أدب وفنون - 2018.12.28

في الدّفاع عن الذّاكرة الموسيقيّة والـغــنائــيـّــة الجـماعــيّـة

في الدّفاع عن الذّاكرة الموسيقيّة والـغــنائــيـّــة الجـماعــيّـة

لو بحثنا في شروط القدرة على الاستمرار والتّطوّر لدى الشّعوب، لوجدنا من بينها، وليس أقلّها تماسك الشّخصيّة الثّقافية الضّامن للصمود في وجه رياح العصر المهدّدة للهويّات؛ ولعلّ التّقاليد الموسيقيّة المشتركة من أبرز مظاهر الهويّة الثّقافيّة لمجموعة بشريّة ما بصرف النّظر عمّا يبدو من تفاوت اجتماعي بين فئاتها وما قد يشقّها من اختلافات داخلية. ويأتي التّراث اللاّمادي في طليعة تلك التّقاليد ومنه الغناء الذي  ينتجه الشّعب تلقائيّا من أغان شائعة لا يُعرف مؤلّفوها أو من إبداعات للقدامى نفذت إلى وجدان النّاس وجرت على ألسنتهم فباتت تراثا مشتركا بينهم. ويعكس الغناء بهذا المعنى فرادة المجموعات البشريّة معبّرا عن وجدانها العميق في بساطة وتلقائيّة وهو ما قد لا يتوفّر للموسيقى المتقنة أو «الكلاسيكيّة» الخاضعة لقواعد ثابتة وقوالب مستقرّة؛ كما يبدو التّراث الغنائي الجماعي أبلغ تعبيرا عن الشّخصيّة الأصيلة للمجتمع من الإبداعات الفرديّة التي وإن علت قيمتها، تظلّ  محكومة بأحوال أصحابها ورؤاهم الذّاتيّة؛ فإن تقلّص ذلك التّراث أو تلاشى فهو النّذير بتفكّك الهويّة وذوبانها والدّخول في متاهات الاغتراب.

المعلوم أنّ الأمم المعنيّة بالحفاظ على شخصيتها الحضاريّة لا تألوا جهدا في رعاية تقاليدها الموسيقيّة والحرص على إحيائها ونشرها في مواجهة الأنماط الدّخيلة. ومن تلك التّقاليد ما اجتاز حدود منبته الأصليّ إلى العالميّة مثل غناء «الفلامينكو» الإسباني و«الفادو» البرتغالي و«بوليفونيات» كورسيكا ومجموعات الكورال بلاد الغال البريطانيّة و«الرّاي» الجزائري وغيرها؛ وكلّها  نتاج من إرث الماضي كُتِبت لها حياة جديدة وانتشرت على نطاق واسع بفضل جهود واعية وسياسات حكيمة؛ وإذا كان الأمر كذلك في الخارج فما هو وضع تراث الغناء الشّعبيّ والموسيقي التّونسي وكيف نتعامل معه وأيّ آفاق له في العالم المعاصر؟

عندما يفقد الشّعب القدرة على الغناء

في ما مضى من الزّمن، كان تراثنا الغنائيّ الشّعبيّ الحضريّ والرّيفيّ بالغ الثّراء والتّنوّع، فمنه ما كان  يختصّ بحفلات الزّفاف والختان وغيرها من المناسبات ومنه ما يرافق النّشاطات والأعمال اليوميّة فلا تكاد تخلو مدينة أو قرية من غناء مُتَوارَثٍ كابرا عن كابر يميّزها ويطبع العديد من مظاهر حياتها ويلقّنه الأفراد والجماعات تلقائيّا. لقد كان لذلك الفنّ التّلقائي حضور في البيوت والشّوارع والسّاحات العامة والأرياف والمناطق الصّحراويّة، وظلّ لقرون طويلة يخبر عن وجدان الإنسان ويترجم عن أحواله في الأحزان والأتراح ويصاحبه منذ الولادة بدءًا بأغاني «التّربيج» إلى أهازيج الختان إلى تعليلات الزّفاف وانتهاء بالمراثي بعد الوفاة؛ فما الذي أسكت تلك الأصوات في الحاضر وكيف فقد الشّعب القدرة على التّعبير بالغناء وانتهى إلى وضع المردّد لما تبثّه الإذاعات الصّوتيّة والمرئيّة ولما يتلمّسه في التّسجيلات ممّا ينتجه المهنيّون من المطربين والموسيقيين؟!

