أخبار - 2026.07.23

جربة: جزيرة الرمال الذهبية

جربة: جزيرة الرمال الذهبية

كيف يمكن أن نعرّف بجزيرة جربة لمن لم يسبق له زيارتها؟ ليس الأمر سهلاً، خاصة عندما تكون المساحة المتاحة للحديث محدودة، في حين أن هذه الجزيرة تزخر بالكثير من الجوانب التي تستحق أن تُروى. فقد كانت جربة موضوع العديد من الدراسات والأبحاث، لذلك لا يهدف هذا المقال إلى إعادة دراسة الجزيرة، بل إلى إثارة رغبة القارئ في اكتشاف هذه الجزيرة التونسية التي ذاع صيتها في مختلف أنحاء العالم، والتعرّف بنفسه إلى سحرها وجمالها الذي جعلها تستحق أوصافاً عديدة.

سهولة الوصول إلى الجزيرة

يمكن الوصول إلى جزيرة جربة عبر الجو أو البحر أو البر. ومع تطور النشاط السياحي، تم إنشاء مطار دولي بالجزيرة، خضع لعدة عمليات توسعة وتحديث حتى يستجيب للارتفاع المستمر في حركة المسافرين.

وقد ازدادت حركة النقل الجوي، ليس فقط بفضل السياح الأوروبيين، بل أيضاً بفضل المسافرين الليبيين، خاصة خلال فترة الحظر الجوي على ليبيا، إضافة إلى التونسيين الذين يستخدمون المطار للرحلات الداخلية، خصوصاً نحو العاصمة تونس، وكذلك لرحلات الحج بالنسبة إلى سكان الجنوب الشرقي.

كما يمكن الوصول إلى الجزيرة بحراً عبر العبّارة التي تربط بين الجرف وأجيم على مسافة 2.5 كيلومتر، أو عبر الطريق الرابطة بين جربة وشبه جزيرة جرجيس من خلال القنطرة، والتي تمتد على حوالي 7 كيلومترات.

ولا تزال الرحلة على متن العبّارة تحتفظ بجاذبيتها، خاصة في الأيام المشمسة، عندما يحالف الزائر الحظ فيشاهد الدلافين وهي ترافق السفينة أثناء العبور.

وخلال فصل الصيف، بل وحتى في بقية أشهر السنة، تؤدي طوابير الانتظار الطويلة إلى إطالة مدة العبور بأكثر من ساعة أحياناً، رغم زيادة عدد العبارات. لكن عدد العبارات العاملة فعلياً لا يزال غير كاف لضمان انسيابية الحركة التي ينتظرها المسافرون.

ولذلك يفضّل بعض الزوار، تفادياً لطول الانتظار، سلوك الطريق المار بمدينة مدنين للالتفاف حول بحر بوغرارة ثم الدخول إلى جربة عبر القنطرة.

وقد أتاح ضحالة مياه البحر وقرب الجزيرة من اليابسة إنشاء هذا المعبر البري، وهو ما جعل جربة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقارة منذ أقدم العصور، وتتأثر بعواملها الطبيعية والبشرية.

ومن أعلى جرف أو من نافذة الطائرة، يكتشف الزائر أول ملامح المشهد الطبيعي للجزيرة، حيث تبدو جربة أرضاً منبسطة تكاد تخلو من المرتفعات، إذ لا يتجاوز متوسط ارتفاعها عشرين متراً، بينما تبلغ أعلى نقطة فيها 53 متراً بمنطقة ظهرة قلالة.

وتبلغ مساحة الجزيرة 514 كيلومتراً مربعاً، ما يجعلها أكبر جزيرة تونسية ومن أكبر جزر الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط.

وتتراوح المسافة بين أطرافها المختلفة بين 20 و30 كيلومتراً، فيما يمتد شريطها الساحلي على نحو 150 كيلومتراً.

كما يمكن لعشاق الطبيعة القيام بجولة حول الجزيرة بالدراجة الهوائية، للاستمتاع بالمناظر الطبيعية التي تمتزج فيها بساتين النخيل مع الأراضي المالحة والسباخ والمستنقعات.

