أخبار - 2016.05.23

تركيا وأردوغان وحزب العدالة والتنمية تحت الأضواء الكاشفة

تركيا وأردوغان وحزب العدالة والتنمية تحت الأضواء الكاشفة

عقد يوم  الأحد 22 ماي في العاصمة التركية أنقرة حزب العدالة والتنمية الحاكم ذو النزعة الدينية المحافظة مؤتمره المنتظر في دورة استثنائية وفي وقت تمر فيه القيادة السياسية في تركيا بظروف في منتهى الدقة، كما يبدو ذلك بجلاء من خلال التوترات الحادة والتباينات العميقة بين رئيس الحزب ورئيس الحكومة السيد دَاوُد أوغلو ورئيس الجمهورية السيد رجب طيب أردوغان، هذا الثنائي المتربع على كرسي الحكم في تركيا منذ أكثر من سنة ونصف السنة.

وقد كلف الرئيس التركي أردوغان الرئيس المنتخب لحزب ’’ العدالة والتنمية’’ الحاكم في تركيا ، السيد بن علي يلدريم بتشكيل حكومة جديدة للبلاد تحل محل حكومة السيد داود أوغلو. وكان أوغلو قدم في وقت سابق استقالة الحكومة رسميا خلال لقاء جمعه بالرئيس أردوغان بعيد انتخاب بن علي بلدريم رئيسا لحزب ’’العدالة والتنمية’’ . وقال رئيس الحكومة المتخلي في كلمة ألقاها في المؤتمر : ’’ نتخلى عن مواقعنا ولكن لا نتخلى عن فكرتنا وعن مبادئنا... ’’ العدالة والتنمية ليس حزب أشخاص، بل حزب مبادئ لا يتخلى عنها... لقد حرصنا دائما على وحدة حركتنا وحزبنا وسنحرص عليها حتى النهاية...’’. وصرح يلدريم من جهته في كلمة توجه بها إلى المؤتمر أن الانتقال إلى نظام رئاسي وفق ما يدعو إليه الرئيس رجب طيب أردوغان هو ’’أولية لتركيا ، وأن ’’ ما علينا القيام به بشكل أولي هو الانتقال من هذا الوضع كأمر واقع إلى وضع قانوني من خلال تغيير الدستور لإقامة نظام سياسي رئاسي’’.

وقد ألقت التوترات التي علقت بالمشهد السياسي العام مدة طويلة بظلالها علي أعمال المؤتمر، وانتهت الأمر إلى الحسم فيما يبدو بعد أن صادقت أمس أغلبية الأعضاء على مقترح يقضي بتعويض السيد أوغلو على رأس حزب العدالة والتنمية، وهو ما يفقده آليا منصبه على رأس الحكومة، وعُيِّنت مكانه شخصية على قرابة كبيرة من أردوغان وذلك أملا في أن يساعد هذا الإجراء الهام على انفراج الأجواء السياسية في تركيا وما شابها من تداخلات ومنعطفات أثرت بوضوح في طبيعة العلاقات بين رأسي السلطة التنفيذية في البلد.

ويذكر أن أردوغان يحظى داخل البرلمان بتأييد واسع ومساندة قوية من قبل أغلبية ممثلي حزب العدالة والتنمية الذين يعتبرونه زعيما فذا وقائدا تاريخيا محنكا في الحزب الحاكم. لكن هذا الجناح المساند للرئيس التركي تقابله دعوات متواترة وملحة من عدد من الأعضاء صلب البرلمان وداخل الحزب يأخذون على أردوغان نزوعه إلى الانفراد بالنفوذ والقرار.

