شؤون عربية - 2018.11.23

من أسرار نجاح تركيا في تعزيز حضــورها فــي القــارّة السّمراء

من أسرار نجاح تركيا في تعزيز حضــورها فــي القــارّة السّمراء

عندما سافرت إلى إسطنبول لحضور «منتدى الاقتصاد والأعمال التركي الإفريقي» الذي انعقد في طبعته الثانية، يومي الأربعاء والخميس 10 و11 أكتوبر 2018 بإسطنبول، كانت غايتي من الحضور محاولة معرفة أسرار نجاح تركيا في تعزيز حضورها في القارّة السمراء، في غضون فترة يمكن اعتبارها قصيرة، حيث أنها لا تتجاوز العقدين من الزمن.

فلقد تضاعف حجم التبادل التجاري بين تركيا وبين بلدان القارّة خمس مرّات فيما بين سنتي 2003 و2018، (ارتفع من 3.7 مليار دولار سنة 2003 إلى 20.6 مليار دولار سنة 2017)، وقدّرت قيمة الاستثمارات التركية المباشرة في إفريقيا، خلال السنوات القليلة الماضية بـ 6.5 مليارات دولار، وقد تولّى المقاولون الأتراك إنجاز 1150 مشروعا بقيمة 65 مليار دولار في دول إفريقية مختلفة، بينما أصبحت الخطوط الجويّة التركية تطير اليوم إلى 51 وجهة في 33 بلدا إفريقيا وهي تعمل على زيادة عدد رحلاتها إلى بلدان القارّة، حتّى تسهم في تيسير التنقل، عبرها، بين الدول الإفريقية وبين جميع أنحاء العالم...

وفي ضوء ما شهدت وسمعت خلال أعمال المنتدى الذي افتتحه الرئيس رجب طيب أردوغان بحضور نظيره الأثيوبي مولاتو تشومي ورتو، ورئيس مفوّضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي محمد، وبمشاركة وفود من 49 دولة إفريقية، يمكنني تلخيص هذه الأسرار فيما يلي:

1 ـ التساند بين إرادة السياسي وحركية الاقتصادي

يتجلّى السّند الذي يقدّمه رجل السياسة لرجل الاقتصاد في جملة من التدابير التي اتخذتها الحكومة التركية والتي يتمثّل أهمّها في تعزيز الحضور الدبلوماسي التركي في إفريقيا، حيث باتت تركيا اليوم تتوفّر على سادس أوسع شبكة دبلوماسية في إفريقيا على الصعيد العالمي، إذ ارتفع عدد بعثاتها الدبلوماسية من 12 سنة 2009 إلى 42 بعثة حاليا... كما يتمثّل في قيام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ صعوده الى سدّة الحكم، بـ 24 زيارة رسمية إلى عدد من الدول الإفريقية، وفي الدعم السنوي (بقيمة مليون دولار) الذي شرعت تركيا منذ 2009 في تقديمه لموازنة الاتحاد الإفريقي، بعد أن أصبحت  سنة 2008 شريكا استراتيجيا له.

ومن تجليات السند السياسي أيضا رعايةُ الدولة التركية للعديد من التظاهرات الهامة على غرار «منتدى الاقتصاد والأعمال التركي الإفريقي» وخاصّة «قمّة الشراكة التركية الإفريقية» التي ينتظر ان تنعقد دورتها الثالثة خلال السنة القادمة في إسطنبول... وقيامُ مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي بإنشاء مجالس أعمال مع 43 دولة إفريقية، ومبادرة الحكومة التركية بتوقيع اتفاقيات للتعاون التجاري والاقتصادي مع 46 دولة إفريقية، وإمضاء اتفاقيات لتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة مع 28 دولة، واتفاقيات تجارة حرّة مع 5 دول، واتفاقيات لمنع الازدواج الضريبي مع 12 دولة...

وفي حيــن يتــــولّى «بنك أكسيـــــم التركي» (EximBank Turquie)، في إطار جهوده الرامية إلى تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع القارة، بتوفير التمويل التجاري والقروض لمشاريع البنى التحتية في إفريقيا، تقوم عدّة وزارات تركية على غرار وزارة الزراعة ووزارة التعليم بتنظيم مؤتمرات تركية إفريقية قطاعية لتدعيم التعاون في مجالات اختصاصها.

