أخبار - 2026.04.10

ماذا ينتظر من المفاوضات المصيرية بين طهران وواشنطن، بداية من اليوم في اسلام آباد

ماذا ينتظر من المفاوضات المصيرية بين طهران وواشنطن، بداية من اليوم في اسلام آباد

اللقاءات المنتظرة اليوم في العاصمة الباكستانية بين "العدويين اللدودين" إيران والولايات المتحدة الأمريكية على أعلى مستوى للأول مرة منذ قيام الجمهورية الاسلامية الايرانية جاءت بعد ان نجحت باكستان في انتزاع "هدنة الأسبوعين" من ترامب قبل لحظات الصفر ودبلوماسية "القنوات الخلفية" التي أدارها قائد الجيش الباكستاني، الصديق الشخصي للرئيس الأمريكي، وهي التي أنقذت المنطقة من مواجهة شاملة. ذلك ما أكده الخبير في الشؤون الدولية والديبلوماسي نورالدين المازني في تحليل معمق. وهو يعتقد أنه يبقى في النهاية عمل طويل النفس لإعادة بناء الثقة بين إيران وبلدان الجوار، بعد هذه الحرب المدمرة التي استمرت أربعين يوما وقد تبقى آثارها في النفوس لسنوات طويلة.

بقلم نورالدين المازني خبير في الشؤون الدولية ومستشار سابق لأمين عام منظمة المؤتمر- التعاون-الإسلامي – تتجه الانظار بداية من اليوم الى العاصمة الباكستانية اسلام أباد حيث من المنتظر ان تبدأ المفاوضات الأمريكية الايرانية بوساطة باكستان التي برزت مؤخرا كقوة دبلوماسية فاعلة نجحت في صياغة اتفاق تاريخي لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، فاتحة بذلك مسارا تفاوضيا لإنهاء الحرب في منطقة الخليج والشرق الأوسط قبل ساعات من انقضاء المهلة الحرجة التي حددها الرئيس "دونالد ترامب" لإيران.

ويأتي هذا الإنجاز ليعكس حالة استثنائية من التناغم والتكامل بين المؤسستين السياسية والعسكرية في إسلام آباد، حيث قاد رئيس الوزراء "شهباز شريف" الجهد الدبلوماسي الرسمي بالتوازي مع "دبلوماسية القنوات الخلفية" التي أدارها بكفاءة قائد الجيش الباكستاني، المشير "عاصم منير".

وقد لعبت العلاقة الشخصية والوثيقة بين المشير "عاصم منير" والرئيس "ترامب" دورا حاسما في تليين المواقف؛ إذ يعد قائد الجيش الباكستاني من الشخصيات العسكرية الاجنبية القليلة التي تحظى بتقدير خاص لدى الرئيس الأمريكي، وقد وصفه في تدوينات وتصريحات سابقة بـ "رجل قوي وإنسان استثنائي". هذا الرابط الشخصي منح المؤسسة العسكرية الباكستانية قدرة فريدة على التأثير في صانع القرار، سيد البيت الأبيض، وهو ما تجلى بوضوح في اعتراف ترامب العلني بأن أمره بتعليق العمليات العسكرية جاء بناء على محادثات مباشرة ومعمقة مع "المشير عاصم منير" ورئيس الوزراء الباكستاني.

إن نجاح هذه الوساطة التي انطلقت بتنسيق رباعي مع المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا، لا يقتصر على كونه ترتيباً عسكرياً مؤقتاً، بل يمثل مقاربة باكستانية شاملة تهدف لاحتواء التصعيد على جبهات متعددة، بما في ذلك لبنان..

