أخبار - 2026.04.26

صفاقس والذاكرة اليونانية: حكاية حضور امتدّ لقرن بين البحر والتاريخ

صفاقس والذاكرة اليونانية: حكاية حضور امتدّ لقرن بين البحر والتاريخ

شهدت مدينة صفاقس لقاءً ثقافيًا مميزًا جمع بين برج القلال ودار فرنسا، تمحور حول تاريخ الأقلية اليونانية ودورها في إثراء الحياة الاقتصادية والثقافية بالجهة. وقد سلط اللقاء الضوء على نشاط الإسفنج اليوناني بصفاقس، الذي شكّل في فترة من الفترات مجرى من الذهب والفضة لما وفره من ازدهار تجاري ملحوظ. كما استُحضر حدث بارز يعود إلى سنة 1907، حين تمكن يوناني مقيم بصفاقس من الكشف عن كنوز المهدية، التي تُعرض اليوم بمتحف باردو وتعد من أهم الشواهد الأثرية في تونس. ولم يغفل اللقاء الإشارة إلى سنة 1998، حين تم نقل وثائق تاريخية قيّمة توثق لأكثر من قرن من تاريخ صفاقس إلى سفارة اليونان بالعاصمة، في خطوة تعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين.

بقلم رضا القلال، مؤرخ وكاتب صحفي - تحت لافتة "لقاء ثقافي"  حول الأقليات  المتوسطية، بالتركيز على الجالية اليونانية بصفاقس، شهد المركز الثقافي (برج القلال)، والمعهد الفرنسي بصفاقس(دار فرنسا) ، نهاية الاسبوع الماضي،  سلسلة من الفعاليات، اعتنت بأكثر من 100 سنة من الوجود اليوناني بصفاقس. فقد حل اليونانيون بصفاقس في الربع الأخير من القرن التاسع   عشر، وتأكد حضورهم بالمدينة سكانيا،  ببناء الكنيسة الأرثوذكسية سنة 1892 على القناة المائية بشط القراقنة. اما آخر يوناني غادر مدينة صفاقس فكان سنة 1998، ونقلت تبعا لذلك كل الوثائق إلى سفارة اليونان بتونس.

اللقاءات كانت على غاية  من أهمية، وتزخر بالمعارف والمعلومات، قدمها البروفسور عبد الواحد المكني ضمن مداخلة عن (اليونانيون والمالطيون بصفاقس في فترة الاحتلال، المثاقفة والتثاقف)، ود.ألفة بودية، المؤرخة بكلية الآداب بصفاقس،  ومشاركة فاعلة من الحضور...

هذه اللقاءات لم تخل من تنوعات فنية  ودبلوماسية،  لا يعرف طعمها إلا من واكب هذين اليومين بالحضور والمتابعة، وسط حشد كبير من الحاضرين سواء ببرج القلال أو بدار فرنسا. فقد شهد برج القلال عرضا ممتازا قدمه سعادة سفير تونس السابق باليونان السيد لسعد المحيرصي، عن العلاقات بين البلدين، جمّله بمعرض لوحات استوحاها من اقامته باليونان.  كما عشنا فسحة موسيقية، كنوع من غذاء للروح والعقل والنفس، مع الثنائي ياسمين الزريبي وياسمين السويسي.

في دار فرنسا أمتعنا البروفسور العميد الحبيب القزذغلي، المدرس السابق بكلية الآداب والفنون والانسانيات بمنوبة، بفيض معلوماته عن الأقليات في تونس، ومنها صفاقس بالتخصيص. وقدم من ناحيته الطبيب اليوناني الصفاقسي، القادم من فرنسا، سبيرو امبيلاس Spiro Ampélas مداخلة عن (الأقلية اليونانية بصفاقس خلال القرنين الـ19/20). غنية بالصور والبطاقات البريدية القديمة، وتحدث بحذق عن عائلته المهاجرة الى صفاقس، والتي امتد حضورها بصفاقس على ثلاثة أجيال، حيث ان والده كان طبيبا بصفاقس، ولم يغادرر مدينتنا  نهائيا إلاّ سنة 1969. ود. سبيرو امبيلاس ترجم كتاب الأقلية اليونانية بتونس(من القرن16 الى القرن 21)، ومؤلفه انتونيس شالدايوسAntonis A. Chalddeos، من اليونانية إلى الفرنسية، التي توزعت بين تونس وجربة وخاصة بصفاقس، حيث شكلت دائما الأغلبية. وتناول انبيلاس عدة نقلط استفهام وأسئلة تاريخية اساسية، على غرار لماذا اختارت الأقلية اليونانية صفاقس؟ وكيف أتت إليها، وكم استغرقت رحلاتهم بالسفن الشراعية؟  ولماذا اختار نصف اليونانيين  تقريبا الحصول على الجنسية الفرنسية، وهل وقعت زيجات تونسية يونانية؟ ولماذا لم توجد مدرسة لتعليم اللغة اليونانية؟ ..... وفي نهاية المداخلات والنقاشات،  نظمت دار فرنسا زيارة ممتعة الى الكنيسة الاورتودكسية، على أطراف الحي الافرنجي سابقا، وناحية باب القصبة حاليا، جاءها مطران الكنيسة الاورتودكسية بتونس العاصمة خصيصا لهذا الحدث.

