شؤون وطنية - 2018.11.21

الديمــقـراطية الـولـيـدة والإرهـاب الــفـوضوي

الديمــقـراطية الـولـيـدة والإرهـاب الــفـوضوي

يمكن نعتُ الأعمال الإرهابية التي رافَقت الثورة التونسية بـ«الإرهاب الفوضوي» المفتقر إلى خلفية رؤيوية عميقة. حيث يبقى مقصده الأعلى تدبير عمليات استعراضية، ضمن «استراتيجية صناعة التوتّر»، تهدف بالأساس إلى إشاعة الرّعب بين الناس. ومن السخف الحديث عن منظومة إيديولوجية أو دينية، فهو من منظور سوسيولوجي أقرب إلى فعل الجريمة منه إلى فعل التّرهيب العقائدي.

صحيح يؤْذي الإرهابُ الفوضوي الديمقراطيةَ الوليدةَ، ولكن لا يُثنيها أو يشلّها، سِيما لمّا تقوم الديمقراطيات بدافع تحقيق مطلب شعبي وليس بناءً على إملاء من فوق. فعادة ما يُطلّ «الإرهاب الفوضوي» لمّا تشهد الدولة ارتبـــاكا سياسيا، وتبدّلا متســـارعا للحكـــومـــات، وتناحرا إيديولوجيا مقيتا، وتهـــافتا على غنائم التحوّل من قِبـــل سماســــرة الثورات. مسارنا السياسي الحالي هو تقريبا شبيهٌ بالمسار الذي سبقتنا فيه الجارة إيطاليا، حين كانت الحكومات لا تدوم سوى أيّام معدودات، تأتي غيرها على أمل إخراج البلاد من الأزمة الطاحنة لتقــع في المطبّات ذاتها، حتّى عُرِفت الفترة التي تنامـــت فيها ظاهـــرة الإرهــــاب الفـــــوضـــوي، والمتــــراوحـــة بـــــين 1968 و 1984، بــــ«سنــوات الرصــــاص» (Gli anni di piombo).

وكما تُبيّن الأبحاث الاجتماعية أنّ فظاظة الأنظمة السلطوية في وجــــه الحــركات الاجتماعية البــــاحثة عــن البروز؛ فضلا عن غياب تطوير سُبُل تخفّف من حدّة الصراعات السياسية، عــادة ما تدفَع إلى تفشّي ظاهرة الإرهاب. ولكن رغم غياب مثل هذه العوامل في تونس الراهنة، فإنّ العنف الدَّوري الذي يضرب بلدنا هو حاصلٌ داخل سياق ديمقراطي تتوفّر فيه فرص المشاركة للجميع عبر الوسائل المشروعة. لعلّ من هذا المأتى يمكن تعريف الإرهاب على النحو الذي عرّفت به «موسوعة تريكاني» الإيطالية بإيجاز بليغ «كونه حرْبًا مشنونة بدون قواعد». اللاّفت أن الإرهاب الفوضوي يترافق مع تطوّر العنف النسوي في الوقت الحالي. ويبدو الانخراط في هذه الدّوامة، أيّا كان شكلها وأيّا كانت مبرّراتها، منافيا لطبيعة المرأة السويّة؛ لكن التحوّل الذي دبّ في سلوكيات المرأة حتّى طبعها بالبأس والشدّة، جعلها تتطلّع بشكل مهووس للتساوي مع الذّكَر حتّى في آثامه، ولا تدّخر جهدا في اقتراف أعمال عدوانية.

الجليّ أنّ استراتيجية ضمّ النساء إلى التنظيمات العنيفة تأتي في غالب الأحيان مدفوعة بعوامل نفسية مركَّبة، تهدف أساسا إلى خَلق «بروباغندا» دعائية لا إلى بلوغ هدف حقيقي وإلحاق ضرر بالخصم. لذلك تعمل جماعات العنف على ترويج صور نساء يمتشقن السلاح، يتمتّعنَ بقدر من الوسامة والصلابة، في مَشاهد استعراضية تشبه المشاهد السينمائية أحيانا. وهي «بروباغندا» مقصودة تهدف في الآن إلى الإغراء والإغواء، ومن ثَمّ إعطاء صورة عن مظلومية القضية التي بلغت عدالتها شأوًا عظيما أن تبنّتها نساء. ولكن حين تنشد المرأة تغيير بنى اجتماعية سائدة وحرف تجربة ديمقراطية عن مسارها في ظرف وجيز، وتنتهي فيها إلى الاصطدام بالاستحالة، ترتدّ نحو شكل عدواني ضدّ ذاتها وضدّ المجتمع. في الواقع يستحوذ على الذات المنساقة إلى الإرهاب الفوضوي ما يشبه الحماس الصوفي، ينزع عن المرء قدرات التعقّل والنظر إلى الأمور برويّة وتدبّر ليعانق أفقا من التهويمات يجرّه إلى قعر الردّى. على ما ترصد أبحاث العنف، ثمّة غوايتان لاقتـراف العنف النسوي:

  • غواية معنوية، حيث تأتي المرأة أعمال العنف بدافع عقيدة دينية أو إيديولوجيا سياسية، تتماهى معها حتى ترى فيها ومن خلالها حياتها ووجودها، فيكون الدفاع الشرس عن تلك العقيدة أمرا مصيريا، إيمانا بأنّ في تواري ذلك المعتقد الذاتي واندثاره كارثة ينبغي صدّها.
  • غواية مصلحية، حيث تقترف المرأة العنف بدافع الغنيمة والمصلحة، وهو عنف يصل حدّ إزهاق النفس عبر المغامرة بالذات وإلحاق الضرر بالخصم. في هذا المسلك، عادة ما تُشكِّل المرأة عنصرا من عناصر شبكة ذات طابع مافيوزي تعمل بشكل متناسق ومتلاحم لتحقيق مآرب آنية.

