أخبار - 2019.10.03

تعليـم البنـت في تـونس من منتصف القـرن التاسع عـشر إلى مطلع الاسـتــقلال

تعليـم البنـت في تـونس من منتصف القـرن التاسع عـشر إلى مطلع الاسـتــقلال

خلافا لما هو متداول لا يعود تعليم البنت في تونس إلى فترة الحماية، بل هو سابق لها بقرون. وقد تطوّر بصفة واضحة ومطّردة منذ مطلع الاستقلال ليصبح «ظاهرة» تونسية بامتياز، حيث فاق اليوم عدد البنات والمتخرّجات من الجامعة التونسية عدد الذكور بكثير في عديد الشّعب والاختصاصات.

منذ العهد القرطاجي وإلى نهاية الدولة الحسينية، كان الملوك والحكّام والأمراء والولاّة والسـلاطين والبايات... والوجهاء من رفعة القوم (كبار الملاّكين والتجار وأعوان المخزن ورجالات الدولة والعلماء ورجال الدين...) يعلّمون بناتهم بقصورهم وبيوتهم وفي محلات خاصة يتمّ إعدادها للغرض. أمّا بالنسبة إلى بنات العامّة فكنّ ترسلن إلى الكتاتيب بالمساجد والزوايا ومقامات الأولياء الصالحين لحفظ القرآن وتعلّم المبادئ الأولية للقراءة والكتابة مع البنين ودون فصل بينهم في قاعة الدرس إلا نادرا. غير أنّه لعدّة عوامل، منها ما هو تاريخي وذاتي (مكبّلات اجتماعية وذهنيّة) ومنها ما هو موضوعي: غياب مدارس خاصّة بالبنات (رغم قدم المدارس العامّة التي تعود إلى منتصف القرن 13م مع زوجة السلطان الحفصي أبى زكرياء الأوّل ووالدة المستنصر بالله، الأميرة عطف «أمّ الخلفاء» التي أذنت ببناء المدرسة التوفيقية المجاورة لجامع الهواء ورصدت لهما أوقافا كثيرة)...، وكانت البنت تجبر على ملازمة بيت والديها لمساعدتهما على قضاء الشؤون اليومية للأسرة من تنظيف وتربية إخوتها وأخواتها صغار السنّ. وقد حرصت الأمهات على تعليم بناتهنّ أسُسَ الطبخ والخياطة والطريزة (العدس والكنتيل...) وصناعة الزربية (بالقيروان ثمّ خارجها) والملابس الصوفية (الحايك والبرنس والقشابية والحولي...) والأغطية (اللحفة والفوطة...)...وإذا ما سمحت الظروف الماديّة، فإنّه يتمّ إرسالهنّ إلى «دار عْرِيفَة» أو «دار مْعَلّْمَة» لتعلّم كلّ هذه الاختصاصات أو لتعلّم الموسيقى (آلة العود وآلة البيانو) على يد نساء أجنبيّات أو تونسيّات يهوديّات.

