التوفيق الحشيشة، فقيد الإذاعة والثقافة
قامة تونسية إعلامية وثقافية نفقدها بوفاة التوفيق الحشيشة يوم 27 جانفي 2026 عن عمر يناهز 94 سنة، برز خلالها بالخصوص عند تولّيه إدارة الإذاعة الجهوية بصفاقس طوال 8 سنوات وذلك في فترة حسّاسة من 1967 إلى 1975، خلفا لمؤسّسها الراحل عبد العزيز عشيش، واضطلع في نفس الوقت، برئاسة اللجنة الثقافية الجهوية، وكانت عهدته حافلة بالأنشطة والتظاهرات.
ولعلّ شخصية التوفيق الحشيشة، وبيئته العائليّة وخصاله الوطنية، إلى جانب كفاءته ونزاهته، هي التي أهّلته للاضطلاع بعديد المهام بكل اقتدار وإخلاص. وكان لتواضعه الطبيعي، وامساكه عن الانخراط في التكتلات الحزبيّة، وعزوفه عن المسؤوليات وابتعاده عن الأضواء ما جعله يغادر المشهد الإعلامي بكل هدوء على خطى الوطنيّين المخلصين.
من الأكيد أنّنا لم نُنصف التوفيق الحشيشة ولم نعطه حق قدره، ومن الأوكد أن ينال اليوم المكانة التي يستحقها، ولولا مبادرة فرع صفاقس لجمعية قدماء الإذاعة والتلفزة التونسية وسَعي رئيسه الأستاذ زهير بن أحمد، لكادت مسيرته أن تندثر في غياهب النسيان.
ولد الفقيد يوم 18 ماي 1931 ولد بمركز عين شيخ روحه، طريق قرمدة بصفاقس، في ضاحية تميّزت بانخراطها النشيط في الحركة الوطنية، وكان الولد الوحيد وسط 5 أخوات لوالدين عطوفين، اجتهد والده في تجارة العطرية واكتسب ثقة حرفائه ومحبّة الجميع، وغرس في نفوس أبنائه روح الأصالة والفضيلة، ورعتهم والدتهم بعنايتها الفائقة.
وسرعان ما انضمّ التوفيق الحشيشة منذ ريعان شبابه إلى الحركة الكشفية بما كانت توفّره من إحاطة تربوية وتثقيفية، وتجبل عليه من حبّ الوطن، وكانت جهة صفاقس آنذاك تتوهج اشعاعا بالنشاط على أيدي قادة وطنيين في طليعتهم التوفيق السلامي وعبد المجيد شاكر وحامد الزغل ومحمد التريكي ومنصور معلى وغيرهم الذين جمعوا بين العمل السري لكتابة المناشير وتوزيعها، وبين تعاطي النشاط الكشفي.
وترسّخت لدى التوفيق الحشيشة إرادة المساهمة في الحركة الوطنية إلى جانب النجاح في الدراسة، فنال شهادة التحصيل من نال شهادة التحصيل بتونس العاصمة وتمكّن من الانخراط بالمدرسة التونسية للإدارة سنة 1953 وتحصل على شهادتها التي تؤهله للعمل في مهام الإدارة والتصرف والمالية وجمع بذلك بين علوم الزيتونة وعلوم الإدارة، فضلا عن حذق اللغتين العربية والفرنسية بكل إتقان.
انطلاق مسيرة متميّزة
ومع استقلال تونس وتكليف خيرة شبابها الوطني بمهام سامية، برزت الحاجة إلى تأليف فريق اعلامي كفء يتولى تحرير مشاريع خطب الرئيس الحبيب بورقيبة، وترجمتها بعد إلقائها، والإنصات إلى الخطب الرئاسية التي تُلقى باللغة الدارجة وإعادة صياغتها في لغة أدبية واعدادها للترجمة.
وكان الأستاذ حامد الزغل، رئيس ديوان كاتب الدولة للإعلام البشير بن يحمد، والذي تولّى فيما بعد السهر على تأسيس وكالة تونس افريقيا للأنباء (وفي مرحلة أخرى، إدارتها)، ويساهم مع البشير المهذبي في تونسة الإذاعة الوطنية، ويستنجب الكفاءات المقتدرة ويقترحها على المكلفين بالخطب الرئاسية وفي مقدمتهم مصطفى الفيلالي والشاذلي القليبي ومصطفى المصمودي. ومن بين هؤلاء الشبان، دعا حامد الزغل التوفيق الحشيشة، الذي خبره منذ النشاط الكشفي، للانضمام للفريق والعمل في إعادة صيغ الخطب ومتابعة ترجمتها. وسرعان ما أبدى مثابرته في هذه المهمة ودقته في اختيار المفردات وابراز المعاني وبذلك اكتسب خبرة في تحليل النصوص السياسية وشرحها والتعليق عليها.
