شؤون عربية - 2019.01.19

عامر بوعزّة: العودة إلى دمشق ونهاية الرّبيع العربي

عامر بوعزّة: العودة إلى دمشق ونهاية الرّبيع العربي

مع اقتراب موعد القمة العربية المزمع عقدها في تونس خلال شهر مارس 2019، تتسارع الأحداث والمؤشرات في عدّة عواصم لضمّ دمشق مجدّدا إلى الحضن العربي. أحداث تصبّ في مجرى تطبيع العلاقات مع «نظام الأسد» بعد أن استعصى إسقاطه كما حدث مع بقية الأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن. لقد خرجت الثورة في سوريا عن السيطرة بشكل دراماتيكي، حتى تضاءلت فكرة حقّ الشعب في الحريّة والكرامة والتعدديّة أمام أولوية الحرب الدولية على الإرهاب والحاجة إلى القضاء على «داعش»، وخفتت المطالبة بعملية انتقال سياسي شاملة مقابل البحث عن توازن إقليمي جديد والتنازل عن شرط إسقاط النظام. وفي ظلّ تعقيدات الوضع العربي الراهنة قد لا تضيف عودة دمشق إلى كرسيّها في الجامعة الشيء الكثير، لكنّها قد تعني رمزيا «نهاية الربيع العربي» الذي بدأ من تونس شتاء العام 2010.

أدّى إعلان الرئيس الأمريكي المفاجئ سحب قوّاته من سوريا إلى إعادة خلط الأوراق من جديد، وبعد استقالة وزير الدفاع «جيم ماتيس» بسبب هذا القرار جاءت جولة وزير الخارجية في الشرق الأوسط بين 8 و15 جانفي لتحمل إلى الحلفاء رسالة طمأنة بإدراج الملف السوري في جدول أعمالها وتجديد التزام الولايات المتحدة بالسلام والازدهار والاستقرار والأمن في الشرق الأوسط وفق ما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها سبق الزيارة.  لقد كان القرار مفاجئا ومثيرا لا للحلفاء فقط بل حتّى في الداخل الأمريكي بالنظر إلى شروطه الآنية ومدى تحقّقها ميدانيا، فعلى صعيد المواجهة العسكرية قال التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إنّه نفّذ أكثر من 400 ضربة في سوريا في النصف الثاني من شهر ديسمبر، لتدمير 300 موقع قتالي، وهو ما يتناقض مع الإعلان المبكّر عن نهاية خطر تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، وما تزال قوّات «سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة والتي تضمّ مقاتلين أكرادا تنتزع المزيد من الأراضي الخارجة عن السيطرة في نفس الوقت الذي يتحدّث فيه الرئيس الأمريكي أمام وزرائه عن أنّ مقاتلة «داعش» من مشمولات دول أخرى منها روسيا وإيران!

أمّا الأكراد الذين يسيطرون على معظم شمال سوريا فسيكونون مع انسحاب القوّات الأمريكية في مرمى نيران تركيا التي تعتبر وجود وحداتهم تهديدا لأمنها القومي، وهو ما حدا بهم إلى الإسراع باقتراح خارطة طريق لاتّفاق مع النظام السوري برعاية موسكو، رغم أنّ ترامب يضع حماية الأكراد ضمن شروط التنفيذ الفعلي للانسحاب إلى جانب القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية نهائيا والحدّ من النفوذ الإيراني في سوريا، وقد اعتبرت صحيفة الواشنطن بوست في تعليق على هذه الشروط الثلاثة أنّ خطّة الانسحاب من سوريا لا يمكن أن تفضي واقعيّا إلا إلى البقاء هناك بشكل دائم!

