شؤون وطنية - 2018.12.31

منجي الزيدي: في السّحر والتّنجيم والشّعوذة

في السّحر والتّنجيم والشّعوذة

تتمتّع ظواهر السّحر والتّنجيم واستطلاع الغيب باستمراريّة تاريخيّة، فهي قادمة من عصور بعيدة ولها في أيّامنا سوق نافقة، في عالم يُفترض أنّه يقوم على العقلانيّة والعلم والحداثة. لا بل أكثر من ذلك لقد أضحت صناعة لها تقنياتها ومسالكها الاقتصاديّة والثقافيّة والإعلاميّة. وهي في الواقع تستهوي كل فئات المجتمع. فلا تعجبنّ من رئيس دولة يستفتي مُنجِّمًا... ولا من رجل أعمال يترك حواسيبه وخبراءه ويهرع إلى قارئة كـفٍّ تشير عليه في أصعب اختياراته...ناهيك عـــن المترشّح لوظيفة أو المتقــدّم إلى امتحـــان أو المُقبل على أمـــر جلل. إنســـان الألفيّة الثّالثة لا يختلف عن سلفه البدائيّ في انجذابه للقوّى الغامضة والطّلاسم المعقّدة واعتقاده في الرؤيا والحظّ واستحضار الغيب والفأل والتّطيّر والعين... ذلك أنّ هناك دائما منطقة ظلٍّ غامضة منفلتة عن المعرفة الحسيّة والتّفكير العلميّ الخالص!

تطوّر العقل البشريّ وبلغ من المعرفة والعلوم شأنًا كبيرًا. وتعاظمت قدرة الإنسان على فكّ الكثير من أسرار الكون، وارتفعت كفاءته في تسخير الطّبيعة لفائدته والسّيطرة على جانب كبير من قوّتها القّاهرة. ولكنّه مع ذلك لم يُؤتَ من العلم إلاّ قليلا. وهو لا يزال يقف حيرانًا وعاجزًا أمام ألغاز عديـــدة. وما زالت تعوزه القدرة على مجابهة صروف القدر الجارفة التي تباغته من حيث يدري ومن حيث لا يدري. لذلك نراه لا يطمئنّ كثيرا إلى ما استنبطه التفكير العقــلانيّ، ولا يجد في ما تقدّمه المعرفة الموضوعيّة ما يُشفي غليله ويُنير سبيله، فيلتمس طريقاً له في مسالك معرفة فوق طبيعيّة وفوق عقليّة، أي في معرفة خارقة قادرة على اجتياز حاجز الغيب والاطّلاع على خباياه.

إنّ الإنّسان يعيش منذ الأزل قلقاً وجودياً. فهو جاء ولا يدري من أين أتى، وقد أبصر قدّامه طريقا فمشى، وسيظّل ماشيًا فيه شاء ذلك أم أبى. كما أنّه قد خُلق هلوعاَ إذا مسّه الضّر جزوعاَ. لا يملك لنفسه حيلة أمام المجهول، ولا حول له لا قوّة أمام الأقدار. يجد في الدّين ما يفتح البصيرة ويشرح الصّدر ويبعث الصّبر ويقوّي العزيمة، ويجد في الفكر والعلم ما يُجلّي الغموض وينير السّبيل ويُصلح البال، ولكنّ الإنسان خُلق ضعيفًا عجولاً وكان أكثر شيءٍ جدلاَ.. على قلقٍ كأنّ الرّيح تحته.. لسان حاله يقول في وقت العجز هذا جناه عليّ أبي. هو بطل إشكاليّ في ملحمة وجوديّة يمتزج فيها الضّعف بالقوّة والشّك باليقين يضجّ بداخله سؤال: أكون أو لا أكون؟

من جــانبها أكّــــدت العلوم الاجتماعيّة والانتروبولوجيّة أن السّحر والتّنجيم من أقدم مسالك المعرفة وأنّها سابقة للأديان، وهي من أوّل أشكال التّقرّب إلى القوى القاهرة والغامضة. ولئن أكّد ابن خلدون أنّ ما يرتفع بالإنسان عن الحيوان هو العقل التمييزيّ والعقل التجريبيّ والعقل النظريّ، فإنّه أقر بوجود جملة من العلوم والصّنائع التي لها قدرة على ما أسماه «كشف حجاب الحسّ»، وهي من الصنائع القديمة والعلوم المهجورة عند الشرائع لما فيها من الضّرر والفساد.

وقد صنّف ابن خلدون هذه العلوم والصّنائع إلى السّحر والطلسمـــات والشّعــوذة (أو الشّعبذة). واعتبر السّحـر رياضــة «تكون بالتّوجُّه إلى الأفــــلاك والكواكب والعوالم العلويّة والشّياطين بأنواع التّعظيم والعبادة والخضوع والتذلّل»... أمّا صاحب الطلسمات فإنّه «يستعين بروحانيّات الكواكب، وأسرار الأَعداد، وخواصِّ الموجودات، وأوضاع الفَلك المؤثّرة في عالم العناصر». وأمّا الشّعوذة فهو فعل «تأثيرٍ في القوى المُتخَيِّلة» أي إيهام الشّخص بأنّه يرى شيئاً وهو في الواقع غير موجود. وأمّا أصحاب صناعة التنجيم فهم يزعمون «أنّهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها... فتكون بذلك أوضاع الأفلاك والكواكب دالّة على ما سيحدث... «لقد كان ابن خلدون سبّاقا في التفطّن للظواهر ما فوق الحسية التي تعتني بها في العصر الحــديث البارابسيكولوجيا Parapsychologie. وهي علم يهتـــمّ بمجالين: الأول يعرف بـ Psychokinésie ويُعنى بدراسة القدرة التي يمتلكها ظاهريا كائن بشري للتأثير في الأشياء والأحداث والأشخاص المحيطين به دون استخدام بنيته العضليّة. أما الثّاني فيُعرف بالإدراك ما فوق الحسّي: Le phénomène de perception extra-sensorielle EPS ويهتمّ بالمَلَكة التي يتمتّع بها ظاهريا كائن بشري للحصول على معلومات دون استخدام الحواس الخمسة ودون الحاجة إلى التّفكير المنطقيّ. ويضمّ هذا المجال الثانيLa Télépathie أي إمكانية تبادل الأفكار والخواطر بين شخصين أو أكثر دون الحاجة للتواصل المباشر، وكذلك Clairvoyance La ويقصد بها الحصول على معلومات عن أشياء وأماكن وأحداث وأشخاص دون واسطة حسّية، وأخيرا Précognition La وتعني استبصار أحداث مستقبلية.

والواقع أنّ ابن خلدون قد أشار منذ أكثر من ستة قرون إلى أنّ هذه الظّواهر والممارسات تقوم على ما أسماه أثار النّفس الإنسانيّة. ذلك بأنّها تقوم بوظيفة تعويض وتنفيس. إذ الإنسان الحائر أمام معضلات الحياة والعاجز أمام محنها يلتمس لنفسه إجابات وحلولا وتطمينات في عالم الأفلاك والأبراج والتمائم والتعويذات، وقد يستوي الجميع في ذلك من فقير وغني ومتعلم وجاهل .كما أن المسألة لا تقاس بدرجة الإيمان الديني أو اعتناق التفكير العلمي ...فهناك منطقة شكّ وغموض كامنة في أعماق النفس تحتاج لمن يسبر أغوارها.

ونختم بما ختم به ابن خلدون حديثه في هذا الباب بأنّ الله أعلم بما في الغيوب ومطّلع على السرائر

منجي الزيدي

أستاذ تعليم عال بجامعة تونس

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.