لغز إدلبْ: أسئلة ٌ ونقاط ُ تعجُّبْ؟؟!!

لغز إدلبْ: أسئلة ٌ ونقاط ُ تعجُّبْ؟؟!!

عندما كان الجيش السوري يحرّر المدن السورية، الواحدة تلو الأخرى، من براثن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» وتنظيم «جبهة النصرة» وغيرهما من التنظيمات الإرهابية العديدة التي اجتاحت ربوع سوريا وعاثت فيه تقتيلا وتخريبا، كان أفراد هذه التنظيمات، أو قسم منهم، ينقلون من المناطق المحرَّرة في القصير وحلب ودير الزور والرقّة والحسكة والغوطة ودرعا والقنيطرة والسويداء، وفقا لترتيبات معيّنة، في «الحافلات الخضر» الشهيرة التي خرجت لتوّها من المصانع، إلى محافظة إدلب، وكان الملاحظون يتابعون عمليات نقلهم المتتالية متسائلين متعجّبين من عدم الإجهاز عليهم، أو أسرهم، أو طردهم إلى خارج سوريا، حتّى لا يعودوا إلى مقاتلة القوّات السورية من جديد...

وقد شكّل ذلك لغزا محيِّرا هو الذي أسمّيه «لغز إدلب»... ولعلّه ممّا زاد هذا اللغز غموضا أن لا أحدَ يعلم علم اليقين حقيقة موقف النظام السوري وحلفائه من تحويل إدلب إلى معقل لحشر الآلاف من عناصر التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلّحة المهزومة فيه، على أن المرجَّح أنّه كان مضطرّا إلى الموافقة على ذلك، مُرْغَـمًا لا مختارا، تحت ضغط جملة من التفاعلات السياسية المحلية والإقليمية والدولية، ومن التشابكات الميدانية التكتيكية والاستراتيجية، ومن التقاطعات المصلحية البراغماتية خاصّة بين الأطراف الأجنبية المشاركة في النزاع... ومهما يكن من أمر، فإنّ بعض خفايا هذا اللغز وخباياه بدأت تتكشّف شيئا فشيئا، بعد أن بدأ الحديث في الآونة الأخيرة عن اقتراب معركة إدلب، وعن الهجوم الوشيك الذي يستعدّ الجيش السوري لشنّه على هذه المحافظة لتخليصها من قبضة القوّى الإرهابية والجماعات المسلّحة التي استحوذت عليها وتمركزت فيها، ذلك أنّ الأطراف الدولية والإقليمية المعادية لسوريا بدأت تميط اللثام عن نواياها المبيّتة من صنع هذا اللغز، من خلال المواقف التي تقفها الآن من المعركة القادمة، لا محالة، إن عاجلا أو آجلا، حيث أنّ النظام السّوري عازم، كما يقول وزير الشؤون الخارجية وليد المعلم في الخطاب الذي ألقاه في الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة على «مواصلة المعركة المقدّسة حتّى تطهير كل الأراضي السورية من رجس الإرهاب ومن أيّ وجود أجنبّي غير شرعيّ». وأوّل طرف ازدادت نواياه المبيّتة افتضاحا هو الولايات المتحدة الأمريكية (ومن لفَّ لفَّها من الدول الغربية والعربية) التي ما فتئت تشنّف الآذان بأنشودة مكافحة الإرهاب الممجوجة، ولكنّها، عندما بدأ الحديث عن معركة إدلب، سارعت إلى تصعيد مناوراتها الرامية إلى عرقلة تحرير هذه المحافظة، من خلال محاولة الإيهام بأنّ المعركة ستستهدف ما تسمّيه «معارضة شرعية» للنظام السوري وليس التنظيمات الإرهابية التي يجري الضغط عليها بكلّ الوسائل من أجل الانضمام إلى صفوف المعارضة أو تغيير أسمائها حتى تنزع عنها لَبُوسَ الإرهاب وما هي بقادرة على نزعه حتّى لو غيّرت اسماءها ألف مرة...

