أخبار - 2015.12.11

بعد استهداف حافلة الأمن الرئاسي تونس حصونها عالية و لا يفت في عزيمتها إرهاب

بعد استهداف حافلة الأمن الرئاسي تونس حصونها عالية و لا يفت في عزيمتها إرهاب

الحقيقة أن الضربة موجعة مؤلمة، واستهداف حافلة الأمن الرئاسي فيه أكثر من رسالة واضحة تمام الوضوح:

  • فالإرهاب أراد أن يؤكد للتونسيين أنه من خلال هذه الجريمة النكراء الّتي خلَّفت 12 شهيدا في صفوف هذا السلك  انّما قصد الإشارة إلى أن المؤسسة الرئاسية رمز الدولة يمكن أن تكون هي أيضا مستهدفة .
  • ثم إن اختيار المكان: على بعد بضع مئات الأمتار عن الشارع الرئيسي في العاصمة، غير بعيد عن وزارة الداخلية، الحارس الأمين للبلاد والعباد، يريد أن يوهم بمدى قدرته على ضرب أيّ هدف.

ولكن لماذا هذا الاستهداف لتونس، التي تشهد ثالث عملية إرهابية نوعية موجعة في ظرف ستة أوسبعة أشهر، يسقط ضحيتها العشرات في كل مرة؟

لم يحن الوقت بعد للتبسط في الحديث عن التقصير المحتمل، ولا لتحميل المسؤوليات، فلنتجه أولا للملمة جراحنا الغائرة، وتحديد كيفية مواجهة المستقبل، في ظل احتمالات تكرار عمليات إرهابية للذئاب المنفردة. إن تونس مستهدفة لأنها الوحيدة من دول الربيع العربي ـ إن كان هناك ربيع عربي ـ التي نجحت في تحقيق انتقالها الديمقراطي.
إن تونس مستهدفة أيضا لأنها لم تخضع لإتباع نمط مجتمعي ظلامي متخلف، بل لعلها الدولة العربية الإسلامية الأكثر تقدمية في التشريع والممارسة، دون تعارض مع تعاليم الدين الإسلامي، وهي بالتالي تمثل النموذج الذي يتناقض تماما مع التصورات ما قبل القروسطوية، التي يروم أصحابها الإيهام بأنها الإسلام. وهذا النموذج يُراد تقويضه لأنه يُمثل الخطر الأكبر على الايديولوجيا والسلوكيات الداعشية  الممعنة في التخلف والمنافية لكل المبادئ الكونية المتعارف عليها.

إن تونس مستهدفة كذلك لأنها بدت للدواعش، عن خطإ وسوء تقدير، الحلقة الأضعف، التي يمكن البدء بها، والنجاح في مجالها، وتعويض توجهاتها بالتوجهات المرتدة إلى أساليب لم تعد مقبولة لا تونسيا ولا عربيا ولا إسلاميا ولا دوليا، وإذ استطاعت داعش (وارثة القاعدة واقعا ) أن تستميل بضع مئات أو بضعة آلاف  من الشباب التونسي المغرر به غالبا، نتيجة عوامل عدة منها الفقر وتفشي البطالة وانسداد الآفاق، وتقوم بتعبئتهم واستخدامهم في سوريا أو العراق، وفي بلدان أخرى في إفريقيا أو أوروبا وخاصة في تونس ذاتها، فإنها تكتشف أن المجتمع التونسي محصن بحصون عالية ضد التوجهات العدمية، بفضل طبقة سياسية، تبقى رغم خلافاتها العميقة، واعية، ومنغرسة في وطن تنتمي إليه، وتحرص على سلامته الترابية، بعيدا عن كل خرافات الخلافة الهلامية، و إضافة إلى مجتمع مدني واسع متعدّد التوجهات ولكن سمته البارزة هي وطنية راسخة لا يساوم بها وهي بلا شك حصن الدفاع الأول إزاء ماهو معاد لمصالح البلاد والعباد،  وراء قوات مسلحة وأمنية لا ولاء لها إلا للوطن. ورغم هذا كله، فإن التونسيين وهم يكفكفون دموعهم ويضمدون جراحهم،  جراء ما حدث ويحدث، يدركون أنهم دخلوا حربا طويلة مكلفة، ماليا وبشريا في سبيل الحفاظ على وطنهم والذود عنه، وعلى نمطهم المجتمعي الذي نحتوا معالمه على مدى أجيال وأجيال، وسيعضون عليه بالنواجذ .

هذه الحرب ستتطلب مزيدا من التضحيات، وسقوط مزيد من الشهداء، وسترى مزيد الهجمات الغادرة، وكل واحد منا، بلا استثناء، يمكن أن يسقط  ضحية لها، ذلك هو قدرنا جميعا، نواجهه بشجاعة وإقدام، ليس حبا في الموت، فنحن نحب الحياة، ولكن المرء لا يختار مصيره. لكن هذه الحرب تستوجب منا الاستعداد لتضحيات مادية قادمة لتطويرآليات التصدي البشرية وغير البشرية.

أولا لا بد لنا من تنقية جبهتنا الداخلية، بكف كامل للأيادي المتآمرة علينا سواء بقيت في الداخل أو عادت إلينا أو جاءتنا من الخارج، تلك مهمة الأمن والجيش والقضاء في إطار من الاحترام الكامل لحقوق الإنسان. وفي هذا الإطار  أيضا لا بد لنا أن نحدد وبوضوح، اليوم، من يقف  من الدول إلى جانبنا ومن يقف في الجهة المقابلة فيشجع على الإرهاب عندنا، ونحن نعرف أن هناك دولا، تدعي الأخوة أو الصداقة، تمول الإرهاب، وتفتح أمامه السبل، وتسلحه وتشرف على تدريبه، تدفعه إلى ليبيا أو إلى تركيا، من حيث يتسلل جيئة و ذهابا. وككل دولة ترفض أن تكون محل عدوان، فعلينا أن نتصرف معها التصرف المنطقي فنسالم من يسالمنا ونستخلص العبرة إزاء من يعادينا، والعلاقات الدبلوماسية هي محرار لعلاقات الدول، لا بالقطع المراهق كما سبق أن فعل من فعل منا، ولكن باللجوء إلى الدرجات التي تحددها معاهدة فيانا نزولا أو صعودا في ترتيب السلم الدبلوماسي. كما أنه لا بد من تقييم انفتاح تونس على ليبيا، فلعل أصل الداء جاء وسيأتي من هناك، وفي هذه الحالة فلنغلق حدودنا تماما تحسبا لكل احتمال والدولة الشقيقة تنحدر يوما بعد يوم إلى درك أسفل من السيطرة الداعشية.

عبد اللطيف الفراتي

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.