وتضم جربة شبكة من الطرق المعبدة يبلغ طولها نحو 355 كيلومتراً، وقد توسعت باستمرار عبر تعبيد العديد من المسالك التي تربط التجمعات السكنية. كما تمتد المسالك غير المعبدة لأكثر من 200 كيلومتر، مشكلة شبكة كثيفة تصل بين الأحياء الريفية والأراضي الزراعية المجاورة.

يسهم البحر في تلطيف المناخ المتوسطي الجاف الذي تتميز به جزيرة جربة. فدرجات الحرارة خلال فصل الصيف تكون أقل حدة مقارنة بالمناطق الداخلية، رغم أن رياح الشهيلي القادمة من الجنوب الشرقي أو الجنوب الغربي قد ترفع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال شهري جويلية وأوت.

أما في فصل الشتاء، فنادراً ما تنخفض درجات الحرارة إلى أقل من عشر درجات مئوية.

ورغم قلة الأمطار، التي لا يتجاوز معدلها السنوي حوالي 200  مليمتر، فإن الندى يعوض جزءاً من هذا النقص، إذ تمتصه بسهولة التربة الرملية التي تغطي معظم أنحاء الجزيرة.

كما يعتمد سكان جربة على تجميع مياه الأمطار في خزانات تقليدية تعرف بـالفستقية والماجل، وهي منشآت توجد داخل المنازل التقليدية (المنزل) أو بالقرب من المساجد. ولا تزال هذه العادة متواصلة إلى اليوم، حيث يحرص الأهالي عند بناء مساكن جديدة على إنشاء خزان للمياه العذبة، يُستعمل أساساً للشرب وإعداد الطعام.

وبالنسبة للعائلات المقيمة في المناطق الداخلية من الجزيرة، أصبح الاعتماد على مياه هذه الخزانات أمراً ضرورياً خلال فصل الصيف، بسبب الانقطاعات المتكررة والطويلة لمياه الشرب التي توزعها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، والتي تعطي الأولوية لتزويد المنطقة السياحية ذات الاستهلاك المرتفع.

ورغم تزويد الجزيرة بالمياه القادمة من البر، إضافة إلى المياه المحلاة، فإن ذلك لا يكفي لتلبية الطلب المتزايد خلال الصيف، حيث ترتفع الحاجة إلى المياه بسبب الأنشطة الزراعية والسياحية والاستهلاك المنزلي. كما يضاف إلى استهلاك السكان الدائمين استهلاك آلاف السياح التونسيين والأجانب.

وتعتمد الأنشطة الفلاحية والاقتصادية أيضاً على الآبار السطحية المجهزة بمضخات كهربائية، إضافة إلى الآبار العميقة التي ازداد حفرها خلال السنوات الماضية، رغم القيود المفروضة عليها، وذلك خوفاً من الاستغلال المفرط للمائدة المائية، التي تواجه كذلك خطر تملح مياهها نتيجة تسرب مياه البحر، خاصة في المناطق القريبة من الساحل.

وتُعد المائدة المائية الموجودة في الرمال بالمنطقة الوسطى من الجزيرة الأقل ملوحة، إذ لا تتجاوز نسبة الأملاح فيها غرامين في اللتر الواحد، وهو ما ساعد على ازدهار البساتين الممتدة من ولاغ إلى ميدون، وأسهم في ارتفاع الكثافة السكانية بهذه المنطقة.

السكان والتعمير

يعكس المشهد الطبيعي في جربة حضور الإنسان بشكل واضح، سواء من خلال النشاط الفلاحي أو انتشار المساكن، سواء كانت متجمعة أو متفرقة.

ويعود تعمير الجزيرة إلى عصور قديمة جداً، وقد استمر عدد سكانها في الارتفاع رغم محدودية مواردها الطبيعية. واليوم، لا تستطيع جربة تلبية احتياجات أكثر من 140 ألف نسمة إلا بالاعتماد على موارد خارجية، مثل المياه، والمواد الغذائية، وتحويلات المهاجرين، إضافة إلى العائدات التي يوفرها النشاط السياحي المحلي والدولي.

