أخبار - 2020.09.14

عياض ابن عاشور: المراجعة الدستورية بين الواقعية واليوتوبيا

عياض ابن عاشور: المراجعة الدستورية بين الواقعية واليوتوبيا

مع تأكيدنا على أنّ المسائل الدستورية ليست هي الأسباب الوحيدة للأزمة التّونسية الشّاملة، علينا الاعتراف بأنّها تلعب على نطاق واسع دورا فيها، إن لم تكن في الأصل سببا فيعرقلة عمل مؤسّسات الجمهورية.

لم يأخذ أعضاء المجلس التّأسيسي عند صياغة للدستور بعين الاعتبار الكافي الحقائق الاجتماعية والسياسية لبلدنا. فكانوا وهم يضعون نصب أعينهم نظاما برلمانيا في الأفق، يقيمون نظاما هجينا ومعقّدا شبيها بالنظام المجلسي، وهو أخطر انواع الأنظمة. تجاهل المجلس التأسيسي على سبيل المثال، نقص الخبرة والتقاليد البرلمانية لأحزابنا السياسية، وغلبة عقلية الغنيمة على معظم الممثلين على جميع المستويات، وضعف القدرات المالية للدّولة وعدم استقرارها بعد الثورة.فتصرّفنا مع وجود كلّ هذه الهنات، وكأنّنا نمتلك تجربة برلمانية ثرية مع أحزاب منضبطة، وفاعلين مدرّبين على ثقافة المؤسسات ودولة غنيّة ومستقرّة ذات سلطة سياديّة كافية. ولكنّ النتائج الكارثية اليوم معروفة للجميع. دعونا نلخّصها فيما يلي

1- ائتلافات برلمانية غير مستقرّة ومتذبذبة.

2- عدم قدرة البرلمان على ممارسة وظيفته التشريعية بشكل طبيعي، وتجسّد ذلك في الصورة الكارثية للمشهد السياسي.

3- تجاوزات للسلطة من جانب رئاسة مجلس النواب كشفت عدم قدرتها عن الخروج من دائرتها الأيديولوجية والحزبية.

4- فجوة بين الحكومة والبرلمان مع عدم وجود أغلبية مؤيّدة للحكومة مطلقا.

5- عدم استقرار حكومي مزمن: حكومة جمعة (سنة) حكومة الحبيب الصيد (سنة ونصف) حكومة الفخفاخ (أقل من ستّة أشهر) ومُدد غير عادية لتشكيل هذه الحكومات. ومنذ ما يقارب السنة وتونس تعيش في ظلّ نظام حكومات تصريف الأعمال.

6- ازدواجية خطيرة للسّلطة التنفيذية أدّت أحيانا إلى صراعات بين رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة، كما لاحظنا ذلك خلال رئاسة الرئيس الرّاحل الباجي قائد السبسي مع الحبيب الصّيد، وخاصّة مع يوسف الشاهد. 

7- وكنتيجة لما سبق ذكره، فقد ظهرت رئاسية غير معلنة في النظام الدستوري تجلّت في تشكيل رئاسي للحكومات، من ذلك حكومات الصيد (الذي لا ينتمي إلى أي حزب ممثل في البرلمان) ثمّ يوسف الشاهد الذي دُعي من طرف رئيس الجمهورية إلى تشكيل الحكومة، ثم إلياس الفخفاخ (الذي لم يتحصل حزبه على أي مقعد في البرلمان) وبالمثل بالنسبة إلى كلّ رؤساء الحكومات المقترحين عقب الانتخابات التشريعية (الحبيب الجملي) أو من خلال استقالة رئيس الحكومة السابق للمشيشي.  لم يكونوا هؤلاء إلاّ إبداعات رئاسية لا أكثر ولا أقلّ. وهكذا نجد أنفسنا في هذه الحالة الأخيرة قد عدنا في الواقع إلى الممارسة الرئاسية القديمة التي لا تتوافق إطلاقا مع روح الدستور. 

8- لا يمكن مع ذلك لهذا النّظام الرئاسي أن يصل إلى نهاية مساره، فمن الواضح أنّه يظلّ معوقا بالسيطرة البرلمانية المطلقة في دستورنا، ولكنّهذه القوة المطلقة نفسها مشلولة بفعل الفوضى البرلمانية. ولذلك فنحن في حلقة دستورية مفرغة.