مدارس الإرساليات المسيحيّة والمدارس العصرية الأوروبيّة

منذ منتصف القرن 19م سعى المسيحيّون الأوروبيّون المقيمون في البلدان العربية إلى نشر التعليم وتأسيس مدارس لائيكية ودينيّة خاصّة بهم، لا سيّما بالعواصم والمدن التي كانت تقطنها جاليات أوروبية، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الفتيان أو إلى الفتيات، ولم تشذّ تـونس عن هــــذا المنحــى. ففي سنة 1840، قـام الأب «فـــرنســــوا بورغــاد» (L’Abbé François Bourgade) بفتح مدرسة بتونس العاصمة. وفي سنة 1843 فُتحت مدرسة بسوسة وفي سنة 1852 بُعِثت مدرسة بصفاقس وفي سنة 1855، فُتحت مدرسة بحلق الوادي وفي سنة 1879 بُعِثت مدرسة بجربة. وقُبيل اندلاع انتفاضة 1864، كان يرتاد هذه المدارس بتونس 287 تلميذا يتوزعون حسب الجنسيات كالآتي: 27 فرنسيا و81 إيطاليا و118 مالطيا و11 يونانيّا وتلميذان نمساويان وتلميذان تونسيّان مسلمان فحسب. أمّا بالنسبة إلى تعليم البنات فقد قام الأب «بورغاد» في سنة 1846، ببعث مدرسة للفتيات بتونس العاصمة، أسند مهمّة إدارتها إلى السيّدة ملاّح (معلّمة يهوديّة تونسيّة) تساعدها إحدى أخوات جمعية «سان جوزاف» (Saint Joseph) المسيحية. وكانت هذه المدرسة تقوم باستقبال بين 40 و50 تلميذة في مطلع كلّ سنة دراسية. كما قام ببعث مدارس مماثلة للبنات بكلّ من حلق الوادي وبنزرت وسوسة وصفاقس. وقُبيل انتصاب الحماية الفرنسية في سنة 1881 كانت هناك 13 مدرسة تضمّ 3.163 تلميذا: 1.620 من البنين و1.543 من البنات. غير أنّه لم يكن يرتاد تلك المدارس من التلاميذ المسلمين غير 10 تلاميذ، 07 من البنين و03 من البنات. وعموما اقتصر هذا الصنف من التعليم على البنت المسيحيّة، تليها البنت التونسيّة اليهوديّة وبدرجة أقلّ البنت المسلمة. ويفسّر هذا الرقم الضعيف للغاية بالطابع الديني لتلك المدارس وخوف التونسيّين على أبنائهم من التنصير «المتربّص» بالمجتمع التونسي، وفق مخطّطات ومشاريع الكنيسة المسيحيّة مثلما حصل بالجزائر وبعض دول المشرق العربي. ولعلّ ذلك ما يفسّر مبادرة أحد التونسيّين ببعث أوّل مدرسة خاصّة للفتيات المسلمات بالمرسى في سنة 1843. وقد اعتُبر إحداث تلك المدرسة إنجازا هاما بالبلاد في تلك الفترة، قياسا بإمكانيات البلاد والعقليّات والمواقف السائدة آنذاك من مسألة تعليم البنت. غير أنّنا لا نعرف أيّ شيء عن هذه المدرسة وعن تطوّر عدد التلميذات الدارسات بها وعن مصيرها.

تعليم البنت المسلمة خلال فترة الحماية

بعد أقلّ من سنتين من انتصاب نظام الحماية، بعثت السلطات الفرنسية بصفة رسميّة في 6 ماي 1883 إدارة التعليم العمومي لتُعنى بشؤون التعليم والتكوين في الإيّالة. وقد أسندت إدارتها إلى المستشرق الفرنــسي، «لوي ماشـــوال» (1848 - Louis– Pierre Machuel) [1907] الوافد من الجزائر، حيث كان يدرّس اللغة العربيّة بمعهد وهران. وعند تسلّمه لمهامه كان يوجد بتونس، إضافة إلى التعليم الديني التقليدي بجامع الزيتونة وفروعه والمدرسة الصادقيّة، 67 مدرسة ابتدائيّة، 23 مدرسة منها تدرّس باللغة الفرنسيّة بالأساس: 20 منها مسيحــيّة (13 خاصّة بالفتيات و 7 خاصّة بالفتيان) تضمّ 2.442 تلميذا (1.430 تلميذا و1.012 تلميذة) و3 مدارس تابعة للرابطة اليهودية. وكان الهدف الأساسي للإدارة المحدثة، هو تمكين أبناء المعمّرين وأبناء الجالية الفرنسية والأوروبيّة من تعليــــم عصـــري لائيكي ومجاني.

