أخبار - 2020.02.12

د.عبد الرحمان الأدغم في رثاء الأستاذ عبد الحي شويخة، المناضل من أجل الحرية والديمقراطية

د.عبد الرحمان الأدغم: في رثاء الأستاذ عبد الحي شويخة،  المناضل من أجل الحرية والديمقراطية

قامة وطنية باسقة شمّاء فقدتها تونس بوفاة الأستاذ عبد الحي شويخة الذي غادرنا إلى الرفيق الأعلى يوم السبت الماضي 8 فيفري 2020، زعيما طلاّبيا فذا، انتخبه أقرانه أمينا عاما للاتحاد العام لطلبة تونس في مؤتمر نابل المنعقد في شهر أوت 1966، ولم ينفكّ عن الدفاع لا فقط عن المطالب النقابية وإنما أيضا عن الحريات العامة والفردية والحقوق السياسية والمدنية.

تخرّج مهندسا من المدرسة المركزية الشهيرة في باريس وواصل تعليمه العالي قي جامعة كولومبيا المرموقة في نيويورك وعاد إلى أرض الوطن للتدريس بمعهد الدراسات العليا التجارية بقرطاج قبل أن تدعوه دولة الكويت الشقيقة للانضمام لفريق كبار خبرائها ومستشاريها في إدارة محفظتها الاستثمارية في العالم. وطوال الفترة الهامّة التي قضّاها بالكويت العزيزة، كان خير عون لكل التونسيين وأحسن مستشار لكبار القياديين في الدولة، ومحل تقدير واحترام كبيرين.

وكان من الطبيعي للأستاذ عبد الحي شويخة خلال فترة تدريسه الجامعي بتونس، وهو سليل عائلة وطنية فذّة وهبت للبلاد زعماء وطنيين مرموقين وخاصّة منهم خاليه المنجي والطيب سليم، أن يكون في طليعة المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية. وقد حرص الفقيد على الانخراط ضمن الأوائل في اطلاق حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي ضمت آنذاك بالخصوص أحمد المستيري والباجي قائد السبسي وحسيب بن عمار وحمودة بن سلامة وعبد الرحمان الأدغم وغيرهم من الصادقين.

وفي غمرة اللوعة والأسى التي عمّت القلوب بوفاته، تفضل رفيق دربه الدكتور عبد الرحمان الأدغم بتأبينه ظهر الأحد 9 فيفري 2020 في مقبرة الجلاّز بالعاصمة، بحضور أعداد غفيرة من الأهل والأصدقاء. وفيما يلي نصّ التأبين:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر

تغادرنا اليوم، يا أخي عبد الحي، إلى دار البقاء والخلود بعد عمر قضّيته في الصلاح والخير والنضال من أجل وطنك.

أخي عبد الحي،

عرفناك هادئا، صامتا، شجاعا. لقد كنت كذلك طيلة حياتك وبقيت على هذه الصفات أثناء صراعك مع المرض حوالي العامين. لكن كل نفس ذائقة الموت، وأنتم السابقون ونحن جميعا اللاحقون.

أخي عبد الحي،

كنت مثالا للجدّ والاجتهاد والعمل سواء أثناء دراستك بتونس في الصادقيةأو في سويسرا أو فرنسا أو في جامعة كولومبيا بأمريكا، وكنت مناضلا في صفوف الاتحاد العام لطلبة تونس  وتقلدت مسؤولية كتابته العامة في أواسط الستينات، فكنت مثالا لتحمّل المسؤولية ولخدمة القواعد الطّلّابية وللعمل من أجل إرساء الديمقراطية داخل الحزب الدستوري كمرحلة أولى على درب إرساء ديمقراطية شاملة منشودة في البلاد.

لقد كنت، أيها الفقيد العزيز، منذ بداية السبعينات متشبعا بمبادئ وأدبيات حركة حقوق الإنسان والحريات ورفض التمييز العنصري في الولايات المتحدةبعد حرب الفيتنام ومن زعمائها وزير العدل السابق رمسي كلارك، المساند للقضية الفلسطينية والذي دعوته لحضور مؤتمر الحريات في تونس سنة 1976. وهو المؤتمر الذي منعه النظام الحاكم عندئذ. وكنت، أخي عبد الحي، أحد الوجوه البارزة في ذلك الحشد الذي التأم بمطار تونس قرطاج وخطب فيه المرحوم حسيب بن عمّار كردّ فعل على منع المؤتمر. وإنّ جهودك الكبيرة تلك كانت تمهيدا لتأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في ماي 1977. كما كنت من المناضلين المؤسسين لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين في جوان 1978 بزعامة الأستاذ أحمد المستيري ومن منظّري التعددية الفكرية والحزبية.

أخي عبد الحي،

لقد كنت أحد المدافعين عن القضية الفلسطينية بفكرك واتصالاتك الكثيرة مع الأوساط الدولية وخاصة في أمريكا، والتحمت مع صديقك المفكر المرحوم إدوارد سعيد في هذا النضال ودعوته المرات العديدة إلى تونس لإلقاء محاضرات وحضور ندوات حول فلسطين. أما نشاطك العلمي  والأكاديمي فقد كان أيضا عظيما، إذ درّست في الجامعة التونسية قبل أن تدرّس في جامعة كولومبيا وفي جامعة الكويت، وكنت خبيرا لدى العديد من المؤسسات المالية والاقتصادية في تونس وفي الخارج، وأدخلت كثيرا من المفاهيم الاقتصادية والمالية العصرية، واشتهرت في كل المؤسسات التي تعاملت معك، بنظافة يدك واستقامة سلوكك ونزاهة فكرك وعملك.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر

أيها الفقيد الكبير والأخ العزيز،

لقد ناصرت الثورة، وعملت قدر جهدك على تحقيق أهدافها عبر ما كنت تقدمه باستمرار من نصائح وما تحرره من تقارير ودراسات تخدم الديمقراطية الناشئة والدولة الاجتماعية التي لا تنسى أحدا من أبنائها. وكنت حريصا كل الحرص على أن نتمسك جميعا بالسيادة الوطنية والهويّة التونسية. وكنت متّصفا بنكران الذات وزاهدا في المسؤوليات التي عرضت عليك أواخر 2011 كالوزارات أو البنك المركزي، واكتفيت بقبول عضوية المجلس الأعلى للتصدي للفساد الذي يترأسه رئيس الحكومة (2012-2014)، وكان الشعار الذي كنت تردّده باستمرار هو أن المسؤولية ليست مهنة وإنما هي حب للعمل لفائدة الجميع.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر

عندما أحسست في وقت من الأوقات بعدم جدوى حضورك وإسهاماتك، انسحبت بهدوء دونما ضجيج مثلما هي عادتك، وواصلت نضالك بطرق أخرى. وإنّ هدوءك، وجدّك، ورفعة أخلاقك، ولين جانبك، وصلابة مواقفك كلّما تعلّق الأمر بالمبادئ ومصلحة البلاد والشعب، وعزوفك عن المناصب رغم أنّ القدرات والمهارات لا تنقصك، كل هذه الصفات تنطبق على صفة الزعيم والشخصية الوطنية الفذّة.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر

رحمك الله يا أخي، وأسكنك فراديس جنانه، وألهم أهلك وذويك وأصدقاءك جمعيا الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.