الحي اليوناني: تشييد الكنيسة الأورتودكسيّة عام 1892

ومن ناحيتي قمت، باختزال هذه المعلومات، تعميما للفائدة المرجوة من هذا اللقاءات. فعندما تقف أمام باب القصبة لا بد أن تتابع قبالتك مباشرة، ساحة المقاومة، وقد كانت مدينة صفاقس عنيدة أمام هجمات الغازين، وباسلة في تصديها للاستعمار الفرنسي بداية من عام 1881. ثم مع انحرافة قليلة الى اليسار تجد "نواقيس" الكنيسة الأورتودكسية المجللة بالأبيض والأزرق.

ان هذه الكنيسة من أقدم معالم المدينة خارج الأسوار الخالدة، حملتها أولى البطاقات البريدية التي ظهرت عن معالم مدينة صفاقس في الحي الافرنجي. وقد شيدت سنة 1892 وكانت شاهدا على وجود جالية يونانية هامة بمدينة صفاقس في نهاية القرن التاسع عشر.

وقع بناء الكنيسة الأورتودكسيّة اذن بالحي اليوناني القريب من البحر، وامتزجت هذه الأقليّة بالمدينة وبأهلها، فعرفت في البداية بالأنشطة المتّصلة بالبحر وبصيد الاسفنج، الاّ أنّ الجيل الثّاني من اليونانيّين (1910-1920) أبدى براعة كبيرة في المجالات التّجاريّة والصناعيّة والطبيّة.

وقد جاء يونانيو صفاقس من هيدرا Hydra وكاليمنوس Kalymnos, (المعروفة بالعاصمة العالمية للاسفنج)، وذهبوا  كذلك إلى  الاسكندرية بمصر، وهي مقرّ بطريرك الكنيسة الأورتودكسية لكامل افريقيا. دخل اليونانيون مدينة صفاقس في منتصف القرن التّاسع عشر، وخلافا للأقليّات الأخرى الذين توزعوا على عدة مدن، استقرّوا هم أساسا بصفاقس والتصقوا بالميناء حيث مسكوا كما رأينا في مرحلة أولى بقطاع الاسفنج ولوازم الصّيد البحري. لقد استمرت البواخر اليونانية لسنوات طويلة تتردد على ميناء صفاقس، بل اتّخذته قاعدة لصيد الاسفنج من جرجيس الى الحمّامات، الى جانب البواخر الايطاليّة والانجليزيّة، وكان نشاط صيد الاسفنج الموسمي نشاطا بحريّا لا يمكن أن تجده في مدينة تونسية أخرى، اذ يدرّ على المدينة أموالا طائلة لمدة خمسة شهور في السّنة بداية من شهر أكتوبر. ورغم أنّ أعداد اليونانيين لم تكن مرتفعة الا أنّ مردودهم الاقتصادي على المدينة كان كبيرا بفضل معرفتهم بهذا الاختصاص، وقدرتهم على الغوص وبراعتهم في تجارة هذه الثّروة. فعلى سبيل المثال كانت قيمة صادرات صفاقس من الاسفنج سنة 1854 في حدود 60 ألف فرنك، ولا يزيد الكيلو الواحد عن 5 فرنكات، وفي سنة 1895 بلغت قيمة الصّادرات 1.500.000 فرنك، بمعدل يتراوح بين 20 و27 فرنك للكيلوغرام الواحد. أمّا في سنة 1905، فقد بلغت الصّادرات ما قيمته 2.000.000 فرنك، وارتفع سعر الكيلوغرام الواحد الى 30/35 فرنكا. باختصار، كانت تجارة الاسفنج مزدهرة بصفاقس وهي عبارة عن «مجرى أو رافد من الذّهب والفضّة يغذي صناديق الدّولة والخواصّ» كما جاء في الجريدة اليومية باللغة الفرنسية «لا ديباش سفاكسيان» في 23 أفريل1911.