العرب وسياسة حفظ ماء الوجه

بالتزامن مع إعلان الانسحاب الأمريكي من «أرض الرمال والموت» كما أسماها دونالد ترامب، استقبل بشار الأسد نظيره السوداني، وهو أوّل رئيس عربي يتقدّم لفكّ العزلة عن النظام السوري. ظهر الوجهُ المعلن لهذه الزيارة في تصريحات فضفاضة عن «إعادة التقارب في العلاقات بين الدول العربية»، أمّا الوجه الخفيّ فقد نقلته مصادر إعلامية مقرّبة من النظام السوري أكّدت فيه أنّ الهدف من الاتصالات العربية مع دمشق «دفع سوريا لطلب العودة من جانبها إلى جامعة الدول العربية حفظا لماء الوجه»، مشيرة إلى أنّ دمشق ترفض هذا التمشّي، وأنّ الأسد خاطب عمر البشير بكلام واضح ودقيق في هذه المسألة: «لسنا نحن من انسحب من الجامعة العربية لنطلب العودة إليها»، ولئن كان اختيار الرئيس السوداني للقيام بمهمة جسّ النبض هذه مبرَّرا ظاهريا برئاسة السودان لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، فإنّ مؤشرات عديدة تدلّ على أنّ ذلك يعود إلى العلاقات السودانية السعودية التي شهدت تحسّنا كبيرا في الآونة الأخيرة وهو ما يدلّ على أنّ تمهيد الطريق لعودة سوريا يجري خارج المنظمة، يؤكّد ذلك الأمين العام المساعد السفير حسام زكي بنفيه في مؤتمر صحفي أن تكون هذه الزيارة تمّت بتنسيق مع الجامعة العربية، وتأكيده عدم وجود مؤشّرات على تغيير الموقف من مسألة عضوية سوريا. ترى صحيفة «الغارديان» البريطانية أنّ دول الخليج هي التي تعمل على إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وأنّه من المرجّح أن يتمّ الترحيب بالرئيس الأسد كي يأخذ مكانه مرّة أخرى بين قادة العالم العربي، معتبرة أنّ تلك اللحظة ستعلن الوفاة النهائية للربيع العربي، وأن «آمال الثورات الشعبية في المنطقة قد سحقت من قبل الجيل الجديد من رجال الشرق الأوسط»، ويؤكّد هذا الموقف قيام دولة الإمارات ومملكة البحرين بفتح سفارتيهما في دمشق تباعا. وتتّجه الأنظار إلى تونس في انتظار قرار مماثل تطالب به النخبة السياسية، والعلاقة الرمزية بين أزمة سوريا والربيع العربي تجعل من عودة المياه إلى مجاريها بين تونس ودمشق أمرا على غاية الأهمية،   لا سيما أنّ المبرّرات الوحيدة التي ساقها الرئيس التونسي المؤقّت أثناء حكم الترويكا لتبرير قطع العلاقات مع سوريا كانت قائمة على الاتّهامات الموجّهة للنظام السوري بانتهاك حقوق الإنسان وقمع «ثورة الشعب السوري السلمية» وهو ما قد يعتبر من منظور آخر تطفّلا على الشــــأن الداخلي السوري وذريعة واهية للاصطفاف بشكـــل تلقـــائي غير مشـــروط وراء «أصـــدقاء سوريا».

أزمة تلد أخرى

في واحدة من أندر الاعترافات السياسية، قال حمد بن جاسم رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية السابق في مقابلة مع تلفزيون قطر إجابة عن سؤال يتعلّق بموقـــف بلاده مــــن الأزمة الســـورية: «إننا تهاوشنا على الفريسة وضاعت منّا أثناء تهاوشنا عليها»، وقال إنّ بلاده تسلّمت الملفّ السوري منذ اللحظات الأولى بتفويض سعودي وأنّها لا ثأر لها مع بشار الأسد، لكنّ الدول الخليجية التي غيّرت موقفها منه قامت بذلك بشكل منفرد وخارج منظومة مجلس التعاون. ويأتي هذا التصريح في سياق دفع تهمة « تمويل الإرهاب» التي تعتمدها الإمارات والسعودية والبحــرين ومصر ذريعة لاستمرار مقاطعتها قطر، وقد أكّد فيه أنّ كلّ المساعدات اللوجيستية التي تلقّتها «جبهة النصرة» كانت عن طريق تركيا والولايات المتحدة دون أن يستبعد إمكانية حــــدوث خطأ مـــــا في تقـــدير عــــلاقة هـــذا الفصيل أو ذاك بتنظيم القـــاعدة.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الرواية التي تعتبر الملف السوري جوهر الأزمة الخليجية، فإن عودة سوريا إلى مقعدها العربي يهدف كذلك إلى عزل الموقف القطري، فقطر هي الدولة الوحيدة التي ماتزال تطالب بحل سياسي في سوريا على أساس «مقرّرات جينيف الأولى» والتي تقترح خارطة طريق لانتقال سياسي سلمي شامل، وهي الوحيدة التي ما تزال تربط حلّ الأزمة بما تسمّيه « محاسبة مجرمي الحرب» لأنّ إفلاتهم من العقاب «سيؤثر على سلوك الأنظمة الديكتاتورية في المستقبل تجاه شعوبها في غياب أيّ رادع»

والربيع العربي من هذا المنظور يمثل عمق الأزمة الخليجية وامتدادها التاريخي إلى حدود العام 2011 بما ينزع عن الثورات تلقائيتها ويجعلها في ضوء نظريّة المؤامرة منصّة مفتعلة لتصعيد الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم، قبل أن تنزع التجربة العملية عن فكرة «الإسلام السياسي المعتدل» مشروعيتها ووجاهتها. وتؤكّد هذا الطرح الثورة السورية ذاتها التي يقال إنّها قد انطلقت في شكل «احتجاجات سلمية جابهها النظام بالقمع الشديد» بينما كانت جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في سوريا قد بادرت منذ لحظة سقوط زين العابدين بن علي إلى توجيه رسالة إلى بشار الأسد تدعوه فيها إلى «الاتّعاظ بالتجربة التونسية» مهدّدة بالعصيان المدني للمطالبة بحقوق الشعب السوري.

لكنّ الأزمة تطوّرت في سوريا خلال سبع سنوات من ثورة تطالب بإسقاط النظام إلى حرب ضدّ الإرهاب وامتدّت رقعة الحريق لتلتهم بشكل يبدو شبه نهائي منظومة مجلس التعاون الخليجي التي ظلّت على امتداد أكثر من ثلاثة عقود التكتل الإقليمي العربي الأقوى. لتكون المحصلة النهائية للربيع العربي قبل إسدال الستار رغم الانتقال الديمقراطي الطفيف في تونس وضعا عربيا أكثر ضعفا وتفكّكا من أي وقت مضى.

عامر بوعزّة

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.