في إيطاليا تفشّى العنف النسوي على النحو المشار إليه آنفا، مع جماعات عُرِفت بـ«الإيريديشيبِلي» أو (اللواتي لا تنْثَنين). فقد مثَّل انخراط اليسارية مارا كاغول في تنظيم «الألوية الحمراء»، وتولّيها مهام قيادية في صنع الرعب وتنفيذه عنوانًا بارزًا في هذا المسار. أو كذلك انخراط اليمينية فرانشيسكا مامبرو (المتهمة بتفجير محطة القطارات بمدينة بولونيا في أوت 1980) ضمن تنظيم «النواتاة الثورية المسلّحة» المتطرّف، دليلا على أنّ الانجراف للعنف هو قاسم مشترك بين الحركات المتطرّفة.

من جانب آخر يُبرز عالم الاجتماع الإيطالي إنزو باتشي أنّ اقتراف العنف في التنظيمات الإرهابية يشكّل عنصرا حيويا لبقاء الجماعة ورصّ اللحمة بين أفرادها، فعادة ما تستمدّ التنظيمات الفوضوية وجودها من بثّ الرعب وفي غيابه يتراجع تماسكها. لذلك شكّل اللجوء إلى العنف مع بعض التشكيلات الفوضوية الوجهَ البارز في تماسك بنية التنظيم. وغالبا ما يتمّ التعبير عن العنف بعدّة أشكال، يمكن حصرها في نوعين اثنين: إزهاق أرواح الآخرين وتضحية بالذّات، أي القضاء المبرم على من لا ينتمي إلى التنظيم وكذلك إماتة من ينتمي إلى التّنظيم. ففي الحالة الأولى نحن أمام مختلف أنواع الأصوليات العنيفة، التي تقترف العنف لفرض مبدإ ديني بالقوّة، تقدِّر أنّه مهدّد من عدوّ خارجي؛ وفي الحالة الثانية ندنو من حالة التحمّس للاسشهاد الفردي والجماعي، وهو بمثابة شكل لاختبار عُمق الإيمان والانتماء.

في كلتا الحالتين لا يرتهن اللجوء للعنف إلى حوافز إيديولوجية متولّدة عن رؤية لاهوتية أو دينية مميّزة للعالم، بل وإلى قاعدة تنظيمية بسيطة أيضا، ذلك أنّ قتل الذات أو تصفية الآخرين، له وظيفة تمتين اللّحمة الداخلية لجماعة الانتماء الفوضوية. وليس اقتراف العنف نحو الآخرين أو نحو الذّات عملاً عفوياً، بل يتطلّب انقلابا عميقا ومكثّفا، ينضُجُ في أعقابه اختيار طوعي للقيام بعملية القتل، وهــــو ما يعني تخطّي عتبة سيكولوجية، واجتياز حدّ أقصى، يمكن أن يكون مبرَّراً في عيني الهالِك أو الهالكة. كثيرٌ ممّن كتبوا عن ظاهرة الإرهاب تورّطوا في «بزنس» مضادّة الإرهاب، ممّا شوّه أبحاثهم وحال دون تقديم إجابات موضوعية عن الظاهرة. فلئن لم يكن الإرهاب في مجمل تشكّلاته خارجا من رحم الفكر الفوضوي (الإيديولوجي أو الديني، اليميني أو اليساري)، فإنّ فهمه ومن ثمة محاصرته ينبع كلاهما من رحم الفكر العقلاني الرصين لا الفكر المتهوّر الذي يرمي التُّهم يمنة ويسرة. ذلك هو الدور الذي ينبغي أن تتولاّه الجامعات ومراكز الأبحاث والمجلات والصحف الرصينة، ولكنّ قطاع المعرفة عندنا يبدو وكأنّه قد تحوّل إلى تكايا وزوايا عامرة بالنائم والسائم والهائم.

لِنعدْ إلى جوهر حديثنا عن الديمقراطية الوليدة وتحديات الإرهاب الفوضوي: كيف ربحت الديمقراطيات الناشئة معركة الإرهاب الفوضوي، سواء في إيطاليا أو إسبانيا أو في ماليزيا أو أندونيسيا أو في غيرها من البلدان؟ خاضت الدولة سياسة استيعاب لكافة التشكيلات الدينية والسياسية والإيديولوجية، واختارت توسيع التحالف ضدّ الإرهاب بحشد كافة الأطراف الرافضة للعنف المسلّح إلى جانبها، أيّا كانت الطروحات السياسية والفكرية والدينية، وهو ما أصاب الإرهاب في مقتل. ففي خضمّ صراعِ الدُّول مع الإرهاب تُبيّنُ التجربة -وبما يشبه اليقين- أن الديمقراطيةَ سلاحٌ فعّال في التصــدي للإرهـــاب، لا سيما حين تكون خيارا استراتيجيا لا مجرّد ديكور؛ وبالمقابل تبدو الديمقراطية أداة عاجزة عن مقاومة هذه الآفة، حين يسود التلاعب بها وتوظيفها عند الحاجة للتستّر على سياسات غير منصِفة منافية للمنطق الديمقراطي.

عز الدّين عناية

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.