أمّا بالنسبة إلى أبناء «الأهالي»، فقد طُرحت المسألة بجدّية منذ نشأة هذه الإدارة الرسميّة الجديدة. لقد تحمّس «لوي ماشوال» لتعليم التونسيّين باعتباره أداة لنشر الثقافة واللغة الفرنسيتَيْنِ في صفوفهم وذلك خدمة لأهداف المخطّط الاستعماري الفرنسي في تونس وبرامجه. ونتيجة لذلك ارتفعت الميزانيّة المخصّصة لهذه الإدارة من 120.000 فرنك سنة 1885 إلى 530.000 فرنك سنة 1890، وهو ما يفسّر تطوّر عدد المدارس المحدثة إلى 67 مدرسة (60 عمومية: 43 لائيكية و17 دينية) و7 مدارس خاصّة (4 لائيكيّة و03 دينية) بكامل أنحاء الإيّالة.

وعلى الرّغم من تطوّر عدد الفتيات المسلمات المقبلات على التعليم خلال تلك الفترة فإنّ عددهنّ يبقى ضئيلا مقارنة بعدد الفتيان وعددهنّ الجملي في سنّ التمدرس آنذاك. والمهمّ في كل ذلك هو أنّ مسألة تعليم المرأة قد طرحت بإلحاح على رجال الإصلاح والتحديث مشرقا ومغربا وكُتب عنها الكثير، بمن في ذلك رجال الإصلاح في تونس.

ميلاد أوّل مدرسة عمومية خاصّة بالبنات

على إثر الجدل الذي نشأ في الأوساط الرسمية حول تعليم أبناء الأهالي واستقرار الرأي على إقرار بعث المدارس العربيّة - الفرنسيّة إضافة إلى المدارس الفرنسيّة الموجهة بالأساس إلى أبناء الجالية الفرنسية، طُرحت مسألة تعليم البنات المسلمات. غير أنّه أمام تحفّظ التونسيّين على إرسال بناتهم إلى المدارس الفرنسيّة أو العربيّة – الفرنسية، تعثّر المشروع الرسمي لتعليم البنت لسنوات، وذلك إلى غاية مطلع القرن العشرين. ففي غرة ماي 1900، وبمبادرة من «لويز روني مِيّيي» (Louise René Millet)، زوجة المقيم العام الفرنسي في السّنة الأخيرة من إدارة زوجها للبـلاد (14 نـــوفمبر 1894- نوفـــــمبر 1900)، فتحــــت أوّل مـدرسة للبنــــات المسلمـات أبــوابها. وقد تمّ إسناد إدارة هذه المدرسة، التي أقيمت في منزل صغير بالمدينة العتيقة (نهج بن نجمــــة)، إلى أرملـــة مـــوظّف سامٍ في الإقــامة العـامّة، السيّـــدة «شارلـــوت ايجــيــنشناك» (Mme Charlotte Eigenschcnek). وكانت هذه المدرسة، في بداية الأمر، عبارة عن مؤسّسة مستقلّة ترعاها وتنفق عليها الإقامة العامّة. وكانت الغاية من بعث هذه المدرسة سياسيّة أكثر منها تثقيفية أو بيداغوجيّة، إذ تتمثل في تعويد بنات البرجوازية الحضريّة على الحضارة الغربية وصبغهنّ بنمط الحياة اليوميّة الغربيّة وكسبهنّ إلى صفّ فرنسا، حتى تسهل في نهاية المطاف السيطرة على المجتمع التونسي عبر الزوجة ثمّ الأمّ.

وحرصا منها على طمأنة الأولياء المتحفّظين من إرسال بناتهم إلى المدرسة وتبديد مخاوفهم من التخلّي عن الحجاب وتحرّرهنّ كلّيا، كتبت المديرة في تقديمها للمدرسة سنة 1912 تقول: «إنّ هذه المدرسة لا تدعو إلى تحرير المرأة ولا تمسّ بأيّ شكل من الأشكال تقاليد السكان المحليّين، ونحن لا نناضل ضدّ إبقاء المرأة في البيت ولا ضدّ الحجاب...».