في بداية القرن العشرين، كان عدد سكان الجزيرة يقارب  32 ألف نسمة، بكثافة سكانية بلغت  62 ساكناً في الكيلومتر المربع. أما سنة 2004، فقد تجاوزت الكثافة  270 ساكناً في الكيلومتر المربع، وهو معدل يفوق بكثير المعدل الوطني الذي كان يبلغ آنذاك 61 ساكناً في الكيلومتر المربع.

غير أن هذا المعدل العام يخفي تفاوتاً واضحاً بين مختلف مناطق الجزيرة. فالمناطق الواقعة في الربع الشمالي الشرقي تسجل أعلى الكثافات السكانية، إذ تتجاوز  230 ساكناً في الكيلومتر المربع، في حين تنخفض الكثافة في الجنوب والغرب إلى أقل من 200 ساكن في الكيلومتر المربع، باستثناء منطقة أجيم.

وتُظهر الخرائط العمرانية أن التجمعات السكانية الكبرى تتمركز في ثلاث مناطق رئيسية:

• حومة السوق، بما في ذلك المطار ومنطقة مليتة. 
• المنطقة السياحية بالشمال الشرقي، الممتدة حول مدينة ميدون. 
• المنطقة الوسطى والجنوبية، التي تشمل خاصة الماي وقلالة وأجيم.

وتغطي هذه المناطق مجتمعة حوالي 125 كيلومتراً مربعاً، أي ربع مساحة الجزيرة تقريباً، لكنها تضم كثافة سكانية تفوق 1000 ساكن في الكيلومتر المربع.

وتُعد حومة السوق العاصمة الإدارية والاقتصادية للجزيرة، إذ تضم نحو 45 ألف نسمة، أي ما يقارب ثلث سكان جربة، كما تحتضن أهم الإدارات والخدمات العمومية والخاصة.

أما ميدون، فهي ثاني أكبر مدينة في الجزيرة، ويبلغ عدد سكانها حوالي 25 ألف نسمة. وقد شهدت نمواً كبيراً بفضل تطور السياحة على السواحل الشمالية والشرقية، مما ساهم في ازدهار الصناعات التقليدية، والنقل، والتجارة، إضافة إلى الخدمات الصحية والقانونية والفنية.

الهجرة والسكن

الهجرة

إذا كان تطور عدد سكان جربة قد ارتبط بالنمو الطبيعي للسكان، فإنه تأثر أيضاً، منذ قرون، بحركات الهجرة المتعاقبة.

فعلى أرضية سكانية أمازيغية، استقبلت الجزيرة عبر التاريخ مجموعات بشرية تنتمي إلى أصول جغرافية وثقافية متنوعة. وكانت جربة ملاذاً آمناً للعديد من الأقليات التي تعرضت للاضطهاد، وساعدها موقعها الجزري وتمسك سكانها بأرضهم على الحفاظ على شخصية ثقافية متميزة، تجلت في تراثها المعماري الفريد، وفي تراثها المادي واللامادي الذي امتزجت فيه التأثيرات الأمازيغية والعربية والتركية والأوروبية وغيرها.

وفي المقابل، لم تكن جربة مجرد أرض استقبال، بل كانت أيضاً أرض هجرة، إذ دفعت محدودية الموارد الطبيعية العديد من أبنائها إلى مغادرة الجزيرة بحثاً عن فرص أفضل للعيش.

فقد هاجر الجربيون أولاً إلى شمال تونس وإلى الجزائر، حيث اشتغلوا بالتجارة ضمن شبكات تضامن اجتماعي كانت تتولى استقبال الوافدين الجدد وتكوينهم وتنظيم تنقلاتهم وتناوبهم بين فترات العمل والراحة.

وفي مرحلة لاحقة، اتجهت أعداد كبيرة منهم إلى فرنسا ودول أوروبية أخرى، حيث عملوا في التجارة وقطاع البناء والعديد من المهن والخدمات.