وقد أطلقت دعوات عديدة لمواجهة هذا الوضع، إمّا عن طريق حلّ البرلمان أو عن طريق حلّ جذري من قبل رئيس الجمهورية الحالي وأنصاره، يتمثّل في تنفيذ “البناء الجديد”، أو عن طريق مراجعة الدستور وتبسيطه وترشيده.  لنمعن النظر في هذه المقترحات.

نقول في البداية إنّ إمكانية الحلّ المنصوص عليه في المادّة 77 من الدستور لا يمكن أن يحلّ المشاكل، بل من المرجّح أن يؤدّي إلى تفاقمها ولن يأتي إلاّبمزيد التعطّل وإماطة المواعيد للاستحقاقات الدّستورية، مع خطر تعمّق وضعية الركود الحالية.فلو أدّى مثلا إلى إعطاء أغلبية رئاسية في البرلمان، فيكون قد رسّخ "الرئاسوية" التي ذكرناها سابقا، والتي ستكون في المقام الأوّل مخالفة تماما للدّستور البرلماني. ومن جهة أخرى، سيشكّل منعطفا خطيرا للعودة إلى الممارسات القديمة للدّيكتاتورية التي ظلّت تبرز اليوم من جديدمن خلال شخصنة ممارسة السلطة.

إنّ الحلّ الرئاسي لتعديل الدستور، كما تبلور من خلال الحملة الانتخابيّة، ينطلق من نقد ثلاثي للنظام الحزبي والنظام الانتخابي ومبدأ التمثيل النيابي. ويتمثل هذا الحلّ في مراجعة جذريّة للصّرح الدّستوري، ولاسيما السّلطة التشريعية. ويقوم هذا التوجّه على المبادئ التاليّة.

أوّلا وقبل كلّ شيء التأكيد على المبدأ الثوريّ لسيادة الشعب، الذي يجب التّعبير عنه انطلاقا من القاعدة الشعبيّة، وذلك من أجل تقويم الآثار السلبيّة لنظام الأحزاب السياسيّة المتعفّن بالفساد وشراء الأصوات وانتزاع الإرادة الشعبية، ومراجعةالنّظام التمثيلي الذي يُفرغ السيادة الشعبيّة من معناها. وبهذه الطريقة تصبح السّلطة التشريعية التي تتدرّج من المحليّ إلى المركز عبر الجهوي، سلطة لامركزية بأتم معنى الكلمة. فتأخذ السيادة الشعبية بهذا المسار معناها الخالص. و في نفس السياق يقع التأكيدعلى تشخيص المسؤولية، حتّى لا تضيع في ضبابيّة أركان المسؤولية الجماعية التي تميّز النّظام البرلماني التمثيلي. وفي الأخير يتعيّن مراجعة النظام الانتخابي.

نرى بشكل ملموس أنّ هذا المشروع يتمثّل في إعادة مركز صنع القرار والدّوائر الانتخابيّة الأساسية إلى مستوى المعتمديّات، لتشجيع المشاركة الشعبيّة، وحتّى يكون المسؤولون المحليون معروفين مباشرة لدى ناخبيهم، تفاديا لتعفّن لعبة الأحزاب السياسية. وفي نفس السياق، ومن أجل تنظيم الشؤون المحليّة وإدارتها والسيطرة على السلطة التنفيذية المحليّة، سيتمّ إنشاء سلطات محليّة منتخبة ستدرج صلب السلطة التشريعيّة.  ولتنسيق العمل التنمويّ للجماعات المحلّية ومنحه الانسجام، سيتمّ تعيين المجالس الجهويّة عن طريق القرعة. وبناء على ذلك فإنّ السلطة التشريعيّة المركزيّة ستتألّف من 265 ممثّلا منتخبين على مستوى المعتمديّات، وسيستند النّظام الانتخابيّ الجديد إلى مبدا الاقتراع الفرديّ بهدف ربط صلة أكثر مباشرة بين الناخبين وممثليهم على مستوى المعتمديّة. وفي هذا النّظام الذي يعود أصله إلى روسو والقذافي سيستفيد الممثلون في المجالس المحليّة من تكليف قابل للإلغاء غير المشروط من قبل النّاخبين.
لطالما تبرّأ قيس سعيد من “بيع الأوهام” للجمهور، وهو مقتنع بأنّ نظامه مدعوم بالكامل بمبادئ الثورة، وأنّه يستجيب بذلك لرغبات الشعب. ولا يسعنا للوهلة الأولى إلاّ أن نشعر بتعاطف قويّ مع هذا النوع من المشاريع، الذي تمّت مناقشته والتنظير له بإسهاب في تاريخ الأفكار السياسية.
لكن مع الفحص الدّقيق والمستفيض، نكتشف أنّ هذا المشروع لا يستقيم لأسباب:

1- صحيح أنّ شعار “الشعب يريد” هو شعار ثوريّ، و لكنّه قد يعطينظرة خاطئة عن الثورة، ولذلك يجب التعامل معه بحذر، لأنّ التاريخ يكشف لنا بشكل بليغ أنّ الشعوب لا تعرف دائما ما تريد، أو يمكنها أن تسعى إلى الأسوأ عندما تفقد الوعي بفعل الخطب الديماغوجية لبعض المتعصبين أو المتهلوسين. فقبل أن نعرف ما يريده الشعب، علينا أوّلا أن نجيب عن السؤال التّالي: أيّ شعب نقصد؟ ذلك أنّ الثورة لم تحدّد الديمقراطيّة بحال من الأحوال على أساس معيار عدديّ أو شكليّ، فلا يجوز حينئذ لشعب، عبر أغلبيّته، أن يريد ما يشاء بدون قيد.

إنّ الثورة التونسية، قبل كلّ شيء، هي ثورة مناهضة للديكتاتوريّة، فما أراده شعب الثورة بقوّة هو سقوط هذه الديكتاتورية أساسا ونشدان الحريّة والكرامة. لأنّ الديكتاتورية، في واقع الأمر، إهانة لكلّ من قيمتي الحريّة والكرامة. وفي هذا السياق، نرى أنّه لكي يكون المرء قادرا على إعلان نفسه مترجما مخلصا للثورة، أو على أقلّ تقدير، أن يدّعي أنّه يفهم بشكل أفضل من الآخرين تاريخها ونطاقها ونواياها، يجب أن يمتلك، بادئ ذي بدء، الحدّ الأدنى من الثقافة حول نظريات الثورات، والتّي هي شديدة التعقيدوأن يأتينا بحجج كفاحه ضدّ الديكتاتوريّة. فقد كان لمقاومة الديكتاتورية ثوراتها واحتجاجاتها وتمرّداتها ورموزها القيادية وضحاياها وخصومها بالقلم واللسان، وأحزاب المعارضة ضدّ الاستبداد المقصيّة من اللعبة السياسيّة الرسمية عن طريق التزوير القانوني. هؤلاء الضحايا والقتلى الذين بذلوا وقتهم وراحتهم وحياتهم هم الّذين ساهموا في إسقاط الديكتاتورية. ولذلك علينا أن ندرك قبل كلّ شيء أنّ هذه الثورة أثبتت نفسها في ظلّ الديكتاتورية. فقد دفعت كلّ الحركات السياسية ثمنا باهظا من الضحايا لقيام هذه الثورة ومن أجل أن نصبح أحرارا. ومعنى ذلك أنّ هذه الثورة التونسية لم ترسل من السماء ولم تكن بنت الصدفة. إنّها في الواقع ثمرة كفاح ليس من أجل شعب غير مقيّد بل من أجل شعب حرّ، تكون إرادته مؤطّرة ومقيّدة بمطلب أساسي هو الحريّة.

إنّ الديمقراطية عندنا هي مسألة أخلاقية وليست عملية حسابية. وعلاوة على ذلك فقد أدّى الفهم الخاطئ لفكرة روسو عن الإرادة العامّة المطلقة للشعب إلى أسوأ الفظائع. فليس العدد الصحيح هو الذي يفضي إلى الحقّ، لكنّ الحقّ هو الذي يعطي العدد الصحيح. ولذلك يقال “إنّ الحقّ لا يعرف برجاله، اعرف الحقّ تعرف أهله”. فشعار “الشعب يريد” في الديمقراطية هو ضرورة مشروطة، وليس فكرة تبسيطية للجدال السياسي.

ولولا هذه المقاومة التاريخية المتعدّدة الأوجه للديكتاتورية بكلّ درجاتها ومستويات حدّتها لما انطلقت شرارة الثورة التونسية كما عشناها، ولا يمكن أن يخدع القفز الثوري بالمضلات إلاّ أولئك الذين هم على استعداد لذلك، أوأولئك الذين ليس لهم القدرةعلى فهم المعنى الحقيقي للثورة.