بدأت المدرسة نشاطها باحتشام بخمس تلميذات. وفعلا وجدت الإقامة العامة نفسها مضطرّة إلى الضغط على عائلات الموظّفين التونسيّين العاملين لديها، لحملهم على إرسال بناتهم إلى هذه المدرسة. وسعيا من مديرة المدرسة لإقناع رؤساء العائلات التونسية بضرورة إرسال بناتهم إلى المدرسة، نسجت معهم علاقات وطيدة ومنتظمة. وبمخاطبتهم باللغة العربية والتردّد على بيوتهم، توصّلت إلى كسب ثقتهم. وكانت التلميذات اللائي وقع عليهن الاختيار ينتمين بالأساس إلى أوساط البرجوازيّة المحليّة التي كانت تحرص على تربية بناتها تربية جيّدة مع احترام العادات والتقاليد الإسلامية حيث أتيح لهنّ ارتياد هذه المدرسة متحجّبات ومرفوقات بأوليائهنّ.

وبالفعل ارتفع عدد التلميذات المسلمات بهذه المدرسة من 05 تلميذات عند فتحها سنة 1900 إلى 18 في سنة 1901 و25 تلميذة في سنة 1902 و40 تلميذة سنة 1903 و100 تلميذة سنة 1904 و100 تلميذة سنة 1905، وهي السنة التي أصبحت تنفق عليها جمعيّة الأوقاف التي يديرها البشير صفر. لقد مثّلت هذه المدرسة بالنسبة إلى الأجيال الأولى من الفتيات اللائي ارتدنها أوّل انفتاح على آفاق العالم الخارجي وأول فرصة لاكتشاف الحياة عبر المؤسّسة التعليمية. ذلك أنّ الفتاة المسلمة ظلّت على امتداد قرون طويلة من الزمن حبيسة بيتها، ولم يكن التعليم متاحا لها.

الجـــدل حـول تعليم البنت في تونس ومناداة رجـال الإصــلاح به منذ منتصف القرن التاســع عشـــر ميلادي

يعود الجدل حول قضيّة المرأة في أوساط المصلحين التونسيّين إلى منتصف القرن 19م وتحديدا سنة 1849 أو ما يعرف بـ «المسامرات» التي حصلت بين أب الحركة الاصلاحية، الوزير خير الدين التونسي (1820 - 1890) والأب «فرانسوا بورغاد» والتي قام بترجمتها الشيخ سليمان الحرايري حول: وضعية المرأة النصرانية واليهودية و المسلمة في المجتمع التونسي. وبعد سبع سنوات من تلك المسامرات جاءت رسالة بن أبي الضياف في المرأة الصادرة سنة 1856. وقد تواصل هذا الجدل بين مؤيّد ومعارض إلى غاية مطلع الاستقلال بصدور مجلّة الأحوال الشخصية يوم 13 أوت 1956. وبين هذين الأثرين ظهرت بعض الأسماء والنصوص المؤسّسة يأتي في مقدمتها كتابات كلّ من: الشيخ سالم بوحــاجب (1827 - 1924) والشيخ محمّد النخلي (1869 - 1924) من مقالات وخطب ومواقف ورسائل... وفي مقدّمتها رسالة الشيخ محمّد السنوسي (1851-1900) في المرأة بعنوان «تفتّق الأكمام» الصادرة بالحاضرة في نسختها العربية الأصلية سنة 1897 وفي نسختها الفرنسية (L’Epanouissement de la fleur)، الصادرة بباريس في نفس السنة بترجمة عن ابنه محي الدين السنوسي وابن عمّته عبد القادر القبايلي، التلميذين بمعهد كارنو. وفي 15 جانفي 1924 أثارت الندوة الأولى التي نظمتها الجمعية الاشتراكية الثقافية «الازدهار» (L’Essor) حول «مشاركة المرأة في الحياة العامة» ثمّ الندوة الثانية في 08 جانفي 1929 «مع أو ضدّ الحجاب» ردود فعل متفاوتة في صفوف النخبة التونسية تداولتها الصّحف الصادرة حينئذ وفي مقدمتها مقال المحامي الشاب الحبيب بورقيبة بعنوان «الحجاب» (Le Voile) في جريدة «الرائد التونسي» (L’Etendard Tunisien) بتاريخ 11 جانفي 1929 ورجع الصدى حوله من طرف الطاهر صفر ومحمود الماطري...