وبفضل هذه التجربة الثرية، تأهّل التوفيق الحشيشة للكتابة في جريدة العمل، لسان الحزب الدستوري، وإعداد التعاليق والبرامج للإذاعة الوطنية، وصياغته التحاليل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتبثها الإذاعة. وبرسوخ قدمه في هذه المهمّة، تولّى الإشراف على قسم البرامج العربية الموجّهة للمغرب العربي والعالم العربي وتونس تواجه حملات شعواء تشنّها إذاعة صوت العرب من القاهرة.
ويذكر الأستاذ زهير بن أحمد، الذي دأب على زيارة الفقيد وتسجيل ذكرياته، أنّ كل هذه العوامل رشحته لتولّي إدارة إذاعة صفاقس، إثر وفاة مؤسّسها عبد العزيز عشيش يوم 19 جويلية 1967 بعد مرض مفاجئ. وقد تزامل التوفيق الحشيشة وعبد العزيز عشيش بمحبة وأخوّة طوال شبابهما في الحركة الكشفية والوطنية، ثم في جريدة العمل، وكتابه الدولة للإعلام والإذاعة الوطنية، فكان خير خلف لخير سلف، تسلّم المشعل وعمره آنذاك 36 عاما، وكان مسرورا بالعودة إلى صفاقس بعد غياب طويل.
وسط العواصف بكل حكمة
كان شهر جويلية 1967 يستهل فترة عصيبة من تاريخ تونس المعاصر والمنطقة العربية وذلك غداة هزيمة جوان 1967 التي هزت الشعب العربي، وسرعان ما انبثقت ثورة في الفاتح من سبتمبر 1969 في ليبيا، بينما كانت الحركة التعاضدية تنهك قوى الاقتصاد والمجتمع بما حفّز بورقيبة على الإذن في 2 سبتمبر من نفس السنة بوقفة تأمل، تلاها تعديل المسار والإطاحة بأحمد بن صالح، وجاء تعيين الهادي نويرة على رأس حكومة جديدة، خلفا للباهي الأدغم، في نوفمبر 1970، إيذانا بمرحلة واعدة من الانفتاح السياسي والاقتصادي.
كل هذه العواصف العاتية حتى مجيئ الهادي نويرة، كانت تحتاج إلى ربّان ماهر يمسك بمقود إذاعة صفاقس خاصّة وأنّ صوتها كان يغطي ليبيا ويصل إلى القاهرة، بفضل قوة إرسالها من محطة سيدي منصور ثم الغرابة. لم يكن التوفيق الحشيشة مسنودا من أيّ طرف سياسي ولا بإمكانه الاستنارة بتعليمات أولي الأمر في تفاصيل دقيقة كل آن وحين، وإنّما عليه التعويل على اجتهاده والمبادرة باتّخاذ القرارات الصائبة ولو عرّضه ذلك للمساءلة.
وبحسّه السياسي المرهف ونزاهته وحسن التعامل مع الأحداث، عرف التوفيق الحشيشة كيف تضطلع إذاعة صفاقس بدورها الحساس، في نفس الوقت الذي كان يجتهد فيه مع خيرة الكفاءات إلى تطوير برامجها وتدعيم فرقها الموسيقية والمسرحية وتشجيع البراعم الأدبية الناشئة والتفتح على الجهات المجاورة.
كانت إذاعة صفاقس منذ تأسيسها تستقطب رجالات الأدب والفنون والتاريخ والثقافة وحرصت على جمع التراث وتشجيع المواهب ولقد وجد التوفيق الحشيشة عند توليه إدارتها نخبة نيّرة من المسؤولين العاملين فيها والمتعاونين الخارجيين معها وضم إليهم شبابا طموحا فتفاعل الجميع بروح الفريق الواحد بالاعتماد على محمد الهنتاتي ومحمد الفوراتي وعمر قدور ومحمود بن جماعة والمنجي الشعري وقاسم الشريف وعامر التونسي ومحمد علولو ومحمود المهيري والشيخ محمد بركيّة والشيخ محمد الميلادي وعلي المكي وأحمد سالم بلغيث، وعمر الحبيّب، وعبد القادر السلامي ومحسن الحبيّب وأحمد العش ومحمد الحبيب السلامي وحامد شاكر، والهادي المزغنّي، وعبد العزيز دربال، ونجيبة المعالج دربال، وآسيا قراجة وآسيا شاكر، والمختار بكور والسيدة القايد وغيرهم والتحق بهم المختار اللّواتي ورشيد العيّادي، وعبد العزيز عبيد وعبد الجبّار العيّادي وأقبل بعد ذلك شباب مدرسي على غرار ماهر عبد الرحمان والحبيب الغريبي وغيرهما.