ومن ناحية أخرى، تبذل تركيا مجهودا كبيرا على صعيد دعم التنمية في البلدان الإفريقية، سواء من خلال استقبال آلاف الطلبة الأفارقة في جامعاتها (قدّمت تركيا منذ سنة 1992 إلى اليوم منحا دراسية للبكالوريوس والماجستير والدكتوراه لأكثر من 8 آلاف طالب من إفريقيا)، أو من خلال المشاريع ذات الطابع الإنساني، حيث افتتحت عدّة مستشفيات في عدد من الدول الإفريقية، وقد أصبحت وكالة التنسيق والتعاون التركية (تيكا) تتوفّر على 21 مكتبا لتنسيق البرامج في إفريقيا، تدير من خلالها مشاريع تركّز على التنمية المستدامة طويلة الأمد من خلال إنشاء البنى التحتية وتوفير فرص العمل ودعم الشباب والنساء.

وقد ساعد مجمل هذه التدابير وغيرُها على خلق بيئة ملائمة لعمل رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمقاولين والمستثمرين الأتراك في إفريقيا، وممّا يدلّ على ذلك إقبال الأفارقة على «منتدى الاقتصاد والأعمال التركي الإفريقي الثاني» الذي شهد مشاركة أكثر من 30 وزيرا، وحوالي 1000 رجل أعمال من 49 دولة إفريقية في أشغاله...

2 - جاذبية الخطاب السياسي التركي المُوَجَّه إلى القارة الإفريقية

في الكلمة التي ألقاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في افتتاح أشغال «منتدى الاقتصاد والأعمال التركي الإفريقي الثاني»، أعاد التأكيد من جديد على ما تعتبره أنقرة المبادئ الأساسية التي تبني عليها نظرتها إلى إفريقيا وإلى العلاقات مع بلدانها.

ويأتي في مقدّمة هذه المبادئ أنّها لا تعتبر القارّة الإفريقية مجرّد سوق لبضائعها، أو مصدرا للموارد الطبيعية، وإنما تعتبرها شريكة، وتتعامل معها على أساس التكامل والنموّ المشترك...

ويستتبع هذا النهج الأخذ بمبدإ ما يصطلح عليه بعبارة «أَرْبَحُ وَتَرْبَحُ»، وما أسمّيه شخصيا مبدأ «النفع العميم» أي النفع الذي يعمّ المُتَعَاوِن والمُتَعَاوَنَ معه.

وكلّما أتيحت له الفرصة، يحرص الرئيس رجب طيب أردوغان على التأكيد على أنّ «نظرتنا تجاه إفريقيا لم تكن بتاتا مثل نظرة المستعمرين الذين قدموا إلى هذه المنطقة، ولن تكون بهذا الشكل بتاتا»...

وتجدر الملاحظة أنّ الأتراك يحبّون أن يردّدوا على مسامع الأفارقة «أنّهم يمتلكون 150 ألف وثيقة عن القارة الإفريقية تؤكد على أنّ تركيا ليس لديها مــاض استعماريّ في القــــارّة»، كما يحبّـــون، لا سيما في هذه المرحلة التي تعاني فيها بلادهم من توتّر علاقاتها مع الولايات المتحدة، ومن الضغوط الأمريكية التي أدّت إلى تهاوي عملتهم الوطنية بأكثر من 40 في المائة من قيمتها، التأكيد على أنّهم يريدون التحرّر ومساعدة أصدقائهم الأفارقة على التحرّر من الهيمنة الاقتصادية الغربية الجائرة.

وفي هذا السياق يتنزّل تأكيد الرئيس التركي على أنّ «الأتراك والأفارقة نالوا حريتهم بأرواح ودماء أجدادهم وآبائهم وليس بإحسان قوى معينة»... وعلى أنّ «الكفاح الذي خضناه في سبيل استقلالنا السياسي، ليس إلاّ نفس الكفاح الذي نخوضه اليوم من أجل استقلالنا الاقتصادي».

وفكرة التحرّر الاقتصادي فكرة تتردّد على ألسنة السياسيين والاقتصاديين الاتراك على حد سواء، فهم يؤكدون باستمرار أن تركيا بما تملكه من خبرات ومن مهارات ستكون في عـــونهم على تحقيـــق أهـــدافهم التنمـــوية وعلى الاستفادة من ثروات بلدانهم ومـــواردها الطبيعية في تحسين ظروف عيــش شعـــوبهــم.

ومن بين الوسائل التي يبدو أن أنقرة تتّجه إلى استخدامها مستقبلا، في هذا المجال، الوسيلة التي دعا الرئيس التركي جميع أصدقائه وأشقّائه الأفارقة إلى اعتمادها من خلال «القيام بأعمال مشتركة بالعملات الوطنية.»