ولقد أصاب وزير الشؤون الخارجية السوري وليد المعلم عندما قال في نفس الخطاب إن الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي «غير الشرعي» الذي أنشأته «حاربا كل شيء في سوريا إلاّ الإرهاب»، وبالفعل فإنّ واشنطن ومعها لندن وباريس تحاول الآن إنقاذ تنظيم «جبهة النصرة» الإرهابي الذي يسيطر على القسم الأكبر من محافظة إدلب من المصير المحتوم الذي ينتظره، بشتّى الطرق الممكنة، فهي تارة تستخدم البعد الإنساني، فتدّعي أن المعركة ستؤدي الى هلاك آلاف المدنيين وإلى تشريد أعداد كبيرة من سكان المحافظة، وتارة أخرى تستخدم التهديد، فتحذّر النظام السوري من أنّها ستهاجمه، كما فعلت ذلك مرتين في الماضي، إذا قام بضرب إدلب بالأسلحة الكيميائية... أمّا المآرب التي تريد الولايات المتحدة بلوغها من هذا السلوك فهي متعدّدة ومتنوّعة ويتمثّل أوّلها في الحفاظ على وجودها في سوريا، وبالفعل فقد أعلنت بكلّ وضوح أنّ قوّاتها ستبقى في سوريا إلى أجل غير مسمّى، وثانيها هو تبرير أيّ تدخل عسكري مستقبلي إن أرادت ذلك، وإن هيّأت له الأرضية المناسبة بالهجوم الكيميائي المفتعل أو المزعوم، وثالثها هو عرقلة التسوية السياسية في سوريا، بهدف إبقائها ضعيفة، مفكّكة، وفي حالة عدم استقرار مستمرّة، مع مواصلة العمل على تنفيذ مشروعها الرامي إلى تقسيمها إلى دويلات طائفية وقومية متناحرة فيما بينها، وذلك خدمة لنفسها ولربيبتها إسرائيل...

أمّا الطرف الثاني الذي ازدادت نواياه المُبَيَّتَة انكشافا فهو تركيا التي لا يخفى على أحد ارتباطها القديم والمتجدّد بعدد من التنظيمات الإرهابية التي تريد أن تحميها، لتحقيق عدة أهداف ترتبط بمصالحها في سوريا وفي المنطقة ككلّ... فتركيا التي يُقًدَّر عدد اللاجئين السوريين فيها، حسب بعض المصادر، بحوالي 3.5 مليون لاجئ، تحاول الإيهام بأنّها تقف ضدّ معركة إدلب لأنّها تخشى من تدفّق أعداد جديدة من اللاجئين عليها في حالة اندلاع الحرب... وربّما يكون ذلك صحيحا، غير أنّ لتركيا التي تتوفّر منذ حوالي السنة على اثني عشر مركزا عسكرياً متقدّماً في المحافظة والتي تنتشر قوّاتها في مدينتي عفرين والباب، مآربها من عرقلة الهجوم على إدلب، وهي بدورها مآرب متعدّدة ومتنوّعة، فأنقرة تريد، أوّلا، الحفاظ على الوضع القائم في إدلب لأنّه يسمح لها بالإبقاء على وجودها العسكري في سوريا وبتعزيزه بما يمكّنها من الوقوف في وجه الأكراد، ومعالجة المشكلة الكردية التي ما انفكّت تؤرّقها تأريقا، وهي ثانيا لا تستطيع أن تفعل ذلك إذا تمكّن النظام السوري الذي تعتبره عدوّها اللدود من استرجاع قوّاه، وأراد بالتالي أن يحرّر أراضيه من وجودها العسكري في أراضيه. ومع أنّ تركيا تقرّ، كما جاء على لسان وزيرها للشؤون الخارجية بوجود «جماعات متطّرّفة» في إدلب، فإنّها، بدورها، تلجأ الى لعبة الخلط بين هذه الجماعات وبين ما تسمّيه «المعارضة الشرعية»، فتحاول منع أو على الأقل تأخير معركة إدلب بدعوى أنه من الضروري قبل شنّها التمييز بين المعارضين وبين الإرهابيين. وبالفعل فإنّ تركيا تكثّف من تحرّكاتها من أجل إيجاد صيغة ما لإخراج إدلب من دائرة العمل العسكري المنتظر، بالعمل على إنشاء تشكيل جديد يحمل اسم «الهيئة الوطنية لتحرير سوريا»، تُجَمِّعُ فيه أكبر عدد ممكن من عناصر الجماعات المسلّحة والتنظيمات المتطرّفة مع الإيهام باستبعاد مقاتلي «جبهة النصرة» والمجموعات المرتبطة بالقاعدة منه، حتى تقدِّمه على أنّه معارضة شرعية للنظام السوري وليس تنظيما إرهابيا...