وقد تواصل الجدل لاحقا ليؤسّس لقيام تيّارين مختلفين ومتعارضين تماما حول المسائل المتّصلة بالمرأة وقضاياها من: تربية وتعليم وخروج للفضاء العام ولباس وهندام وسفر وعمل...، تيّار متشدّد أو معارض - رغم كونه ينعت نفسه بـ «المحافظ» - وتيّار متفتّح ومساند لقضايا المرأة. وقد عبّر كل تيّار منهما عن مواقفه بكلّ صراحة وفي العلن دون مخاوف أو احترازات من خلال والخطب المسجدية والمقالات والمحاضرات والمسامرات والمؤلّفات المتّصلة بالمرأة ثمّ الردود عنها... وفي غرّة أكتوبر 1930 أصدر المصلح الشاب الطاهر الحداد كتابه الشهير «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» الذي أثار ردودا متفاوتة في أوساط النخبة التونسية بين مؤيّد ومعارض له. ومنذ مطلع الاستقلال أصدر رئيس الحكومة الحبيب بورقيبة يوم 13 أوت 1956 مجلة الأحوال الشخصيّة التي عُدّت ولا تزال ثورة في مجال التشريع الاجتماعي وأسّست لواقع جديد للمرأة والعائلة التونسيتين كان التعليم من أهمّ ركائزها رغم تحفّظ بعض التونسيّين من الشقّ الزيتوني المحافظ على جانب من مضمونها.

- التيّار المحافظ: كان من رموزه الشيخ الوزير أحمد بن أبي الضياف والشيخ محمّد الصالح بن مراد والشيخ عمر البرّي المدني (أصيل المملكة العربية السعودية) والشيخ محمّد البشير النيفر (1889 - 1974)... وقد ترك ابن أبي الضياف أثرا يحمل اسم «رسالة بن أبي الضياف في المرأة» حرّرها في 2 جمادي 1272 هـ/13 فيفري 1856م أجاب فيها عن 23 سؤالا كان قد وجّهها له القنصل العام لفرنسا في تونس، «ليون روش» Léon Roches» (بين 1855 و 1863)، الذي كانت علاقته بعدة شخصيات سياسية تونسية رفيعة المستوى وتدخّله المتواصل في الشأن العام وسعيه بكلّ الطرق إلى احتلال البلاد التونسية من طرف فرنسا عوضا عن إنجلترا وإيطاليا... وهي أسئلة متّصلة بأوضاع المرأة المسلمة والأسرة في المجتمعات العربية عموما والمجتمع التونسي خاصّة. وقد تمحورت هذه الأسئلة حول المساواة بين المرأة والرجل وتحرّر المرأة وتعليمها إلى جانب الوضع الاجتماعي والأُسَرِي المزري في المجتمع التونسي الذي تميّز بمكانة دونية للمرأة وتعرّضها لسوء المعاملة من طرف الرجل: الأب والزوج والشقيق والعمّ والخال... وقد تولى الأستاذ المنصف الشنوفي تحقيق نصّ هذه الرسالة والتعليق عليها ثمّ نشرها كاملة في حوليات الجامعة التونسية سنة 1968. ولم ير فائدة في تعليم المرأة، عدا بعض المواد الدينية والأخلاقية وبعض المعارف في الطّبخ والخياطة والحياكة... وأنّ تنقّلها الحرّ و اختلاطها مع الرّجال ستكون له - حسب رأيه - عواقب وخيمة على المستوي الأخلاقي: تدنّي الأخلاق و تشبّه المرأة بالرّجل و ضياع مفهوم الرّجولة و انحلال الزواج... وخلاصة القول فإنّ المرأة هي أوّلا وأخيرا ربّة بيت.