ولا يزال كثير من أبنائهم يواصلون ممارسة المهن التي ورثوها عن آبائهم، رغم أن بعضهم غيّر نشاطه بفعل تراجع التجارة التقليدية أو بفضل ارتقائه الاجتماعي بعد مواصلة الدراسة.

ورغم استقرارهم في الخارج، ظل المهاجرون الجربيون مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بجزيرتهم، إذ يستثمرون الجزء الأكبر من مدخراتهم في شراء الأراضي والعقارات. ويحرص كثير منهم على بناء منازل مستوحاة من الطراز المعماري الجربي التقليدي، في حين يشيد آخرون قصوراً فخمة لا تنسجم دائماً مع الطابع العمراني والبيئي للجزيرة.

ومن جهة أخرى، أدى خروج عدد كبير من أبناء جربة للعمل خارج الجزيرة، إلى الاعتماد على يد عاملة وافدة، خاصة في قطاعات الفلاحة والبناء والسياحة، ومعظمها من خارج جربة.

ومنذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، استقطبت الجزيرة مهاجرين من الجنوب الشرقي التونسي، ولا سيما من مطماطة وبن قردان وتطاوين . وقد اندمج هؤلاء تدريجياً في المجتمع المحلي من خلال استغلال الأراضي التي تركها أصحابها المهاجرون إلى العاصمة أو إلى الخارج.

وتمكن بعضهم مع مرور الوقت من تكوين ثروة عقارية جعلتهم، هم وأبناءهم، من الشخصيات المرموقة داخل المجتمع الجربي.

كما استمرت موجات الهجرة الداخلية مع توسع النشاط السياحي والعقاري، لتشمل أيضاً مهاجرين من الوسط الغربي والجنوب الغربي للبلاد.

وكما فعل من سبقهم، يسعى الوافدون الجدد إلى الاندماج في النسيج الاجتماعي والمجالي للجزيرة، ويبدأ ذلك عادة بشراء قطعة أرض، مهما كانت صغيرة، لبناء مسكن متواضع.

وتظل الأراضي الواقعة بالقرب من التجمعات السكنية القديمة الأكثر طلباً، رغم ارتفاع أسعارها الذي يجعل اقتناءها أمراً صعباً بالنسبة إلى الكثيرين.

السكن

تتميز أراضي جربة بكونها ملكيات خاصة، وقد شهدت عبر الأجيال تقسيماً متواصلاً نتيجة توزيع الميراث بين الورثة، وهو ما زاد من الإقبال على اقتنائها، خاصة مع ارتفاع أسعارها بفعل الأموال التي يجلبها المهاجرون من الخارج.

ورغم هذا الارتفاع المستمر في قيمة الأراضي، فإن ذلك لم يؤد إلى تركّز المساكن في تجمعات عمرانية كبيرة، إذ ظل السكن في معظمه متفرقاً، انسجاماً مع التنظيم التقليدي للمجتمع الجربي.

ويقوم هذا التنظيم على نموذج المنزل الجربي (المنزل أو "المنزل")، الذي يجمع بين وظيفتين أساسيتين: فهو في الوقت نفسه مسكن للعائلة ووحدة للإنتاج الفلاحي، تضم البستان والحقول الزراعية.

وقد أدى هذا النموذج إلى انتشار المساكن وسط الأراضي الزراعية، المرتبطة فيما بينها بشبكة كثيفة من المسالك الضيقة المعروفة محلياً باسم الجادة، والتي تحفها حواجز من الصبار والأغاف، فتؤدي في الوقت نفسه دور الطرق وحدود الملكيات.

ورغم أن الطرق المعبدة والخدمات التجارية ساهمت منذ زمن في ظهور مراكز صغيرة عند مفترقات الطرق، فإنها لم تؤد غالباً إلى نشوء تجمعات سكنية كبيرة.

وفي المقابل، تتشكل أحياناً تجمعات سكنية صغيرة تسمى الحومة، وهي تضم عادة عائلات تجمعها روابط قرابة وأصول مشتركة، وتمتلك أراضي متجاورة.

