سؤال يتجدّد: من هم الإرهابيون؟

سؤال يتجدّد: من هم الإرهابيون؟

طُرحت معظم الأسئلة حول الإرهاب على متخصّصين في الشأن السياسي والأمني والعسكري، ولكن البعض منها لازال دون إجابة نهائية رغم تعدّد المحاولات منذ سنة 1937.ويعود ذلك طبعا إلى عدم توصّل المنتظم الأُممي في صيغته الأولى والحالية إلى تعريف موحَّد للإرهاب على المستوى الدولي. لذلك يتجدّد السؤال كلما تصاعدت موجة العنف والقتل والتدمير:من هم الإرهابيّون؟

واستنادا إلى مقاربة زمنيّة يتبيّن أنّ "طائفة حاملي الخناجر" التي ظهرت في القرن الأوّل للميلاد بين سنتي 66 و77، و"جماعة الحشّاشين" التي برزت في العالم الإسلامي من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر، شكّلتا أوّل ظاهرة للإرهاب الدّيني- السّياسي في التاريخ الإنساني وهم بذلك في طليعة الإرهابيين. ودون إنكار لهذه الجذور يرى بعض الباحثين أنّ الإرهابيين ظهروا مع الثورة الفرنسية في سنة 1792 "عهد الرّعب"، ومع نارودنايا فوليا (Narodnaïa Volia) المنظمة الإرهابية الروسية التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، والتي سعت بالعنف إلى إنهاء حكم القياصرة"، وبرزوا بشكلهم الدّموي مع التدخّل الاستعماري البريطاني والفرنسي في الوطن العربي، ومع الإرهاب الصهيوني منذ 1937 والدعم الأمريكي لتركيز دولة إسرائيل انطلاقا من 1948، وكذلك مع إرهاب الدّولة في أمريكا اللاتينية 1960- 1990 والإتحاد السوفياتي 1930-1980 ودول شرق أوروبا 1950-1980، وعرفهم العالم الإسلامي في إطار تمدّد الفكر الأصولي الراديكالي لتيارات الإسلام السّياسي بدءًابمحمد عبد الوهاب (1703-1792)، مرورا بحسن البنّا( 1906-1949)، ووصولا إلى سيّد قطب (1906-1966).

إنّ إشكالية العنف الدّموي في الإسلام لا تكمن في الدّين أو في مذاهبه المختلفة بل إنّ الإشكاليّة الحقيقية في مشائخَ ودُعاة مذاهب يريدون فرض قناعاتهم المشوّهة بالعنف والقتل،وفي هذا مجاوزة الحدّ المشروع في الدّين.

عندما يُطلق الرّصاص على المصلّين العزّل وتُهتك المساجد عند صلاة الجمعة وتصبح الرّوح البشرية هيّنة إلى درجة قتلها ببرودة دم.. طبيعي أن يتساءل المرء ونتساءل جميعا عن إنسانيّة هؤلاء المسلّحين وعن دينهم الذي ينتمون إليه والعقيدة التي يؤمنون بها ولأجل من وماذا يقتلون؟

إنهم بحكم فعلهم ينتمون إلى عقيدة سفك الدماء، ومهما أكّدوا انتماءَهم فهم بعيدون عن دين الإسلام دين الرحمة والتسامح والعفو والمحبة والسلام.

إنّ فهم الإرهاب الأصولي يقتضي العودة إلى أساس القضيّة ألا وهو محاولة أسلمة الحياة المعاصرة وفقا لمنظومة في التفكير والعمل ذات خمسة أركان وهي:

1- معتقد اِصطفائي يزيّن لأهله أنّهم مُلاّك الحقيقة، وخير أُمّة، وسَادَةُ الخلق، والمعصومون من الخطأ، والفِرقة الناجية.

2- منهج أصولي يقوم على عبادة النصّ وتقديس السّلف بقدر ما يوهِم أصحابَه بأنّ بإمكانهم التماهي مع الماضي واستعادته بحَرْفيّته وحذافيره.

3- طرح شعار الحاكميّة الإلهيّة لاحتكار المشروعيّة والنطق زُورا أو عنوة بإسم الأكثرية من الناس.

4- استراتيجية الرّفض وإقصاء المختلف والعمل على اتّهامه ونبذه أو استبعاده وإلغائه.

5- الّلجوء إلى العنف أسلوبا ووسيلة لتحقيق الأهداف الطوباوية والمشاريع المستحيلة.

ولتقييم أفكار المرجعيّات الأصولية في العالم العربي لا بدّ من العودة الى السياق التاريخي الذي ظهرت فيه وخاصّة مرحلة الاستقلال والتحرّر من الاستعمار وترسيخ الدولة القومية (الوطنية).

لقد ساعد تغييب الخلافة في الذاكرة في تلك الحقبة على ظهور تيّار إسلامي رافض لفكرة الدولة القومية، وهو تيّار استند إلى أفكار أبي الأعلى المودودي بشأن الحاكمية، والتي اعتمدها سيد قطب، وغدت من بعده من العناوين الرئيسية لأطروحات الإسلام السّياسي في النّصف الثّاني من القرن العشرين. وتبعا لذلك أفرز الفكر السّياسي الإسلامي أربعة تصورات ونماذج رئيسية لأسلمة الدولة:

  • تصور الحاكمية (المودودي): حيث السيادة لله في شريعته الواضحة، وتنحصر مهمة الحاكم والأمة والعلماء في تطبيقها.
  • تصور سلطوي (الوهابية): يحصر المسؤولية في الإمام، و من بعده طبقة العلماء،ويستثني الأمّة (النموذج السعودي).
  • تصور شبه ثيوقراطي يمنح العلماء الدور الرئيسي في تلك المسألة.وقد تبلور هذا التصور في الفكر السّياسي الشّيعي، وبالتحديد مع الخميني في كتابه الحكومة الاسلامية.
  • تصوّر ديمقراطي برز في العقود الأخيرة مع كثير من المفكرين والمنظّرين الإسلاميّين يخوّل للأمة اجتراح التّعريف والتطبيق اللاّزم عبر توكيل الحاكم المنتخب لذلك، بعد التشاور مع العلماء.