- التيّار الحداثي: وتمثله كوكبة من رجال الإصلاح من الوسط الزيتوني من أمثال: الشيخ سالم بوحاجب (1827 - 1924) ومحمود قبــادو (1812 - 1871) ومحــمــّد بيرم الخــامس (1840 - 1889) ومحــمّــــــد السنــوسي (1851 - 1900) ومــحــمّــد النخلـي (1869 - 1924)...، من رجالات الزيتونة الذين لم يمانعوا تعليم البنت وعلى العكس من سابقيهم كانوا يرون من الضروري أن تكون المرأة عارفة بمبادئ القراءة والكتابة لتسهر على شؤون زوجها وبيتها وتربية أبنائها تربية سليمة.

أمّا خارج الوسط الزيتوني فقد نحا الوزير المصلح خير الدين التونسي في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» الصادر بتونس سنة 1867 نحو معاصريه ومن سبقهم من الزيتونيّين المتنوّرين والذي عرّفه بكونه بحث في «أسباب التقدّم والتأخّر للأمّة الإسلامية» وطالب بوضوح بضرورة تعليم البنت وتربيتها تربية سليمة لتقوم بدورها على الوجه الأكمل في المجتمع كما هو الحال للمرأة الإفرنجية في البلاد الأوروبية. غير أنّ الظروف السائدة في تلك الفترة وِقصَر المدّة التي قضّاها في رئاسة الحكومة (1873 - 1877) قد حالت دون الشّروع في تنفيذ ذاك الإصلاح.

اتساع دائرة تعليم البنات بالإيّالة التونسية

في التعليم الابتدائي

بعد «نجــاح» مدرسة «لويز رينــي ميّي»، ما فتئ عدد المدارس يتكاثر من سنة إلى أخرى فلم يعد حكرا على تونس العاصمة، بل امتدّ إلى مدن ومناطق أخرى داخل البلاد. فبداية من سنة 1908 فتحت مدارس عمومية خاصة أيضا بالفتيات أبوابها في العاصمة وفي كل من سوسة ونابل والقيروان وسليمان والمنستير والمهدية وجربة وقفصة وباجة وغيرها من المدن. فكأنّما بذلك حصل «تثاقف إيجابيّ» بين العنصرين الفرنسي الوافد والتونسي الأهلي، وهو ما كانت ترمي إليه السلطات الفرنسية في بداية فترة الحماية.

مدارس قرآنية للفتيات

منذ خضوعها لإدارة التعليم العمومي سنة 1944، بُعثت مدارس قرآنية خاصّة بالفتيات (أسوة بالمدرسة العرفانية للبنين التي بعثت بالعاصمة منذ سنة 1908) ولقيت إقبالا منقطع النظير من قبل العائلات التونسية المحافظة التي تشجّعت لترسيم بناتها في مدارس يكون فيها حضور اللغة العربية والمواد الدينية، أفضل من المدارس الحكومية. لذلك تطوّر عددهنّ من 294 تلميذات سنة 1946 (من مجموع 984 تلميذا بمختلف المدارس القرآنية بكامل الإيّالة)، إلى 2.402 تلميذة (مقابل 1.327 تلميذة بالمدارس الفرنسية الخاصّة التي يرتادها أبناء الفرنسيّين و أبناء الأوساط المتحرّرة التونسية) إلى 4.109 تلميذات في سنة 1954 من مجموع 6.784 تلميذا.