وقد أثبت التحرك الباكستاني أن قوة تأثير الدول الإسلامية الكبرى تكمن في قدرتها على توزيع الأدوار بين الثقل السياسي والاحتراف العسكري، مما وفر لترامب ولطهران "هبوطا آمنا" بعيدا عن حافة الهاوية، وجعل الطرفين يسوقان للراي العام في البلدين الاتفاق الحاصل بينهما على انه "انتصار حقق لكل منهما اهدافه من الحرب" وهنا تكمن قدرة الوسيط الباكستاني على المناورة و التأثير على طرفي الحرب الرئيسيين وسد الفجوات في مواقف كانت في البداية على طرفي نقيض كما برز ذلك في الخطة الأمريكية ببنودها الخمسة عشر التي عرضت على طهران واعتبرها الجانب الايراني استسلاما بكل ما تعنيه الكلمة وردت عليها طهران بوثيقة النقاط العشر التي رأت فيها واشنطن جوانب ايجابية و قبلت بها كقاعدة لمفاوضات اسلام اباد...

لن تكون هذه المفاوضات سهلة بكل تأكيد، اذ ظهرت قبل بدايتها تعقيدات و تأويلات متناقضة بشأن مضمون اتفاق وقف إطلاق النار وحدثت انتهاكات على اكثر من جبهة لهذا الاتفاق الى جانب الاعتداءات الإسرائيلية غير المسبوقة خلال اليومين الأخيرين على لبنان وخاصة عاصمتها بيروت بدعوى للرد على هجمات حزب الله المتكررة على قواتها في الجنوب اللبناني المحتل و داخل حدودها وذلك دعما لإيران، و الواقع ان هذه الاعتداءات الإسرائيلية قراها الكثيرون كمحاولة لعرقلة المسار التفاوضي وتسميم أجواء التهدئة، وهذا ما يضع نتنياهو تحت ضغوط دولية هائلة، خاصة وأن المفاوضات ستجرى على أعلى مستوى بتمثيل يضم نائب الرئيس الأمريكي جي- دي- فانس ورئيس البرلمان الإيراني -محمد باقر قاليباف- مما يعكس جدية الطرفين في تحويل 'الهدنة الهشة' إلى اتفاق مستدام لا يمكن تحقيقه دون ممارسة واشنطن نفوذها لضمان عدم إجهاض "لقاءات اسلام اباد" التي تشكل فرصة تاريخية قد تضع حداً نهائياً لفتيل الحرب في المنطقة...

وقد سجلت في الساعات الاخيرة مؤشرات أولية قد تؤدي إلى نوع من التهدئة على الجبهة اللبنانية بعد الاعلان عن بدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، مطلع الاسبوع القادم في واشنطن بوساطة امريكية ودعوة الرئيس ترامب لنتنياهو بتخفيض حدة التصعيد في لبنان...

وإلى جانب افشال محاولات إسرائيل لعرقلة مفاوضات اسلام اباد وضمان اوفر حظوظ النجاح لها قد يكون من الضروري انشاء آلية للتشاور أثناء المفاوضات بين الوسيط الباكستاني وبلدان الجوار المتضررة مباشرة من الحرب التي طالبت بإشراكها في هذه المفاوضات حتى تحظى مخرجات لقاءات إسلام آباد بتوافق عريض يضمن حقوق الجميع ...وقد يكون من الضروري ايضا عقد قمة عربية إسلامية طارئة لاعتماد اي اتفاق ايراني-امريكي يحصل في العاصمة الباكستانية بالموازاة مع اعتماده من مجلس الامن الدولي ليكون ملزما للأطراف ذات الصلة.

يبقى في النهاية عمل طويل النفس لإعادة بناء الثقة بين إيران وبلدان الجوار، بعد هذه الحرب المدمرة التي استمرت أربعين يوما وقد تبقى آثارها في النفوس لسنوات طويلة.

نورالدين المازني
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
1 تعليق
التعليقات
د.طه زين العابدين - 10-04-2026 11:58

لقد تميز المقال بقراءة شمولية جمعت بين المقاربة التحليلية الموضوعية و الرابط الشخصي بين ترامب و قائد الجيش الباكستاني من تطويع لموقفه و تاثيره على أخذ القرار و هذا ما يفرد هذا المقال و يعطيه خصوصية على غيره من المقالات و التحاليل . توجت المقال فكان بريقه ناصعا. هنيئا لك

X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.