ولهذه الغاية، تعمد تركيا التي كانت لجأت إلى نفس اللعبة إبّان معركة حلب حيث قامت بتشكيل ما سمّته «درع الفرات» كوسيلة لمنع القوات السورية من خوض هذه المعركة، إلى دعوة «الجبهة الوطنية لتحرير سوريا» إلى تغيير اسمها والتعاون معها في إنشاء التشكيل الجديد... وحتّى تكسب ودّ الجبهة وثقتها فإنّها، حسب ما أفاد به مصدر رفيع المستوى في المعارضة السورية، أبلغتها أنّ عليها أن تستعدّ للمعركة وأنّها ستتدخل في الوقت المناسب لدعمها ومؤازرتها... ولن تتركها وحدها كما حصل في غوطة دمشق ودرعا، خاصّة وأنّ لها في شمال سوريا  «وجودا قويّا» مباشرا أو من خلال الفصائل المرتبطة بها. على أنّه في انتظار ما ستحمله الأيام والاسابيع المقبلة من مستجدّات، وبقطع النظر عمّا ستؤول إليه محاولات واشنطن من ناحية وأنقرة من ناحية أخرى، ينبغي القول إن إرجاء معركة إدلب لا يعني الغاءها، فهذه المعركة كما يقول السوريون قادمة «شاء من شاء وأبى من أبى»، إذ لا بدّ، بالنسبة إليهم، من استعادة إدلب وتخليصها من قبضة الإرهاب ووضع حدّ للغزها المحيّر... بيد أن معركة إدلب قد توضّح الرؤية لكنّها لن تعني انتهاء الحرب في سوريا، ذلك أنّ أمام دمشق معارك أخرى قد تكون أشدّ وأشرس، وهو ما يستشفّ من كلام الوزير وليد المعلم الذي طالب في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة القوّات الأمريكية والفرنسية والتركية بالانسحاب «فورا» من سوريا، وقال: «إنّنا نعتبر أيّ قوّات توجد على الأراضي السورية دون طلب من الحكومة السورية بما في ذلك القوات الأمريكية والفرنسية والتركية هي قوّات احتلال وسيتمّ التعامل معها على هذا الأساس ولذلك عليها الانسحاب فورا ودون قيد أو شرط».

ومعنى هذا الكلام أنّ الوضع في سوريا ما يزال مرشّحا لمزيد من التعقيدات...

وفي الانتظار فإنّنا نستطيع أن نستخلص من لغز إدلب المحيّر درسين هامّين. أمّا الدرس الأول فهو أنّه يثبت لكلّ من ما يزال يشكّ في ذلك، أنّ مماطلة الولايات المتحدة والدول الغربية وممّا نعتها في تعريف الإرهاب تعريفا جامعا مانعا أمر مقصود ومطلوب لأنّه يسمح لها بإلصاق تهمة الإرهاب بمن تريد وبنزعها عمّن تريد وفقا لمصالحها المتقلّبة بتقلّب السياقات... وأمّا الدرس الثاني، وهو أعلق بواقع العرب الرديء، فإنّنا نقرؤه  في تدوينة للدكتور محمد البرادعي، نائب الرئيس المصري السابق والرئيس الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، على حسابه في موقع «تويتر» حيث يقول: «بعد سبع سنوات من حرب راح ضحيتها 400 ألف وتشرّد بسببها 13 مليونا سوريا، ما زلنا نتكلّم عن معركة وشيكة في إدلب يعلم الكلّ المأساة الإنسانية التي ستنتج عنها... المذهل أنّ كلّ المفاوضات تجرى بين دول غير عربية لأغراض جيو-سياسية... وأنّ الأمل معدوم في أن يستعيد العرب العقل والروح لنتجنّب المزيد من الكوارث»..

محمّد ابراهيم الحصايري

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.