وهكذا، أفرزت البنية الاجتماعية القائمة على الروابط العائلية تنظيماً عمرانياً ومجالياً يعكس هذا الطابع الجماعي.

ومن الناحية التقليدية، اعتاد سكان حومة السوق اعتبار أنفسهم مختلفين عن سكان بقية مناطق الجزيرة، الذين يطلق عليهم أحياناً اسم الغبابية. ويفتخر سكان المدينة بطابعهم الحضري، ويحرصون على التمييز بين نمط حياتهم وبين الطابع الريفي لسكان القرى والأرياف.

غير أن هذا الاختلاف يتجاوز الجوانب الاجتماعية، إذ يطرح أيضاً مسألة الوضع الإداري للمناطق السكنية وما يترتب عنها من قوانين تتعلق بالبناء والتعمير.

فمنذ سنة 1969 أصبحت جزيرة جربة بأكملها منطقة بلدية، رغم أن أقل من 20٪ من سكانها كانوا، حسب إحصاء سنة 1966، يعيشون داخل مناطق بلدية.

وبموجب هذا الوضع الإداري، يفترض أن تشمل الجزيرة كلها مخططاً للتهيئة العمرانية يحدد شروط البناء ومساحات الأراضي المطلوبة للحصول على التراخيص.

لكن الواقع يختلف عن ذلك، إذ ما تزال مساحات واسعة خارج أي مخطط عمراني، وهو ما أدى إلى تنامي المضاربة العقارية، خاصة على الأراضي الواقعة بمحاذاة الطرق المعبدة.

الأنشطة الاقتصادية ومصادر الدخل

تشغل الأراضي الزراعية ما يقارب نصف مساحة جزيرة جربة، لكنها لم تكن توفر سوى 4٪ من مواطن الشغل سنة 2004، بما في ذلك نشاط الصيد البحري، مقابل 28٪ سنة 1966.

ولم تعد الفلاحة تمثل النشاط الرئيسي بالنسبة إلى أغلب الجربيين، بل أصبحت في معظم الأحيان نشاطاً مكملاً، يمارسه كبار السن أكثر من الشباب.

وقليل من العائلات لا يزال يزرع بنفسه ما يحتاج إليه من خضر وغلال، بينما تواصل النساء، بدرجة أكبر، الاهتمام بالحدائق المنزلية وتربية عدد محدود من الحيوانات، معتمدات على مياه الآبار أو أحياناً على مياه الشبكة العمومية.
وفي المقابل، شهدت بعض الأراضي التي ظلت مهملة لفترات طويلة، والبعيدة نسبياً عن المناطق السكنية، نشاطاً فلاحياً جديداً. فقد استثمر فيها أصحاب رؤوس أموال مبالغ كبيرة لإقامة مشاريع إنتاجية موجهة أساساً لتزويد الوحدات السياحية بالفواكه الطازجة والحليب والأجبان.

الصيد البحري

لا يزال الصيد البحري يشكل مورداً مهماً للعيش بالنسبة إلى عدد من سكان الجزيرة، التي تمتلك أسطولاً يضم أكثر من 2000 قارب للصيد الساحلي، نحو 70٪ منها غير مجهزة بمحركات.

وقد بلغ إنتاج الصيد حوالي 9000 طن سنة 2011، إلا أن هذه الكمية لا تكفي لتلبية الطلب المتزايد خلال فصل الصيف، سواء من قبل سكان الجزيرة أو الزوار والسياح.

الصناعات التقليدية

خلال ستينيات القرن الماضي، كانت الصناعات التقليدية تدر مداخيل تقارب ما تحققه الفلاحة والصيد البحري.

واعتمدت آنذاك أساساً على صناعة النسيج الصوفي والفخار، وكانت منتجاتها موجهة في المقام الأول إلى السوق التونسية.

أما صناعة الحلي والمجوهرات، فقد اشتهر بها الحرفيون اليهود المقيمون في حومة السوق.ومع مرور الزمن، تراجعت الصناعات التقليدية ذات الاستعمال اليومي بشكل كبير، لتحل محلها صناعات موجهة أساساً إلى السياح.