هيدرا وكاليمنوس ومصطفى خزندار

والاسم المعروف في تونس مصطفى خزندار (واسمه الحقيقي هو جيورجيوس سترافلاكيس) من  أصل يوناني، ولد في جزيرة خيوس سنة 1817 وخلال ثورة اليونان على العثمانيين، تم بيعه لأحد تجار الرقيق ثم نقل الى تونس، وتم بيعه كعبد لمبعوث من الأسرة الحسيني. نشأ في البلاط الحسيني في باردو، على يد عائلة مصطفى باي، إلى جانب ابنه أحمد باي،  و هو أحد ابرز الشخصيات في تاريخ تونس الحديثة. تزوج من للاّ كلثوم ابنة مصطفى باي، فصار بذلك صهرا للعائلة الحاكمة، مما فتح له الأبواب على مصرعيها، ليترأس أعلى المناصب في الإيالة التونسية،  فأصبح أميرا بالجيش التونسي، ثم خازنا للبلاد سنة 1837، يشرف على السياسة المالية العامة لتونس. ثم منح منصب الوزير الأعظم. عزل مصطفى خزندار في أول رمضان سنة، 1873وظل يعيش وحيدا في قصره بالحلفاوين  حتى وفاته في 1878، وبعد ثلاث سنوات احتلت فرنسا تونس .أبعد مصطفى خزندار الوزيرين الإصلاحيين المرموقين خيرالدين باشا واحمد ابن أبي ضياف،  في هذه الأثناء تعاظم تأثير القنصل الفرنسي في إدارة شؤون البلاد، فتقرب من خزندار وصارا مستشاره وجليسه ولا يأتي أمرا إلا بإذنه.

يوناني من صفاقس كشف سنة 1907 عن الكنز المهدية المعروض بمتحف باردو: آخر يوناني غادر صفاقس 1998

إنّ تسارع التّاريخ قد يفقدنا هذا التّراث اليوناني، وهو بالفعل بدأ يتراجع. فقد غادر آخر يوناني المدينة سنة 1998 وتحوّلت كنيستهم الى المسيحيّين الكاثوليك سنة2007 فترة معينة، قبل أن تغلق أبوابها الى أن انهار سقفها سنة 2012، اصلح فيما بعد. وانتقلت بالتّالي كلّ وثائق الكنيسة الاغريقيّة الى السّفارة اليونانيّة بتونس دون أن يسأل عنها أحد أو يعقبها باحث. وعلينا أن نعلم أن جزءا كبيرا من تاريخ المدينة مسجل في هذه الوثائق: قدوم اليونانيّين الى صفاقس، حياتهم بالمدينة، أعمالهم، نشاطاتهم في التّجارة والبحر والاسفنج ومختلف المهن الأخرى، دورهم الدّيني، علاقاتهم بالكنيسة في الاسكندريّة ...ولا شك يحمل هذا التاريخ جزءا من ذاكرة المدينة ويدعو شبابنا الباحث الى تعلّم اللّغة اليونانيّة للكشف عن هذه الوثائق وذلك الأرشيف الذي يختزل تاريخ مدينة صفاقس لأكثر من 100 سنة. ويجب أن لا ننسى أن مالك الباخرة اليونانيّة وهو مواطن يوناني من صفاقس جورج بانوتسوس (Georges Panoutsos) هو الذي اكتشف الكنز الأثري الثّمين، قرب المهدية منذ سنة 1907، المعروض اليوم بمتحف باردو.

هكذا كانت صفاقس، مدينة كوسموبوليت، متعددة الثقافات والأديان، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، منفتحة متعايشة، ومدينة تكاد تكون منغلقة على نفسها، في عصر العولمة.

رضا القلال
مؤرخ وكاتب صحفي


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.