أمّا في المدارس العمومية للفتيات التي كانت الدراسة بها تُتَوّج بالحصول على شهادة ختم الدروس الابتدائية (Certificat d’Etudes Primaires)، فيعود حصول أوّل دفعة من الفتيات على هذه الشهادة إلى سنة 1910، حيث بلغ عدد الناجحات حينئذ 5 من أصل 7 تلميذات، مقابل 162 تلميذا من مجموع 260 بالنسبة للذكور ليصل إلى 92 تلميذة من مجموع 108 تلاميذ، مقابل 224 تلميذا من مجموع 3.277 تلميذا سنة 1939. ومنذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، ازداد عدد المترشّحات لنيل شهادة ختم الدروس الابتدائية وامتحان الارتقاء إلى الفصل السادس بصفة واضحة. ونتيجة لذلك ارتفع عدد الفتيات المسجّلات بالمدارس الابتدائيّة العموميّة في غضون العشرية المتراوحة بين سنة 1944 و1954 من 7.130 إلى 30.697 تلميذة. وقد دفع انتشار ونجاح تعليم البنت في المدارس العمومية ثمّ في المدارس القرآنية الساهرين على شؤون التعليم بجامع الزيتونة إلى التفكير في خوض غمار تعليم الفتيات بالجامع المعمور منذ نهاية الأربعينات وذلك بجهود من الشيخ الطاهر بن عاشور حيث فتح الجامع فروعا له خاصّة بالبنات بداية من سنة 1947 بكلّ من تونس والقيروان وسوسة وصفاقس.

في التعليم المهني

في سنة 1914 فتحت إدارة التعليم العمومي مدرسة «بول كمبون «Paul Cambon» للفتيات التي اختصّت في صناعة الملابس و تحوّلت إثر الحرب العالمية الثانية إلى «الكوليج الفنّي بول كمبون» المضاهي للمدرسة المهنيّة «إميـــل لــوبي «Emile Loubet» للذكور المُحدثة منذ سنة 1903. غير أنّ إقبال الفتيات التونسيّات المسلمات على التعليم الصناعي ظلّ محدودا مقارنة بالتعليم الابتدائي والثانوي. فإلى غاية نهاية الحرب العالميّة الثانية لم يتجاوز 6 تلميذات لينتقل إلى 12 تلميذة سنة 1950 و25 تلميذة سنة 1950 و43 تلميذة سنة 1952 و76 تلميذة سنة 1954، من مجموع 1.506 تلميذة في هذا الصنف من التعليم. كما أحدِثَتْ فروع تقنيّة في «كوليجات» الفتيات بمدرسة «بول كمبون» بتونس و بسوسة و بصفاقس. ففي سنة 1952، كان هناك 6 تلميذات مسلمات في «كوليج» سوسة و 3 تلميذات في «كوليج» صفاقس.

في التعليم الثانوي

بداية من سنة 1914 تحوّلت مدرسة «بول كمبون «إلى معهد «معهد جول فيري» (Lycée Jules Ferry) يمهّد للتعليم الثانوي للفتيات بمعهد «أرمان فاليار» (Lycée Armand Fallières) للبنات (بنهج روسيا اليوم)، الذي فتح أبوابه بداية من غرّة جانفي 1915. غير أنّ عدد التلميذات التونسيّات المسلمات بقي محدودا، ولم يتجاوز 10 تلميذات من مجموع 711 تلميذة في سنة 1925 و25 تلميذة من مجموع 921 تلميذة سنة 1939 ولم يرتفع بوضوح إلاّ بعد الحرب العالمية الثانية حيث وصل إلى 1.060 تلميذة خلال السنة الدراسية 1954. وأمام ضعف هذا العدد فإنّ عدد الفتيات اللائي اجتزن امتحان الباكالوريا لم يتجاوز الخمسين فتاة سنة 1954. كما أنّ التعليم الثانوي العمومي تركّز بالأساس في تونس العاصمة (بنسبة 77 %): في معهد نهج روسيا و كوليج مونفلري و»كوليج» رادس و»كوليج» (لويز ريني ميّي) ومعهد قرطاج و»كوليج» بول كمبون للفتيات (الخاصّ بالتعليم التقني) ودار ترشيح المعلّمات، التي رغم كونها قد فتحت أبوابها منذ جانفي 1911، فإنّها لم تستقبل أوّل تلميذة مسلمة بها إلاّ في سنة 1926 (من مجموع 53 تلميذة) ليرتفع عددهنّ إلى 108 تلميذات في سنة 1954. أمّا داخل البلاد فقد اقتصر التعليم الثانوي على مدن سوسة وصفاقس وبنزرت.