وقد وجدت هذه الدعوة ترحابا من الوفود الإفريقية التي تعاني بلدانها، مثل تركيا، من تقلبات أسعار العملات الأجنبية وخاصّة سعر الدولار الأمريكي، لأسباب، في أحيان كثيرة، لا علاقة لها بالاقتصاد.
وللتدليل على صدقية النهج التركي، يستشهد الأتراك بما يبذلونه من أموال وما تقوم به المؤسسات التركية ذات الطابع التنموي والإنساني او الخيري في القارّة الإفريقية من أنشطة تنموية، خاصّة على صعيد إنشاء البنى التحتية، وتوفير فرص العمل، ودعم الشباب والنساء، إلى جانب استقبال آلاف الطلبة من مختلف الدّول الإفريقية في جامعاتهم.

وواضح أن هذا الخطاب نجح في تسويق الصورة الإيجابية التي تريد تركيا ترويجها عن نفسها في القارة السمراء، غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يحجب عن الأنظار أنّ لتركيا جملة من المصالح الاستراتيجية التي تسعى الى تحقيقها من خلال عملها على تنمية علاقاتها مع إفريقيا، وتوسيع نطاقها لتشمل كافّة المجالات بما فيها المجالان الأمني والعسكري.

فتركيا كقوّة إقليمية صاعدة باتت اليوم تطمح الى الاضطلاع بدور أكثر فعالية على المستويين الإقليمي والدولي، حتّى توازن به أدوار القوى الإقليمية الأخرى في افريقيا وفي غيرها من مناطق محيطها الحيوي.

ويبدو حسب ما يراه الملاحظون أنّ تركيا التي تعمل على تلبية مجمل حاجاتها الاقتصادية والجيو-استراتيجية، طوّرت مقاربتها لعلاقاتها مع القارّة السمراء، حيث دعّمت الجهود التي تبذلها بواسطة «قوّتها الناعمة أو اللينة» بتحرّكات «قوّتها الخشنة أو الصلبة»، حتّى ترسّخ تموقعها على الساحة الإفريقية، وحتّى تحمي المصالح التي أنشأتها ونمَّتْها فيها على امتداد العقدين الماضيين، لا سيما من خلال الحضور الأمني والعسكري خاصّة في منطقتي القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

3 ـ حديث الاقتصادي ودوره في تعزيز الشراكة التركية الإفريقية

في مقابل الدور الذي يضطلع به السياسي، والخطاب الذي يعتمده من أجل مساندة جهود الاقتصادي الرامية إلى التموقع في الفضاء الإفريقي، يضطلع الاقتصادي بدور أساسي في تجسيم أهداف الاستراتيجية التي وضعها السياسي من أجل خلق وتعزيز شراكة تركية إفريقية فعلية وفاعلة...

ومن خلال الشهادات التي تمّ تقديمها خلال أعمال المنتدى، يتّضح أنّ «المفاتيح» التي تمكّن رجال الأعمال والمستثمرون والمقاولون وأصحاب الشركات الأتراك بفضلها من تسطير قصّة نجاح حقيقية في إفريقيا، بالرغم من المنافسة الشرسة التي يجدونها، سواء من الدول الكبرى أو من الدول الصاعدة كبلادهم، أربعة، وهي المرونة، والصبر، والحضور الميداني (لمعالجة الإشكالات الطارئة على الفور) وسرعة اتخاذ القرار لكي يسبقوا غيرهم ولا يسبقهم...

وإلى ذلك فإنّ رجال الأعمال الأتراك أدركوا جيّدا حقيقة أنّ بناء المصالح الاقتصادية لا يتمّ بين عشية وضحاها بل يحتاج الى سنوات طويلة من المداومة والمثابرة، وفي بعض الأحيان، حتّى المجازفة المحسوبة بالدخول إلى أسواق يتحاشى غيرهم الدخول إليها لعدم استقرارها.

أمّا «الإضافة» التي يقولون إنّها تميّزهم عن غيرهم، والتي يفاخرون بها فهي أنّهم، كما يعلنون، يحرصون على إضفاء بعد انساني اجتماعي على المشاريع التي ينجزونها...

4 ـ توظيف البعد الديني في الشراكة التركية الإفريقية

إن انعطافة تركيا الإفريقية هي بالأساس، من صنع حزب العدالة والتنمية الذي تأسّس سنة 2001 على أنقاض حزب الفضيلة المنحلّ، وصعد إلى الحكم بقيادة رجب طيب أردوغان سنة 2002 فوضع القارّة السمراء في سلّم أولويات الدولة التركية.