تفعيل هام للثقافة
ولعل اضطلاع التوفيق الحشيشة في نفس الفترة برئاسة اللجنة الثقافية الجهوية (التي تولى كتابتها العامة التوفيق عبد الكافي بكل امتياز) وإدارة مجلة القلم، ما وفر له تفاعل كبير بين المؤسستين وتكاملهما أثره العميق، فكانت اللجان المختصة بمثابة المجلس العلمي والتنفيذي خاصة وقد ضمّت قامات متميزة على غرار علي الحشيشة وعلي الزواري وعلي المكي وجميل الجودي وعياد السويسي والتوهامي النحّالي ومحسن الحبيّب ومحمد الحبيب السلامي والحبيب بن مسعود وخليل علولو والنوري دمّق، ومحمد محفوظ وأبو بكر عبد الكافي وغيرهم إلى جانب شباب مبدع على غرارعادل مقديش وسمير التريكي ورؤوف الكراي ورشيد الفخفاخ ومحمود الزواري وماهر المظفّر والمنصف المزغنّي والمنصف الغريبي وابتسام الغطّاسي المكوّر وغيرهم.
وتألق جميل الجودي في اخراج مسرحية "قريتي" وعلي المكي في اقتباس وترجمة وإخراج مسرحية "سلومة زميم الحومة" وتولى عامر التونسي قيادة الفرقة المسرحية بالإذاعة، ومحمد علولو قيادة الفرقة الموسيقية التي حصدت أولى الجوائز الوطنية.
وبالاعتماد على ثقته في زملائه وتشجيعه للمواهب وتذليل الصعاب، نجح التوفيق الحشيشة في مواصلة المشروع الرائد الذي أسسه عبد العزيز عشيش، وعمل على إثرائه وتوطيد دعائمه.
بداية مرحلة جديدة
وبعد ثمانية سنوات من العمل المجهد والمجتهد، دعي التوفيق الحشيشة في شهر جويلية 1975 إلى تسليم مهامه إلى إعلامي إذاعي متميّز آخر، هو محمد قاسم المسدّي الوافد من رئاسة تحرير شريط الأنباء بالتلفزة الوطنية، صاحب الصوت الجوهري والإلقاء الإذاعي البليغ، والذي رافق المجاهد الأكبر في العديد من جولاته بالداخل والخارج، وذلك ليعطي نفسا جديدا لإذاعته صفاقس، بدعم مباشر من المدير العام للإذاعة والتلفزة الوطنية، صلاح الدين بن حميدة.
تتالت العروض على التوفيق الحشيشة للعودة إلى العاصمة والعمل سواء بالإذاعة الوطنية وبكتابه الدولة والإعلام في مناصب هامة سواء، وفكّر طويلا في الأمر، ولكنه غلّب مصلحة عائلته وأبنائه وفضّل البقاء بصفاقس، ملتمسا عطلة طويلة الأمد وهو ما حصل عليها. فانصرف بجهده المعهود إلى العمل في القطاع الخاص، وأنشأ مؤسسات ناجحة في الفلاحة والبناء وغيرها، متوكّلا على سمعته العالية وحسن تصرفه، كما سهر رفقة زوجته السيدة سعاد بن عيّاد على تربية أبنائهما )محمد رضوان، فارس، هند و وليد( والحرص على تفوقهم في دراستهم وجاء في طليعتهم دكتور مهندس (توفاه الله إثر جائحة الكورونا) وثلاثة دكاتره آخرين اثنين منهم في الطب والثالث في الصيدلة، ومن ضمنهم ابنته هند التي تتولى رئاسة قسم المناعة وإدارة مخبر بحث متميز في المناعة الذاتية والسرطان علم الوراثة المناعية، بالمستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس.
عاش التوفيق الحشيشة مخلصا لتونس، متفانيا في خدمتها، محبّذا الابتعاد عن الأضواء، ومات تاركا في النفوس أطيب الأثر، يعتز أبناؤه بمسيرة والدهم وتفخر الإذاعة والثقافة بعطائه. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فراديس الجنان.
التوفيق الحبيّب
- اكتب تعليق
- تعليق