فمن المفارقات العجيبة أن نرى الذين ابتعدوا دائما عن مقاومة الديكتاتورية والذين تهرّبوا من كلّ مطالبة احتجاجيّة يصبحوناليوم بكلّ غرور وافتتان المتحدثين باسم الثورة وعرّابيها.                                                                
إذا كان الدّستور التونسيّ قد كُتب على الجدران من قبل شباب الثورة، كما عنّ للرئيس الحالي أن يقول ذلك، فعلى أيّ جدار رسم شركاء الديكتاتورية توقيعاتهم؟ هذا هو التأثير المخادع للشعبوية: بناء الوهم بغية كسب تعاطف جمهور النّاخبين المنهك والمحبط من سنوات ما بعد الثورة الكئيبة. جمهور غير مطّلع على حقائق الأمور بشكل عامّ. والمؤسف أنّ هذا الشكل من الشعبوية يمكنه إذا نجح أن يؤديّ إلى فقدان الحريّات المكتسبة.

آمل أن ينتهي المطاف بهذا الفكر في تونس إلى الاندثار بفعل تناقضاته، وأن يدرك التّونسيون في الوقت المناسب مغالطة وخطر هذه الأسطورة الثورية التي أُسئ فهمها.

أمّا الاحتمالات الأخرى الممكنة، فإنّها تتمثّل في أنّ يندفع حاملو هذه الأسطورة الثورية، تفاديا لسقوطهم، إلى اللّعب باستمرار على وتر النّزعة الشعبوية من خلال إثارة شعار"الشعب يريد”، أو ما يمكن أن يكون أكثر خطورة من ذلك هو اللّجوء إلى وسائل غير ديمقراطية للبقاء في السلطة. فهناك حديث بين مؤيّدي “البناء الجديد” عن النزول إلى الشّارع، إذا فشل هذا المشروع. ولم لا يُحرق قصر البرلمان (شاهد على نهاية الديمقراطية مع الحقبة النّازية) حتّى يكون لإرادة الشعب ما تنتقم منه؟

2- يجب أن يكون المرء ساذجا للاعتقاد بأنّ مثل هذا النّظام السياسيّ المزعوم، من شأنه أن يضع حدّا للفساد وشراء الذّمم وإساءة استخدام السيادة الشعبيّة، وأنا أعتقد على عكس ذلك أنّه سيساهم أكثر بكثير من النّظام الحزبي الحالي في تطوير ونشر الفساد وشراء الضمائر و ترذيل“الشؤون العامّة”. علما وأنّ المشهد البرلماني المؤسف، الذّي نتابعه اليوم على المستوى المركزي سيتضاعف ب 265 على الأقلّ. ولا يمكن أن يختفي شبح الفساد إلاّ بإرادة سياسيّة ثابتة ومتعدّدة الأبعاد، ومعركة يقودها سياسيون شريطة ألاّ يكونوا هم أنفسهم من الفاسدين كما هو الحال، مع الأسف، في تونس. وعلى الرئيس قيس سعيد، صاحب النّزاهة والرّجل فوق الشبهات، وأنا مدرك لما أقول، أن يستغلّ منصبه ليشرع مع الحكومة في سياسة حقيقية بلا هوادة للقضاء على الفساد، كما كان الحال في روندا، وأن يشهّر بالفاسدين ويجعلهم منبوذين عوضا عن استخدام الأحلام الطوباوية.