أصوات تحنّ إليها شوارع المدينة

من ذلك التّراث أغاني وموسيقى الشّوارع ما كان يضفي مظهرا احتفاليا على المدن في الأعياد والمناسبات مثل استعراضات فرق الموسيقى النّحاسيّة في الطّرق وتجوال الطّبّال والزّكّار  ومجموعات السّود في الأزقّة ورقصات «بوسعديّة»، وكذا الملاحم الشّعبيّة التي ينشدها «المدّاحة» موقّعين على البندير أمام البيوت أو في ساحات الأرباض بأحياء «الحلفاوين»  و«المركاض»، إضافة إلى أغاني المهن والعمّال والباعة ودعابات الشّعراء الجوّالين المليئة  بالتّلميح والغمز في ارتجاليات «سلاّك الواحلين»، وأهازيج الأطفال في «هلاّلو» مواكب الختان وما يبدعه خيالهم من أغنيات ذات معان طريفة غريبة. واللاّفت للنّظر أنّ من المتسوّلين من كان يستعطف المارّة بأصوات رخيمة منغّمة حسب الطّبوع (المقامات) الموسيقيّة المحلّية بل أنّ بعضهم كان يستعمل الآلات الموسيقيّة كالبندير أو القُوٌقَيْ (وهو آلة وتريّة من أصل إفريقيّ تعزف بقوس مجرور) لنيل الصّدقات.

تراث عريق في حاجة إلى الإحياء

كانت الأفراح والمناسبات الاجتماعيّة والدّينيّة الأخرى مجالا فسيحا للتّعبير الغنائي الشّعبيّ وقد أنتج ذلك تراثا غنيّا جمع بعضا منه المرحوم محمّد الصّادق الرّزقي في كتابه «الأغاني التّونسيّة، ولم يبق منه اليوم غير بعض النّماذج مثل«التّعليلات» التي تستهلّ بها الفرق الموسيقيّة حفلات الأعراس وتختم متعجّلة  وكانت من قبل  فقرات متنوّعة تُغنّى طيلة أيّام إعداد الأفراح  في المدن والقرى والأرياف على السّواء. ومن ذلك التّراث ما أنتجته الرّوح الشّعبيّة من أشكال أصيلة مثل فنّ «الرّْبَابِيّة» و«الرّبوخ» القديم (الذي كان من آلاته «الفحل» و«المندولينة») و«العروبيّات» و «الفوندو» (ومنه أغاني «انزاد النبي وفرحنا بيه» و«شوشانة» و«شرقي غدا بالزّين» وغيرها) وهو نمط محلّي أصيل كان سائدا عندنا قبل أن تهاجمه التّأثيرات الآتية من المشرق متسبّبة في سيطرة أغنية المنّوعات (chanson de variétés) الدّخيلة على الذّائقة العامّة.

وقِسْ على ذلك ما اعترى الإنشاد الدّيني كالذّكر والمديح والابتهالات إذْ أُفْرِغَ من وظائفه الاجتماعيّة والرّوحيّة القديمة ليصبح مجرّد مادّة مهرجانيّة فرجويّة وكان من الأحرى تطوير صيغه بما يحفظ له حيويّته القديمة في الجسد الاجتماعيّ ويضمن له وجودا متميّزا في الزّمن الحاضر على غرار تقاليد الإنشاد الدّيني في الثّقافات الأخرى، التي حقّقت انتشارا عالميّا مثل غناء السّود الأمريكيين (Gospel) والأناشيد الصّوفيّة المولويّة في تركيا ومدائح «القوّالي» في الثقافة الهندية الإسلاميّة.

