أخبار - 2018.03.12

عامر بوعزة: بيت الرواية التونسي

بيت الرواية التونسي

في بداية تسعينات القرن الماضي اقترح الشّاعر محمّد الصّغير أولاد أحمد فكرة إنشاء بيتٍ للشّعر، فتبنّت رئاسةُ الجمهورية ذلك المقترحَ، وأخرجته وزارةُ الثقافة من خيال الشّاعر إلى واقع الدولة، وأدار أولاد أحمد فكرته طيلة السنوات الأولى قبل أن يتداول على تسيير البيت شعراء آخرون، لقد صار ذلك الإنجاز محطّة هامّة في سيرة أولاد أحمد الذاتية، فتجربته مثل تجارب كل الشعراء الكبار على مرّ العصور تقوم على التّداخل بين اليومي واللغوي.

في تلك الدار الكائنة بنهج "التريوبنال" في المدينة العتيقة عاش بيتُ الشّعر سنوات طفولته وصباه، وكان لذلك المكان أثرٌ رمزيٌّ بليغٌ جعله يرقى إلى مستوى "الاستعارة الحيّة"، كانت الطريق إليه محفوفةدائما بالذكريات، ففي هذه المدينة يقع جزء كبير من تاريخ الأدب التونسي، وفي تلك الحواري نضجت حركة الإبداع والمقاومة والصمود وتأسّس بنيانُ الذّاكرة الإبداعية منذ ثلاثينات القرن الماضي.

اليوم نشهدُ قصّة مماثلة بطلها كاتب تونسي آخر، لكن في سياق مختلف، فقد تبنّت وزارةُ الثقافة أيضا مقترح الروائي كمال الرياحي بإنشاء بيت للرواية، وكلّفته بإدارة هذا المشروع، والرياحي مثل أولاد أحمد لا يفصل بين حياته ونصّه، ولا يضع بين اليومي واللّغوي جدارا زجاجيا عازلا كما يفعل كثير من الكُتّاب، بل يعيش حياته بأفق مفتوح، وله مبادرات كثيرة في ورشات الكتابة وزرع مكتبات الخيال في مدارس الأطفال تجعله كاتبا متفردا لا بقوة النصّ وحرارة الإبداع فحسب بل بالانتماء قولا وفعلا إلى مشروع وطني يتأسّس على التّشاركية الفاعلة بين مختلف القوى.

بيت للرواية إنجاز ثقافي هام أيضا، لكن سياقه مختلف كثيرا عن السياق الذي تأسّس فيه بيت الشعر، فلئن كان بيت الشعر هو الأول من نوعه في الوطن العربي عند تأسيسه، فإنّ بيت الرواية التونسي سيجد أمامه تجارب سابقة محليا وعربيا، وإن كانت التسميات مختلفة، لقد كان توفيق بكار لوحده بيتا للرواية على امتداد نصف قرن وكانت له مجالسه النقدية في الحي الثقافي لمدينة تونس أين تنهض  الآن مدينة كاملة للثقافة وكانت لمحمد الباردي تجربة رائعة جعلت من قابس قطبا للرواية العربية،وللجامعات اهتمام دؤوب بالسرد في وحدات البحث والمخابر العلمية، هذا غيض من فيض، فهناك تجارب أخرى متفرّقة هنا وهناك في عواصم عربية أخرى تسعى كلها في الاحتفاء بالرواية وتنويع أشكال العناية بها.

تجربة بيت الرواية إذن لا بدّ أن تأخذ بعين الاعتبار هذا التعدّد والتنوّع والكثافة حتى تنضم ّمنذ البداية إلى لائحة الكبار، بل وتتّخذ لها مكانا في المقدمة، وكمال الرياحي بما يحظى به من إشعاع عربي ودولي قادر بلا شك على ذلك، ولن يكون صعبا عليه أن يعمّم تجربة نجاحه الفردي في سياق المؤسسة التي أصبح يمثلّها، ثم إن بيت الرواية يتأسّس ونحن في عنفوان المجتمع الرّقمي حيث التّشابه والتّماثل والنّمطية جراثيم فتّاكة تقتل الإبداع الذي يقوم على التفرّد والقطيعة والنسج على غير منوال، فكيف يكون هذا البيت في مستوى اللحظة الفارقة التي نعيش؟ لا أرى في الأفق الاّ أن يطمح هذا البيت إلى العالميّة، وأن يفكّر بصوت أعلى من كل الأصوات، وما الذي يمنع ذلك؟ نتمنى على سبيل المثال أن نرى روائيي نوبل الأحياء في ضيافة بيت الرواية وألا يقتصر الأمر على استضافة كتاب عرب يتكرّر حضورهم إلى بلادنا في كل المناسبات الثقافية، ويمكن لهذا البيت أيضا أن ينظم ورشات مستمرة للرواية وفق برامج مضبوطة تغطي كل تقنيات الكتابة السردية،فالرواية تُتعلّم تعلّما وقد تضمر الموهبة الأصيلة ولا تنتج شيئا إذا لم تُتعهّد بالصّقل والتكوين.

التحديات كثيرة أمام بيت الشعر كذلك رغم أنه في نهاية عقده الثالث،فهو سيولد من جديدبمغادرة أزقة المدينة العتيقة والمثول إلى جانب بيت الرواية في مدينة الثقافة التي وصفها أول وزير للشؤون الثقافية بعد الثورة بأنها مدينة ستالينية، قال ذلك قبل أن يأمر بإيقاف أشغالها وتعطيل مولدها خمس سنوات أو أكثر. وأكبر هذه التحدّيات استحضار أرواح كل العظماء الذين تتجوّل أطيافهم في نهج التريبونالونهج الباشا والعطارين وباب سويقة والحلفاوينإلى هذه المدينة الزجاجية الشاسعة وألاّ تغلق دونهم الأبواب الأوتوماتيكية والمعابر الغارقة في الرخام والألومنيوم، الشابي والدوعاجي والحدّاد وآل خريف، أولاد أحمد والباردي وصالح القرمادي وتوفيق بكار والآخرون...، هؤلاء لا معنى للثقافة الوطنية لولاهم ولا يمكنها أن تبلغ العالمية الا وهم في مقدّمة الرّكب.

عامر بوعزة
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.