3- أخيرا نرى أن تطبيق هذا النظام السياسي سيتطلّب وقتا طويلا وموارد مالية إضافية، ونحن نعلم أنّ التحدّيات الكبرى التي واجهتها بلادنا في السنوات الأخيرة تعود إلى مسألة كيفية التعامل مع الوقت والمال. فالبلاد تمتلك ما يكفي من المشاريع السياسية والقانونية البحثيّة وغيرها، لكنّنا ظللنا طيلة السنوات العشر الماضية نستعيد ونقدّم المشاريع والمشاريع المضادّة في جميع الاتّجاهات: من الهيئة العليا للثورة إلى الدّستور الصغير الأوّل فالدّستور الصغير الثاني، والتنظيم المؤقّت للسلطات العامّة، ثمّ المجلس التأسيسيّ، فمؤتمر الحوار الوطني وما إلى ذلك من المشاريع… دعونا نوقف دوّامةالتجارب والمشاريع المؤسسيّة. فيمكن لهذا الإصلاح المؤسساتي، عوض أن يعالج المخاطر المحدّقة والأضرار، أن يزيد الوضع سوء.
فالشعب وخاصّة فئة المحرومين منه يحتاج إلى الخبز وتحسين الأجور والسكن ومياه الشرب وإلى دولة قويّة من حيث النّظام والمالية. تورد ديباجة الدستور السويسري في مفتتحها ” إنّ الحرّ هو من يستخدم حريته وأنّ قوة الجماعة تقاس بمدى رفاهية أضعف أعضائها”. هذا هو هدفنا المشترك. فأنا لا أؤمن بأيّ حال من الأحوال أنّ إصلاحا هيكليا آخر من شأنه أن يضمّد جراح الشعب التّونسيّ ويمنح ضعاف النّاس الرفاهية التي ينشدونها، وأمّا ما سوى ذلك من الدّعاوى  الشعوبية فمن شأنها أن تؤول إلى تعميم المعاناة والإحباط، وتلهيّة الجمهور بما لا جدوى له والفشل في حلّ أيّ مشكل من المشاكل.

ماذا تبقّى من هذا كأولوية مطلقة؟ إنّها إصلاحات عميقة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية ومالية. ومن المرجّح أن يتمّ إجهاض هذه الأولوية إن لم نقل إلغاؤها في ظلّ التكوين الدّستوري والسياسي الحالي. ولذلك فمن الملحّ بالنسبة إلينا تصحيح نقاط الضعف في الدستور الحالي في اتّجاه تبسيطه وتناسقه.

لنبدأ إذن بالتناسق وهو الأهمّ. هذا السؤال يتعلّق بتنظيم السّلطات العامّة، وسيكون من الضروريّ في هذا الصدد من خلال مراجعة الباب الرابع من الدستور، أوّلا وقبل كلّ شيء، استعادة وحدة السلطة التنفيذيّة، إمّا لصالح رئيس الجمهورية أو لصالح رئيس الحكومة. ثمّ علينا بعد هذه الخطوة مراجعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان. وسيكون أمامنا  خياران بين فصل أكثر أو أقلّ حدة بين البرلمان والسلطة التنفيذية، ممّا سيعيدنا إلى منطق النّظام الرئاسيّ، أو إلى نموذج للتعاون أو الارتباط بين السلطتين والذي يقودنا إلى النّظام البرلماني.

ومن المفروغ منه أنّه لا يوجد شيء اسمه نظام رئاسيّ أو برلمانيّ محض، الأمر كلّه هو مسألة توازن. إلّا أنّ نظام الارتباط أو التعاون بين السلطتين لا يمكن أن ينجح مع النظام الانتخابي الحالي. وليس من الممكن أن يحقق هذا النظام المستنسخ على النظام المستخدم لانتخاب المجلس التأسيسيأغلبية برلمانية حقيقيّة. وإذا كان قد تمّ اختيار هذا النظام الانتخابي للمجلس التأسيسي، فقد كانت الغاية منه منع الأغلبية في المجلس التّأسيسي من أن تحتكر صياغة الدستور لمصالحها الخاصّة. و قد أدركنا هذه الغاية.  فانطلاقا من ذلك، كان من الضروريّ تغيير النظام الانتخابيّ لانتخابات مجلس نواب الشعب، ولاسيما طريقة التصويت، بدل أن يقع اللجوء إلى استنساخ النظام الانتخابي الذي اعتمدته الهيئة العليا لتحقيق أهداف لثورة لانتخاب مجلس النّواب. لأنّ منطق السلطة التأسيسية ليس هو نفسه منطق البرلمان التشريعيّ. وتبعا لذلك، فإنّ المشكلة الحقيقية ليست في الدستور ذاته بل المشكل على مستوى القانون الانتخابيّ الذي يجب مراجعته من أجل ضمان تمثيل واضح ومتماسك للنّاخبين، بدلا من هذه الفسيفساء من الأحزاب وتحالفاتها المتقلّبة والقابلة للانقلاب والضعيفة وغير الفعالة في نهاية المطاف.

هذه هي المبادئ الهامّة التي يجب أن يعهد بتحقيقها إلى فريق من الخبراء الأكفاء والمستقلين، ويجب، مع الأسف، أن تتّبع إجراءات المراجعة المرهقة المنصوص عليها في الفصلين 143 و144 من الدستور.