ورغم الشهرة التي اكتسبتها فخاريات قلالة، فإن جزءاً كبيراً مما يباع اليوم يعود في الواقع إلى منتجات قادمة من نابل أكثر من كونه صناعة محلية، حتى وإن كانت بعض القطع الجربية لا تزال تتميز بقيمتها الفنية.

كما أن المحلات التجارية في حومة السوق وميدون التي تعرض منتجات الصناعات التقليدية للسياح، نادراً ما تبيع مصنوعات محلية خالصة.

السياحة

أصبحت السياحة النشاط الاقتصادي الأول في جزيرة جربة، ليس فقط بسبب ما توفره من فرص عمل مباشرة، والتي تجاوزت 10 آلاف موطن شغل سنة 2011، بل أيضاً لما تخلقه من وظائف غير مباشرة في مجالات التجارة والنقل والخدمات المختلفة.
وفي سنة 2004، كان قطاع الخدمات يشغل أكثر من 57٪ من السكان النشطين، مقابل 36٪ فقط سنة 1966.

وقد بدأ النشاط السياحي في جربة خلال ستينيات القرن الماضي، حيث لم تكن الجزيرة تضم سنة 1965 سوى ستة فنادق بطاقة استيعاب لا تتجاوز 522 سريراً.

لكن هذا القطاع عرف نمواً سريعاً، خاصة على السواحل الرملية في الشمال الشرقي، مستفيداً من جمال البحر والشواطئ والشمس.

وفي البداية، قادت الدولة هذا الاستثمار، قبل أن يجذب اهتمام المستثمرين التونسيين والأجانب. أما رجال الأعمال المنحدرون من جربة، فلم يدخلوا مجال الاستثمار السياحي إلا في مرحلة لاحقة.

ورغم الأزمة التي يشهدها القطاع منذ بداية الألفية الثالثة، فقد كانت الجزيرة تضم سنة 2011 أكثر من 100 فندق بطاقة تفوق 42 ألف سرير، واستقبلت ما يقارب أربعة ملايين ليلة سياحية.

ويشكل الأوروبيون أغلبية السياح الوافدين إلى جربة، مع تزايد عدد القادمين من أوروبا الشرقية وروسيا، في حين تمثل نسبة السياح المغاربيين، خاصة الليبيين والجزائريين، وكذلك السياح التونسيين، جزءاً أقل من إجمالي الوافدين.

وتتنوع أشكال السياحة الداخلية، إذ يختار بعض التونسيين الإقامة في الفنادق، بينما يفضل آخرون كراء مساكن لدى السكان، أو الإقامة في منازلهم الثانوية أو في بيوت أقاربهم وأصدقائهم.

أما بيوت الضيافة، فما تزال محدودة العدد، رغم نجاح بعض التجارب في مناطق ميدون والرياض وحومة السوق، سواء من حيث جودة الهندسة المعمارية أو مستوى الخدمات المقدمة.

التراث الثقافي والطبيعي

أسفرت الحملة التي قادتها الجمعيات ومكونات المجتمع المدني منذ تسعينيات القرن الماضي من أجل إدراج جزيرة جربة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، عن قبول ملف ترشيح الجزيرة، في انتظار الاعتراف الكامل بما يُعرف بـ "القيمة العالمية الاستثنائية"، وهو المعيار الذي تعتمد عليه منظمة اليونسكو لتصنيف مواقع التراث العالمي.

وتبرر اليونسكو هذا التصنيف بقولها إن جربة، بحكم موقعها الجغرافي والدور الذي لعبته عبر التاريخ على المستويين الإقليمي والمتوسطي، يمكن اعتبارها ملتقى حضارات البحر الأبيض المتوسط في العصور القديمة والوسطى.

