الصادق شعبان في مناقب أستاذه العميد الصادق بلعيد.. بصمة الكبار
بقلم الصادق شعبان - هناك لقاءات لا يمحوها الزمن، وحضور لرجال لا يفقد شيئاً من قوته. والصادق بلعيد هو من هذه الطينة.
علاقتي به قديمة، نشأت في رحاب الدراسة بالجامعة، وتصلبت مع الزمن، وتعمقت ، ولم يمسسها الوهن قط. ذلك أن بعض المعلمين لا يغادرون تلامذتهم أبداً، بل يظلون يسكنون وجدانهم.
تعلمت على يديه القانون، لكن ليس القانون فقط. تعلمت منه ايضا نمطا في التفكير، وصرامة في الاستدلال، وانضباطا في التعبير.
تعلمت منه بأسلوب أكثر خفاءً رصانةً المواقف.
منذ وقت مبكر، دفعني للخروج عن المسارات المعهودة في تعليم السياسة، وألا أحصر الحياة السياسية في مجرد قراءة الدساتير أو هندسة المؤسسات. فتح آفاقي على المناهج الأنجلوسكسونية، والتحليل النسقي او تحليل المنظومات، وعلى تلك الفكرة البسيطة والقوية في آن: أن بين النص و الواقع قصة طويلة.
حين كان عميدا آنذاك، رافق الخطوات الأولى الحاسمة في مسيرتي. أشرف على مذكرة الدراسات المعمقة التي خصصتها للتحليل الوظيفي للنظام السياسي التونسي، ثم أشرف على أطروحتي للدكتوراه، حيث كنت أحاول، منذ ذلك الحين، بناء نموذج تحليل مجدّد.
لم أكن طالباً سهلاً، فكتابتي كانت بالفرنسية مكثفة، غامضة أحيانا، وغالبا ما كانت منغلقة على نفسها. لكنه ملك الصبر لتقويمي مرة تلو الأخرى. كان يصحح، ويشرح، ويلحّ.. حتى استوعبتُ الدرس. كان يقول لي ما معناه: "الكتابة ليست لإرضاء الذات، بل لكي يفهمك الآخرون". هذا الدرس لم يفارقني أبدا.
وضع ثقته فيّ مبكرا جدا. فبينما كنت بالكاد في الثانية والعشرين، كلفني ب "الأشغال المسيرة" لطلبة السنة الرابعة في مادة كانت جديدة حينها: "مناهج التحليل السياسي". لم تكن تلك اللفتة عابرة، بل كشفت عن نظرة قادرة على استشراف الوعود الكامنة في تلاميذه. لا تهمه سوى الكفاءة، لا الجاه و لا الجهة.
لم يكتفِ بالتدريس، بل كان يُكوّن، ويُطلق الطاقات، ويُشيّد. كان يتمتع بحسّ مؤسساتي حاد، ورؤية نافذة.
كان يفكر بعقلية "البنّاء"، كأغلب جيل ذلك الوقت.
ما زلتُ أستحضر لقاءاتنا في منزله، في المنزه الخامس ثم في المرناق. كان يريد أن يعرف أين وصلتُ، كيف تتقدم الأطروحة، وكيف يتبلور الدرس.
كانت تلك اللحظات تتجاوز المتابعة الأكاديمية، كانت لحظات "اعداد صامت". هناك، تعلمنا كيف نعمل، كيف نشك، كيف ندقق، وكيف نمضي بالفكرة إلى أقصى مداها.
وفي تلك الأجواء المليئة بالجد، كانت زوجته "عليا" تضفي حضورا انسانيا راقيا . كانت العنصر المساعد لهذا البيت المفتوح على العلم. بذكائها وثقافتها ولطافتها، منحت تلك اللقاءات لمسة إنسانية خاصة، و كانت سناء و بثينة ثم آمنة - بناته الثلاث - في خطوات الحياة الأولى.
كان صادق بلعيد يدرّس بأناقة نادرة. كلماته كانت عميقة وسلسة، لا تثقل كاهل السامع بل ترتقي به.
حين كان يتناول القانون من منظور فلسفي، أو يستعرض القانون المقارن، لم يكن ينقل مجرد معارف، بل كان يفتح آفاقاً. علّمنا التفكير فيما وراء البديهيات، والمقارنة من أجل فهم أعمق، والنسبية دون التخلي عن الصرامة. كان يمنح العقول رفعة وسُموّاً.
رفقة قامات بارزة أخرى من جيله، ارتقى الصادق بلعيد بالكلية إلى مستوى من التميز المشهود. أثره لا يُقاس فقط بالمؤسسة التي خدمها، بل يُقرأ أساسا في الأجيال التي صاغها: قضاة، ومحامون، وإطارات عليا، ومسؤولون عموميون… بل وأكثر من ذلك: مكوّنو المكوّنين. لأن الأثر الحقيقي للأستاذ يمتد في أولئك الذين صقلهم.
إن الصادق بلعيد ينتمي فعلا إلى كوكبة بناة الدولة الكبار . كان واحداً ممن ساهموا في منح تونس المستقلة الناشئة هيكلا فكريا صلبا، وتعليما قانونيا رفيعا، منفتحا، وحديثا. شارك، على طريقته في بناء الدولة. ليس بضجيج القرارات بل في الصمت المثمر لقاعات الدروس.
ما كان يميزه بعمق هو ذلك التوازن النادر: الرقيّ بالنظرية دون الاغتراب عن الواقع، والدفاع عن الاستقلال الأكاديمي دون السقوط في المعاداة، وخدمة المعرفة دون الانقطاع عن خدمة الدولة.
اليوم، ومع مرور السنين، أفهم بشكل أفضل ما يمثله معلم كهذا. المعلم ليس فقط من يلقن الدروس، بل هو من "يكشف" لك مكنونات نفسك. هو من يتطلب الكثير دون أن يسحق، ويصحح الأخطاء دون أن يجرح، ويرافق دون أن يقيد.
ولعل هذه هي بصمة الكبار: دروسهم لا تنتهي بانتهاء محاضراتهم، بل تظل حية فينا.. طويلاً بعد ذلك.
الصادق شعبان
- اكتب تعليق
- تعليق