مذكّرات محمد النّاصر تصدر باللّغة العربيّة
بعد خمس سنوات من نشرها في نسختها الأصلية باللغة الفرنسية سنة 2021 عن دار ليدرز، صدرت هذه الأيام مذكّرات الاستاذ محمد الناصر باللغة العربية تحت عنوان «جمهوريتان اثنتان وتونس واحدة»، وذلك بمبادرة من معهد تونس للترجمة التابع لوزارة الشؤون الثقافية. وتولى الترجمة الأستاذان محمد القاضي وحبيب السليتي، وراجعها الأستاذ حمادي المسعودي.
وجاء الكتاب في نحو 600 صفحة مدعّمة بصور ووثائق ويتوفر بالخصوص على شهادة تاريخية قيّمة يقدمها الأستاذ محمد الناصر على ظروف اضطلاعه بمهام رئيس للجمهورية بالنيابة، بوصفه رئيسا لمجلس نواب الشعب، إثر وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي يوم 25 جويلية 2019، ويروي تفاصيل هامة عن الأزمة السياسية التي كادت تعصف بمؤسسات الدولة، ويستعرض كيف حرص على احترام الدستور واجراء الانتخابات في غضون 90 يوما وحرص على توفير أسباب نجاحها.
ويكتشف القارئ من خلال هذه الشهادة حقائق مذهلة عن محاولة أولى لتفعيل الشغور الوقتي لرئاسة الجمهورية يوم 27 جوان 2019 من قبل مجموعة من النواب في قصر باردو بهدف اسناد الوظيفة الى رئيس الحكومة يوسف الشاهد، اثر تعرض الرئيس قايد السبسي لوعكة صحية حادّة، ويروي الأستاذ محمد الناصر كيف سارع بإجهاض المناورة، ويذكر كيف تعامل بعد ذلك مع وفاة الرئيس قايد السبسي، في ظل غياب المحكمة الدستورية، واندفع بكل طاقته للمحافظة على البلاد وسط صراعات سياسية عنيفة وتوترات داخل مؤسسات الدولة، ويكشف العديد من الخفايا حول الانتخابات وصولا الى تمرير السلطة الى الرئيس الجديد المنتخب بكل أمانة.
وبقدر ما يمثل هذا الجانب من الكتاب أهمية خاصة، بقدر ما تشد الأبواب السابقة الأخرى القارئ وهو يتابع المسار الشخصي والسياسي للأستاذ محمد الناصر، ابن مدينة الجم، الذي فقد والده في سن مبكرة، وتفوق في دراسة الحقوق، قبل أن يشق طريقه في عديد المناصب العليا، ثم والياً ووزيراً للشؤون الاجتماعية ورئيساً للمجلس الاقتصادي والاجتماعي وسفيراً في جنيف، وصولاً إلى رئاسة مجلس نواب الشعب ثم رئاسة الجمهورية بالنيابة سنة 2019.
ولا تقتصر المذكرات على الجانب السياسي، بل تتناول أيضاً محطات مهمة من تاريخ تونس الاجتماعي والنقابي، ودور الأستاذ محمد الناصر في إرساء سياسة التعاقد الاجتماعي والحوار بين الدولة والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، إلى جانب شهاداته عن مراحل مفصلية من تاريخ البلاد الحديث.
وتتميّز الترجمة العربية بأسلوب سلس ولغة رصينة، ما يجعل هذا العمل شهادة تاريخية وسياسية مهمّة تتيح للقارئ العربي الاطلاع على كواليس أحداث مفصلية عاشتها تونس خلال العقود الأخيرة.
- اكتب تعليق
- تعليق