وتعلن تركيا صراحة أنّها تريد أن تتصالح مع ذاتها الحضارية الإسلامية، وأنّها تعتزّ بماضيها العثماني وتريد إحياء تراثه، وهي لا تخفي حرصها على توظيف العامل الديني في بناء وترسيخ أركان شراكتها مع إفريقيا، حيث يؤكد منظّر السياسة الخارجية التركية الجديدة أحمد داود أوغلو في كتابه الشهير «العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية»، أنّ تركيا تمتلك، في توجّهها نحو القارّة السمراء، مزايا تتقدّم بها على عدّة دول أخرى، ومن هذه المزايا أنّ لديها مشتركات دينية وثقافية مع عدد من الدول الإفريقية.

ومن هذا المنطلق حرصت أنقرة على الاستعانة في تحقيق أهداف استراتيجيتها الإفريقية بـ»منظمة التعاون الإسلامي» التي اضطلع مواطنها أكمل الدين إحسان أوغلو بأمانتها العامّة طيلة عقد من الزمن (فيما بين سنة 2004 وسنة 2014)، اجتهد خلاله في خدمة مصالح بلاده وعمل على تفعيل دورها كدولة ذات شأن في العالم الإسلامي الذي يتألّف من سبع وخمسين دولة، عددٌ هام منها دول إفريقية.

كما أنّها لم تكن، في وقت ما، وعلى امتداد عدّة سنوات قبل محاولة انقلاب جويلية 2016، تتحرّج من الاعتماد على «جماعة فتح الله غولن» المفكّر والداعية الإسلامي الذي كان حليفا للرئيس رجب طيب أردوغان، في تعزيز حضور تركيا الإنساني والخيري في إفريقيا... على أنّ الجدير بالملاحظة أنّ الأفارقة لا يشعرون بأيّ حساسية إزاء خيارات تركيا الدينية، ويبدو أنهم تعلّموا، قبل البعض، التفريق بين الدين وبين الاقتصاد، وأدركوا أنّ الخلط بينهما عادة ما يؤدّي إلى إضاعة فرص تنموية حقيقية، وإهدار شراكات يمكن أن تعود عليهم وعلى شركائهم بالنفع العميم.

والخلاصة التي يمكـــن أن نخرج بهـــــا من كلّ ما تقدّم، هي أنّ الذهاب إلى إفريقيا يتطلّب وضع استراتيجية، أو على الأقل، خطة عمل متكاملة الأبعاد السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية وحتّى الأمنية والعسكرية، عند الاقتضاء.

ومن المهمّ أن يتمّ في هذه الاستراتيجية توظيف المشتركات التاريخية والجغرافية والدينية والثقافية والحضارية عموما، مع القارة الإفريقية من أجل تيسير بناء جسور التواصل والتعاون والشراكة مع دولها.

على أنّ التحرّك السياسي، على أعلى مستوى، في اتّجاه القارّة الإفريقية، ثنائيا وعلى الصعيد متعدد الأطراف ينبغي، أن يتسم بالمثابرة والتواصل، وهو ما يتطلّب قيادة مؤمنة بالتوجه نحو إفريقيا وفي نفس الوقت قادرة على الترحال المستمرّ إلى دولها...

على أنّ الأهم من كلّ ذلك هو البدء بتغيير النظرة الخاطئة إلى القارة السمراء، فهذه القارة اليوم، كما يؤكد خبراء المال والأعمال، من أكثر المناطق جذبًا للاستثمار في العالم، وقد باتت العديد من مناطقها ودولها قبلة للقوى الدولية والإقليمية الصاعدة الباحثة عن فرص استثمارية جديدة وواعدة...

وإذا علمنا أنّ السوق الإفريقية ليست حكرا على الشركات الكبرى كما يتوهّم البعض، وإنّما هي مفتوحة أيضا للشركات الصغيرة والمتوسطة، فإنّ ذلك يعني أنّ تونس تستطيع أن تجد لها مكانا في إفريقيا شريطة أن تتوفّر لها إرادة حقيقية في ذلك، وأن تشعر بأنّها جزء لا يتجزّأ من إفريقيا، وأن تدرك فعلا أنّ إفريقيا هي أرض الفرص الواعدة.

محمّد ابراهيم الحصايري

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.