في التعليم العالي

في 1 أكتوبر 1945 بُعث رسميّا معهد الدّراسات العليا بتونس «L’Institut des Hautes Etudes de Tunis» (الذي ظلّ ملحقا بجامعة باريس إلى غاية سنة 1961). وعند انطلاق الدّراسة بها، ضمّت هذه المؤسّسة أربع شعب وهي: اللّغة والآداب العربية والتاريخ والجغرافيا والرّياضيات. وقد ارتفع عدد الطالبات المسلمات مــن 4 خلال السنة الجامعية 1944 / 1945 إلى 37 طالبـــة خــلال السنــــة الجــامعيـــــة 1954 / 1955. أمّا مدرسة الفنون الجميلة فكانت تضمّ 3 طالبات مسلمات في سنة 1951 و9 في سنة 1952 و6 في سنـــة 1954 و3 في سنة 1955. أمّا بالجامعات الفرنسية فقد ارتفع عددهنّ من طالبة واحدة سنة 1928 (وهي الطالبة توحيدة بن الشيخ، أوّل طبيبة تونسية تخرّجت من جامعة باريس سنة 1936 لتصبح أوّل طبيبة تونسيّة مسلمة تنتصب بتونس العاصمة كطبيبة نساء وأطفال)، إلى 15 طالبة في مطلع الخمسينات و 50 طالبة خلال السنة الجامعية 1956 / 1957.

تزايد إقبال البنت على التعليم في مطلع الاستقلال

وبقيت الأمور كما هي عليه إلى غاية بعث أول مدرسة عمومية للبنات في عهد الحماية وهي مدرسة نهج الباشا للبنات بتونس العاصمة في أكتوبر 1901 التي فتحت الأبواب أمام البنات التونسيات للتعلّم والارتقاء في مدارج العلم والمعرفة ثمّ بكامل أنحاء الإيّالة. ومنذ مطلع الاستقلال ومع أوّل برنامج لإصلاح التعليم الذي أقرّه كاتب الدولة للتربية القومية، الأستاذ محمود المسعدي وحمل اسمه وصدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في 04 نوفمبر 1958، تمّ إقرار إجبارية التعليم العمومي ومجانيته لجميع التلاميذ التونسيّين بين 6 و16 سنة دون تمييز بين الأوساط والجهات ولا بين البنين والبنات فكانت ذلك بمثابة الثورة والمنعرج في تاريخ التعليم العمومي بتونس. وقد تدعّم هذا المجهود ببرنامج محو الأميّة وتعليم الكبار الذي انطلق منذ سنة 1958 بخطى محتشمة ليشهد انتشارا واسعا بكامل أنحاء البلاد إثر إقراره رسميا من قبل منظمة اليونسكو في سنة 1965 حيث رصدت له إمكانيات مادية وأدبية ضخمة: دعاية في الإذاعة والتلفزة وكراسات تمارين تباع في الأكشاك وترسل عبر البريد وامتحانات وطنية... يضاف على ذلك خطب وتوجيهات الرئيس الحبيب بورقيبة وزياراته الرسمية وزيارات وزرائه وكبار الموظفين والمسؤولين في جهازي الحزب والدولة على الصعيدين المركزي والجهوي للمدارس والمعاهد ومراكز محو الأمية...

عادل بن يوسف

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.