لننتقل الآن إلى مسألة التبسيط. إنّ دستورنا يعاني من أعباء كثيرة مؤسسيّة وإجرائيّة. فقد أدّت الثنائية المميّزة للسلطة التنفيذية وستؤدّي إلى تضارب في الاختصاصات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.فيجب ضمان وحدة السلطة التنفيذية. أمّا بالنسبة إلى الإجراءات التشريعيّة، ولاسيماالفصل 81 الغريب بل المضحك، فيجب تنقيحه لتحقيق أهداف البساطة والوضوح والجدوى. كما يجب أن تكون طريقة تعيين أعضاء المحكمة الدستوريّة بعيدة عن إرادة ومزايدات الأحزاب السياسيّة. إنّ الدستور اعتمد في يناير(جانفي) 2014، ولم يتمّ حتّى التاريخ الحالي انتخاب أعضاء المحكمة الدستوريّة، وذلك بسبب المواجهات الحزبية، والتي ستنتج لنا بالضرورة محكمة دستوريّة مسيّسة، إضافة إلى الأعضاءغير المستقلّين والذين سيكونون على الأرجح من غير الأكفاء. أمّا ما يُسمّى بالهيئات الدستوريّة المستقلّة التي هي موضوع الباب السادس من الدستور، فقد أقحمت تعسّفا في دستور 2014، رغم أنّ معظمها ليست دستوريّة، من زاوية أهدافها أو وظائفها. إنّها في الحقيقة سلطات إداريّة مستقلّة يجب أن يُترك أمر تنظيمها وعملها للقانون.

سأختم هذه التّأملات بقراءة عامّة حول الوضع السياسيّ والثقافي للدّولة والمجتمع. لأقول إنّ تونس اليوم واقعة تحت تأثير مزدوج لخطاب شعبوي ومحافظ مشوب بشدّة بنزعة التديّن. وبات من المستحيل إحصاء تناقضات هذا الخطاب. على سبيل المثال، يدّعي رئيس الجمهورية أنّه لا يمكن للدّولة أن يكون لها دين، في حين تبدأ خطبه بالابتهالات وتقوم بتفسير النصّ الدستوريّ على ضوء النصّ القرآنيّ، لاعتبارأنّ النّص القرآني قطعي وغير قابل للتأويل. وبالتالي فإنّه يجعل للنّص القرآني قيمة أعلى من الدستور. وهذا مظهر من مظاهر التناقض التي أقلّ ما يمكن أن يقال فيها أنّ رئيس الجمهوريّة الذي يدّعي أنّ الدّولة لا يمكن أن يكون لهادين، وهو أمر باطل إطلاقا، يقدّم نفسه كسلطة دستورية ومجتهد في الآن نفسه في تأويل النصّ المقدّس. فإذا كانت الدوّلة لا يمكن أن يكون لها دين، فماذا يفعل رئيس الجمهورية في مجال التفسيرات الدّينية؟ وعلاوة على ذلك نرى أنّ هذا الموقف كما بيّن ذلك عديد من الزملاء المختصّين في مسائل التأويل في الإسلام هو موقف بدائي ومبسّط، يتناسى أنّه لا يوجد نصّ ولا جملة ولا مصطلح ولا حتّى علامة وقف محصنّة ضدّ اختلافات التّأويل. ففيما يتعلّق بمسألة الميراث وعقوبة الإعدام ومسائل التوجّه الجنسيّ نرى أنّ الرئيس له وجهة نظر عاميّة، هزيلة المعلومات وسطحيّة، وأنّه يفكّر في الواقع مثل المنتمين للإسلام السياسي. وأنا ما زلت أفضّل الإسلاميين مكشوفي الوجه على الإسلاميين المقنّعين. فمعركة الرئيس مع النهضة تدور حول السلطة و حسب، فلا ننخدع!

دفاعا عن المجتمع التونسي والدّولة التونسية ضدّ غزو الأسلمة السياسيّة والدستوريّة، يبدو لي أنّه من الملحّ اليوم إنشاء حركة ثقافية وسياسية علمانية كبيرة، بخيارات واضحة وبدون تنازلات سياسوية، تتجاوز الإيديولوجيات الحزبية وتدافع عن مكاسب الاستقلال والإرث البورقيبي.   

عياض ابن عاشور    

نقله إلى العربية الباحث شعبان العبيدي وراجعه صاحب المقال الأصلي عياض ابن عاشور
 

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.