فقد تغنى بها الشاعر الإغريقي هوميروس تحت اسم «جزيرة آكلي اللوتس»، وكانت محطة رئيسية في رحلات الفينيقيين نحو الغرب، ومركزاً مهماً للإنتاج والتبادل التجاري والثقافي خلال العصور القديمة.كما تحتضن الجزيرة كنيس الغريبة، الذي يعد أقدم معبد يهودي في غرب البحر الأبيض المتوسط، وكانت أيضاً ملاذاً آمناً للإباضيين، وشهدت خلال العصور الوسطى صراعاً بين القوى الكبرى التي تنافست للسيطرة عليها.

وقد حافظت جربة على جزء كبير من هذا الإرث التاريخي، سواء من خلال مناظرها الطبيعية التي تستحضر ما ورد في ملحمة هوميروس، أو من خلال عاداتها وتقاليدها المتوارثة منذ آلاف السنين.

ويضم هذا التراث الغني عدداً كبيراً من المعالم التاريخية والأثرية، من أبرزها:

الضريح النوميدي بـهنشير بورقيبة. 
الموقع الأثري الواسع لمدينة ميننكس القديمة. 
كنيس الغريبة العريق. 
قلعة غازي مصطفى العثمانية، التي أقيمت فوق موقع رباط إسلامي قديم. 
عشرات المساجد التي تتميز بعمارتها البسيطة والأصيلة. 
نمط السكن الجربي المتفرق، الذي يعكس قدرة الإنسان على التكيف مع بيئته الطبيعية، ويجسد أسلوباً فريداً في استغلال المجال.

ولا يحجب هذا التراث الثقافي جمال المناظر الطبيعية التي ما تزال الجزيرة تحتفظ بجزء كبير منها، رغم أنها أصبحت مهددة بعوامل متعددة، وفي مقدمتها التوسع العمراني المتسارع.

ورغم إدراج جربة ضمن قائمة التراث العالمي، فإن الكثير من الجهود ما يزال مطلوباً لضمان حماية هذا التراث والمحافظة عليه بشكل مستدام، حتى يصبح ركيزة لتنمية سياحة ثقافية وأثرية وبيئية، إلى جانب السياحة الشاطئية التقليدية.

فقد ركزت التنمية السياحية، على مدى عقود، على الشريط الساحلي الشمالي والشرقي، وعلى مدينتي حومة السوق وميدون، في حين بقيت جربة العميقة، التي تحتضن الجزء الأكبر من التراث ذي القيمة العالمية، بعيدة عن مسارات التنمية السياحية.

ولا يقتصر هذا التراث على المعالم الأثرية أو المشاهد الطبيعية فقط، بل يشمل أيضاً النظام البيئي الخاص بالجزيرة، والتنظيم العمراني الفريد للمجتمع الجربي، إضافة إلى العادات والتقاليد التي تميز سكانها، سواء في اللباس أو المطبخ أو المناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية.

كما يتجسد هذا التراث في الذهنيات والمعتقدات والممارسات الدينية لسكان الجزيرة، الذين يتمسكون بتقاليدهم العريقة، مع انفتاحهم في الوقت نفسه على الحداثة والتطور.

وقد ساهم انتشار التعليم والهجرة إلى الخارج في تغيير الكثير من العقليات، خاصة فيما يتعلق بمكانة المرأة.

فعلى الرغم من ثقل التقاليد، لعبت المرأة الجربية، منذ زمن بعيد، دوراً أساسياً في الحياة الاجتماعية، إذ كانت تتولى إدارة شؤون الأسرة أثناء غياب الزوج المهاجر، وتمتلك الأراضي والعقارات عن طريق الميراث، كما كانت تمارس البيع والشراء وتدير ممتلكاتها باستقلالية، وهو ما يعكس المكانة المهمة التي احتلتها داخل المجتمع الجربي.

وبذلك تظل جربة أكثر من مجرد وجهة سياحية؛ فهي جزيرة تحمل تاريخاً عريقاً، وتراثاً ثقافياً وإنسانياً فريداً، وبيئة طبيعية مميزة، مما يجعلها واحدة من أبرز الكنوز الحضارية والطبيعية في تونس وفي منطقة البحر الأبيض المتوسط.


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.