروب، ثم تُرفع مع أول خيوط الفجر، بعدما تكون الأخطبوطات قد لجأت إليها ليلًا طلبًا للمأوى، فتُصاد وهي ساكنة داخلها.
أما أسماك البوري والقاروص، فيصطادها الأهالي بطريقة جماعية، إذ يقف الرجال والأطفال في الماء حتى منتصف أجسامهم، ويحركون قطعًا خشبية ويضربون بها سطح الماء، فتفزع الأسماك وتصعد من الأعماق لتسقط فوق الشباك والحواجز العائمة.

إنسانية مشرقة

يرى العارفون بقرقنة أنها طوق نجاة وسط بحر المخاطر، وعصا سحرية تجعل الأرض القاحلة تنبت خيرًا. ففي هذه الجزر، يتساءل الحكماء دائمًا كيف يمكن للإنسان أن يعيش في الظل، بينما يستطيع بإرادته أن يضيء حياته.

وبعيدًا عن صخب المدن المكتظة في البرّ الرئيسي، حيث تقل الأحلام، تنبض قرقنة بروح المغامرة الإنسانية، بشغف كبير بالحياة، وعطش دائم إلى العدل والكرامة.

وبين غابة من صواري المراكب وقوارب الصيد الملونة ذات القاع المسطح، تسير بعض النساء وهنّ يقدن عددًا قليلًا من الأغنام والماعز. ويرتدين أثوابًا طويلة بألوان الأحمر والذهبي والأخضر، ويكشفن وجوههن وفق العادات المحلية، كما يضعن قبعات من القش لتحميهن من حرارة الشمس، لأن جمالهن يكمن في بساطتهن وطبيعتهن.

ورغم أن الجمال الخارجي ظاهر للعيان، فإن الجمال الحقيقي يبقى في الداخل. وهو يتجلى في كل قرقني بقي وفيًّا لأرضه وطبيعته. صحيح أن الإنسان قد يتغير ويتأقلم مع الظروف، وهي صفة يشترك فيها مع بقية التونسيين، لكنها تبلغ لدى أبناء الجزر حدًا كبيرًا، قد يكون مصدر قوة أو سببًا للضعف.

وعلى الشاطئ، تضع فتاة من قرقنة صدفة بحرية على أذنها لتجعل أمها تستمع إلى أصوات الغاق والنوارس التي تحلق فوق البحر الهادئ، متناثرة كأنها زهور بيضاء تطفو على سطح الماء، بينما يمتزج هدير الأمواج بأصوات الناس في مشهد يذكّر بأصوات طيور البحر.

وبعد قليل، تنزل الأم إلى البحر بثوبها الكتاني، ثم تستلقي على الرمل الرطب حتى يُغطى جسدها به إلى العنق، في حين تلجأ ابنتها إلى ظل إحدى أشجار النخيل الكثيرة القريبة من الماء، وتجمع الأصداف من الشاطئ، وقد تصطاد أحيانًا الحبار، والأخطبوط، والسبيط، ولا سيما السرطانات البحرية.

يجلس الناس بكل راحة على جانب الطريق، يتأملون الحياة، ويمكن للمرء أن يقضي ساعات وهو يراقب هذا العالم الواسع الذي ينعكس في هذا المجتمع الجزيري الصغير. هنا يشعر الإنسان بأن عظمة الكون تعود إلى أصوله الإلهية.

فالشباب على دراجاتهم، والرجال الماشون، وكبار السن، سواء كانوا حفاة أو ينتعلون البلغة أو الصنادل، وسواء ارتدوا قمصانًا خفيفة أو ساروا عراة الصدور، يحيّون الجالس حتى وإن لم يعرفوه. وما تزال العادات الأصيلة حية بين سكان الجزيرة؛ لذلك يسهل التمييز بينهم وبين المصطافين القادمين من الخارج. فمن يركب دراجة أو وسيلة نقل يبدأ بالتحية لمن يمشي، والمارّ يحيّي الجالس احترامًا له، كما يقدّم المبصر العون للمكفوف.

وعلى الطريق المعبدة الوحيدة، حيث تتعاقب ظلال الأشجار، يردد بعض الشباب أغانيهم المفضلة، ويقضون أوقاتهم في تجربة التنقل المجاني بالإشارة إلى السيارات، حفاة أو بصنادلهم، يستمتعون برمال الشاطئ الدافئة، ويملأ هواء البحر أنوفهم، بينما تكسو الشمس بشرتهم بلونها البرونزي.

ويقضي آخرون أوقاتهم على الشواطئ، وهي آخر فضاء رحب للأحلام، حيث يلتقون بالسياح ويتبادلون معهم الأحاديث أو بعض السلع، في تجارب قد تحمل أحيانًا بعض المخاطر. ومعظمهم يرتدي سراويل الشاطئ القصيرة، بينما يلفت الانتباه القليل ممن يرتدون ملابس سباحة كاملة، فيبدون غرباء عن المكان، سواء كانوا من أبناء الجزيرة أو من الزائرين. وكثير من هؤلاء الشباب يتحدثون أكثر من لغة، أو يبدعون في أداء رقصات عصرية مستوحاة من أشهر الرقصات العالمية.

وفي الأزقة، وعلى المسالك، وعلى شاطئ البحر، وبالقرب من الفنادق، وفي مقاهي القرى، تبدو الفتيات والفتيان متعطشين للتقدير والاعتراف بقدراتهم. إنهم ينتظرون فرصة لإظهار مواهبهم المتعددة، وعرض مهاراتهم كما يفعل الرياضي في أفضل أيامه، لكنه محروم من خوض المنافسة. وتمتلئ صدورهم بالأمل في مستقبل جديد، وبرغبات قوية تبحث عن طريقها إلى الحياة.

ويحضر الإحساس بالجمال، وكل ما هو مختلف وغريب، كأنه نسمة قادمة من عالم بعيد يصعب الوصول إليه. فتتجه العيون نحو الممنوع، وتوقظ الأحلام الكامنة، وتمنح الخيال مساحة واسعة للصمت والأماني. وفي العيون التي أثقلها تعب الحياة اليومية، يبقى بريق الأحلام حاضرًا، حوارات بلا كلمات، ونظرات تحمل من الأسرار والاعترافات ما لا تستطيع الكلمات أن تبوح به.



 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.