وقد ازدادت هذه التوترات حدة واتسع نطاقها بعد الانتخابات الرئاسية التي دارت في تركيا في أوت 2014، وفي سياق الإصلاحات الدستورية التي لم يعد رئيس الجمهورية بموجبها منتخبا من طرف البرلمان ومكتفيا بممارسة صلاحيات يغلب عليها الطابع التشريفاتي وفقا لنص الدستور التركي الذي ينص على حظر على مشاركة رئيس الدولة في سياسات حزبية. إلا أن رجب طيب أردوغان حوّل التصويت داخل البرلمان إلى استفتاء على طموحاته الشخصية بتشكيل رئاسة تنفيذية، مطلقا حملته لإجراء تعديلات دستورية. وقد اختير أردوغان في 10 أوت 2014 رئيسا لتركيا من الجولة الأولى من التصويت بأغلبية مطلقة (52٪‏) وأعلن حينها أنه سوف يكون رئيسا مختلفا تماما عن الرؤساء الذين سبقوه في تركيا. وظل أردوغان منذ ذلك الوقت يطالب بتغيير شكل الحكم والانتقال إلى نظام رئاسي يحل محل النظام البرلماني الذي ينص عليه الدستور. ولم يتوان في القيام بمبادرات تلو الأخرى سعيا إلى ترسيخ هذا التوجه وتعزيز صلاحيات الرئيس وقيادة تركيا بيد من حديد، ضاربا عرض الحائط بما يبديه قطاع مهم من القوى السياسية الممثلة في البرلمان من رفض لهذا التوجه، مثل حزب الشعوب الديمقراطية الذي يتهمه أردوغان وتتهمه القوى الموالية له بمناصرة الأكراد في مطالبهم المتعلقة بالحكم الذاتي بالخصوص.

فهل أن هذه التوترات والتجاذبات على الساحة السياسية التركية يمكن أن تحدث شروخا وتصدعات داخل الحزب الحاكم في تركيا؟

كثير من المراقبين والعارفين بالشأن السياسي التركي يجيبون بالنفي ويلفتون النظر إلى أهمية الدور الموكول الى بعض القوى البرلمانية والحزبية المحسوبة في الغالب على المتدينين المحافظين في شد أزر أردوغان ومساندته بقوة عند الاقتضاء والتي بوسعها ترجيح الكفة لفائدته في كل وقت. ويجد هذا الموقف المؤيد لأردوغان آذانا صاغية في المجتمع التركي وتأييدا من قبل طيف واسع من الناخبين الأتراك الذين سوف لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه كل المحاولات والمساعي الرامية الى بث بذور الانقسام والتفرقة داخل البرلمان وصلب الحزب الحاكم بينما تواجه تركيا تهديدات أمنية من حزب العمال الكردستاني ومن "الدولة الإسلامية"، تضاف الى التداخلات الخطيرة التي تسربت إلى المشهد السياسي في الآونة الأخيرة وعكرت صفو العلاقات بين أردوغان وأوغلو، كقضية المهاجرين في علاقة مع الاتحاد الأوروبي، إذ يبدو أن الرئيس أردوغان لم يغفر لرئيس الحكومة المتخلي ذهابه منفردا في معالجة هذا الملف مع الطرف الأوروبي. وتقول بعض المصادر الإعلامية إن هذا الأخير كان عرض على المستشارة الألمانية أنجلا ماركيل أن تأخذ تركيا على عاتقها قبول كل اللاجئين الوافدين على اليونان منذ 20 مارس الماضي، وهو ما أثار انزعاج أردوغان في وقته. كما طفحت على السطح في الآونة الأخيرة خلافات بين الرجلين على علاقة باعتقال صحفيين  يشتغلان في جريدة "جمهورية" التركية المعارضة بسبب نشر مقالات تناولت فضيحة فساد طالت الرئيس في ديسمبر 2013 وكشف معلومات عن قيام السلطات التركية بتسليم أسلحة إلى مجموعات إرهابية في سوريا. يضاف الى كل ذلك ما راج من شائعات مفادها أن بعض المسؤولين في مصالح الشرطة وداخل الجيش وفي الدوائر القريبة من وزارة الخارجية انضموا إلى جوقة أنصار دَاوُدَ أوغلو، وهو ما فاقم المخاوف داخل الدوائر الأقرب إلى رئاسة الجمهورية.

بن علي يلدريم، هذا الوافد الجديد على منصب رئاسة الحكومة في تركيا  خلفا للسيد دَاوُد أوغلو بإيعاز من أردوغان،يبلغ من العمر 61 سنة، وهو سياسي تركي منحدر من أسرة كردية يشغل حاليا منصب وزير النقل والملاحة والمواصلات ، وهو عضو عن الحزب الحاكم في البرلمان وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية والمرشح الحالي لرئاسته.

بقلم يوسف قدية

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.