وفي هذا السّياق لا يمكن تجاهل دور جماعة الإخوان المسلمين في تشكيل مذهبيّة سياسيّة مناهضة للحداثة، حيث حاولت تعويض غياب الخلافة العثمانية بمشروع آخر معاد للدولة الحديثة "الدّولة القوميّة" بما يُعرف "بالدولة الإسلامية". ومن ثمّ حاول الإخوان بناء نظام إسلامي شامل يقطع مع ما هو قائم بشكل مطلق. ولم تلبث هذه المذهبية وخاصّة أفكار سيّد قطب حول الجاهلية وتكفير المجتمعات، أن خلقت حركات جهادية قُطريّة بمسمّيات مختلفة رفعت شعار هدم "النظام القائم" واستبداله "بدولة الخلافة".

وبحسب أبرز علماء الأزهر الشريف فإنّ منفّذي عمليّة مسجد الرّوضة بالعريش في سيناء هذه الأيام هم من الجيل الثالث للإخوان المسلمين. إنهم خوارج هذا العصر يطلبون الحكم وليسوا من أهله، ويقتلون لأجل أعداء الاسلام وتنفيذ مخططاتهم الإجرامية.

لقد تعدّى الإرهابيون حدود المنطق والعقلانية والأخلاق بوحشيّة ممارساتهم، وللحيلولة دون وصول أفكارهم للأجيال القادمة لابدّ من استنهاض العلماء والمثقّفين إلى كشف متاهات "التكفير"، وإنارة السبيل نحو مراتب التفكير ومنها «التفكير المستنير". 
لقد استفاق الغرب أخيرا للخطر الآتي من وراء البحر، الإرهاب الذي احتضنه ودعّمه، لذلك يسارع بإحداث تغيير على المستوى السياسي معنا وعلى خطوط الحرب على الإرهاب بشكل حثيث لدينا. أتساءل مثلما تساءل الباحث فتحي التريكي: "لماذا اكتشف فجأة المفكّرون والكتّاب والصحافيّون الغربيّون وتبعا لذلك الناشطون السّياسيون ..، وجودَ شبكات إرهاب لدينا، والحال أنّ هذه الشبكات كانت نشطة جدّا وفتّاكة منذ أكثر من عشرين سنة في العالم العربي والإسلامي؟ لماذا احتفظ هؤلاء بالهدوء والصمت عندما دعّمت دولهم وشجّعت شيوخ الفتنة وسمحت لتلك الشبكات باتّخاذ عواصمهم مراكز لها؟ ألا يعني ذلك أنّ فكرة مجابهة الإرهاب  كانت ولا تزال استتباعا سياسيّا يتحكّم فيها السّياسيّون الغربيون بدلا من أن تكون خيارا عربيا وإسلاميا؟" 

لذلك وبالرغم من ثقل الولايات المتحدة في السياسة المعتمدة ضدّ الإرهاب فإني لا أثق كثيرا في الخيارات الجديدة التي تجانب الجامعة العربية رغم ضعفها فهي رمز لوحدة هذه الأمة التي يتجاهلونها بطرق مختلفة أبرزها استبدال "الوطن أو العالم العربي" بـ "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، ولا أرتاح إلى الآليات العربية التي تخضع لسلطة الثروة والمال، لقد استوعبنا الدّرس فالمال هو الذي كبّل "الهلال" وهو الذي تحكّم في تسيير المؤسسات العربية وأثّر على مراكز صنع القرار، فلدينا ما يكفي من الأمانات والمراكز الصورية التي لا تعكس حقيقة وواقع وتحدّيات الأمن القومي العربي، وبصراحة لا يمكن أن نعترف لها بدور فاعل على هذا المستوى. 

يجب أن لا نتوقّف عن المثابرة ففشلنا في تحقيق الأمن العربي وبناء الثقة بين الدول والأنظمة يدفعنا إلى أن نراجع أنفسنا وأن نراهن على "سوسيولوجيا الأمل" كما طرحها المفكر الكبير محمد أركون والتي يعتبرها "البديل الاستراتيجي الوحيد لثقافة العنف السائد، وفي صلبها ضَربُ الجذور الفكرية المنتجة للتّخلف، ومحو الأمّية بكل أنواعها المعرفية والجمالية والثقافية، وضرب معيقات التّقدم، وتغيير الذّهنية واستبدال العقلية الجاهزة لاستقبال فكر التطرف. فالمطلوب تحقيق قطيعة معرفية مع الفكر الذي يتكيّف مع التفسيرات "الرجعية" للدين، والذي وضع البلدان العربية والإسلامية في حلقة مفرغة. 

علينا أن نفهم القرآن قبل أن ندّعي أنّنا من أهل القرآن، وأن نطفئ حرائق الجهل ونضيءأنوار العلم، فالعالم الغربي يبدو بما فيه من "علم وعمل" أقرب منّا لجوهر الإسلام وأكثر تحصينا تُجاه بث الفُرقة وإثارة الفتن.

العقيد محسن بن عيسى
متقاعد من سلك الحرس الوطني

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.