أغاني الرّيف في الذّاكرة الواهنة

كما يُلاحظ عزوف متزايد عن الغناء التّقليدي داخل البلاد بفعل الأشكال الجديدة المحلّية أو الدّخيلة التي تكاد تطيح بأنماط أصيلة مثل «الطّرخاني» و«الرّكروكي» و «الملالية» أو «الملولية» و«الطَّرْقْ» في غرب البلاد، وفنّ «الغنّاية» أو «الإدْبَة» الذي تتخلّله مساجلات شعريّة في قرى السّاحل وريفه؛ كذلك فنّ «الصّالحي» و«الـبُرّاش» وهو من أغاني النّساء، و«المـْهَاجاةْ» المنحدرة من الحداء العربي في الجنوب. ولعلّها تسميات تبدو الآن غريبة لغالبيّة من التّونسيين التّونسي ولا نجد لها ذكرا إلاّ في بعض الكتابات الأكاديميّة وقد كانت من قبل شواهد على تراث حيّ  يعمر الوجدان التّونسيّ واندثر اليوم إلاّ ما بقي منه ما يُنظَّمُ من مناسبات نادرة أو ما يثوي في زوايا ذاكرة واهنة.

الأغنية سجلّ تاريخيّ

لقد ولّى زمن كان فيه التّراث الغنائيّ في عموم مناطق البلاد واقعا حيّا وتعبيرا بليغا عن الذّات الجماعيّة يترجم عن تجربتها المعيشة ويرسم لها صورة أمينة في صراعها مع الحياة بل قد يؤرّخ لما يطرأ عليها من أحداث مثلما تشير إليه أغنية «خمسة اللّي لحقوا بالجّرة ملك الموت يراجي» في رثاء مقاوم الاحتلال الفرنسي محمد الدّغباجي، ومرثيّة «برّا وايجا وما تردّ أخبار على الجرجار» التي قيل إنّها في الأصل رثاء والدة المنّوبي الجرجار لابنها وهو من المناضلين الذين أعدمهم الاستعمار الفرنسيّ على إثر حوادث الجلاّز (1911)؛ كما نجد صدى للحدث التّاريخي في غناء «المدّاحة» الجوّالين مثل مرثيّة «كيف جانا خبر الممات قصدنا ربّي في فرحات» التي تروي اغتيال البطل الوطني النّقابي فرحات حشّاد.

تجديد الغناء الشّعبي في مواجهة الاغتراب الثّقافي ولقائل أن يقول إنّ لكلّ عصر تعبيراته وأشكاله الغنائيّة وإنّ من طبيعة التّحوّلات التّاريخيّة أن تذهب بما ألفه النّاس فيستحدثون أشكالا أكثر تلاؤما مع ظروف حياتهم الرّاهنة. غير أنّ ذلك القول مردود لأنّ التّراث الغنائي الجماعي قيمة أساسيّة في حياة المجموعة لا ينبغي إهمالها ضمانا لاستمرار الذّات الجماعيّة وأنّ في إهماله هدرا لجانب من رصيدها الرّمزي يشهد على تحلّلها واغترابها. هذا وإنّ المشكلة ليست تلاشي بعض المضامين والأشكال الغنائيّة القديمة ذاتها، فتلك من طبيعتها التّحوّل انسجاما مع تغيّر ظروف الحياة، وإنّما في غياب الشّروط الضّامنة لقدرة المجموعة البشريّة على الاستمرار في الإبداع الجماعي والوعي بضرورة صيانة ذاكرتها المتوارثة بقدر المستطاع لأنّها الكفيلة وحدها بتأهيلها لإنتاج مضامين متجدّدة.

قد يقال إنّ بعض التّراث الغنائي محفوظ في المصنّفات المكتوبة أو المسّجّلة ولا خوف عليه من الضّياع، غير أنّ ما جُمِعَ منه ليس سوى أرصدة لا تأثير له في الحياة المعاصرة وليس أدلّ على ذلك من تراجع الاهتمام به عند الأجيال الصّاعدة التي يغلب عليها الولع بالغناء الدّخيل من الشّرق أو الغرب. ولنا أسوة في ما تتّخذه الأمم من سياسات للذّود عن تراثها الماديّ والمعنويّ ونشره واستنباط الحلول لمواجهة أشكال الغزو الثّقافي الخارجي الذي يسعى في غفلة منّا إلى تفتيت شخصيّتنا الحضاريّة حتّى لا يبقى لنا حضور ولا صوت في العالم المعاصر.

علي اللواتي

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.