شؤون عربية - 2018.11.20

عامر بوعزّة: الخليج العربي على صفيح ساخن

عامر بوعزّة: الخليج العربي على صفيح ساخن

في مؤتمر نظّمته جامعة قطر عن الأزمة الخليجية وآثارها قال خالد العطية وزير الدفاع القطري إنّ «أيّ حلّ للأزمة يجب أن يسبقه اعتذار للشعب القطري، ثم رفع الحصار، ثم الجلوس على طاولة الحوار»، وهذه أوّل مرّة يتحدّث فيها مسؤول قطري رفيع المُستوى منذ اندلاع أزمة الخليج في جوان 2017 عن «الاعتذار» بعد أن كانت الحلول والمطالبات مقتصرة على الحوار غير المشروط، في إشارة إلى رفض المطالب الثلاثة عشر التي قدّمتها السّعودية والإمارات والبحرين ومصر إلى قطر عبر الوسيط الكويتي منذ الأيّام الأولى للأزمة. يأتي هذا الموقف بعد أن تحدّث وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان لأوّل مرّة بشكل إيجابي عن قطر في افتتاح «منتدى مستقبل الاستثمار» قائلا: «إنّ أوروبا الجديدة هي الشرق الأوسط، واقتصادات دول السعودية والإمارات والأردن والكويت ومصر ولبنان وحتى قطر التي نختلف معها، ستكون غير ما هي عليه خلال السنوات الخمس المقبلة.

تطوّرت المواقف بسرعة بعد أن كانت الأطراف التي تقاطع قطر تقلّل من شأن الأزمة وتداعياتها وتلوّح بعزمها على إطالة أمدها. ويعود ذلك إلى عاملين اثنين، أولهما الضّغط الدولي المسلّط على المملكة العربية السعودية إثر مقتل الصحفي السعودي «جمال خاشقجي» داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، أمّا العامل الثاني فهو الدور الأمريكي الحاسم في تحديد سياسات المنطقة..

لا يمكن عزل قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي عن سياق أزمة الخليج لعدة أسباب، أولها أنّ هذه الأزمة بالذات تمثّل إحدى نقاط الاختلاف في وجهات النظر بين هذا الصحفي وسلطات بلاده، إضافة إلى تحفّظاته الأخرى المعلنة حول السّياسات العامة للمملكة في المرحلة الحالية، وهو الذي كان يوصَف بقربه من النظام. السبب الثاني هو انزلاق بعض وسائل الإعلام السّعودية الرسمية إلى محاولة الزجّ بقطر وتركيا في قضيّة اختفاء خاشقجي في الأيام الأولى التي أنكرت فيها السلطات السعودية وقوع الجريمة في القنصلية، أمّا السبب الثالث فهو التغطية الخاصة جدّا التي تنجزها قناة الجزيرة لهذا الحدث، وهو ما شكّل ضغطا إعلاميا كبيرا على السعودية في أجواء تذكّر بالتحريض الذي قامت به هذه القناة في 2011 عند اندلاع ثورات الربيع العربي، ما جعل بعض وسائل الإعلام تتحدّث عن ربيع عربي ثان.

كلّ المؤشّرات الرّاهنة تدلّ على أنّ مقتل جمال خاشقجي أضعف الموقف السّعودي كثيرا أمام المجتمع الدولي، وتبدو قطر في قائمة الدّول المستفيدة من الوضع الذي تمرّ به المملكة استفادة معنوية أساسا، لكنّ إدارة البيت الأبيض لا يمكن أن تذهب بعيدا في اتّجاه الضّغط على المملكة لاعتبارات تتعلّق بمعاملاتها التّجارية معها خصوصا في مجال التسلّح، بل تذهب كثير من التحاليل الإعلامية إلى أنّ العلاقات بين البلدين ستتأثّر لكن دون تغيير يذكر في مستوى الاستراتيجيات الأمنية لا سيما في مواجهة عدوّ مشترك اسمه إيران.

تعمل الولايات المتحدة الأمريكية بعد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي كان في 2015 أحد أبرز أسباب التوتر في العلاقات الخليجية الأمريكية على إنشاء تحالف عسكري جديد تشترك فيه مع دول الخليج الستّ إضافة إلى مصر والأردن، وقد جمع وزير الخارجية الأميركي نظراءه في دول مجلس التعاون الخليجي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة هذا المشروع الذي يهدف إلى التصدّي لما تسمّيه «العدوان الإيراني والإرهاب والتطرّف وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط». لكن هذا «الناتو العربي» يأتي في سياق مختلف جذريا عن سياقات التعاون السابقة بين الطرفين الخليجي والأمريكي، فالحرب التي تشنّها قوّات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية على الحوثيين في اليمن دخلت عامها الرابع دون أن تحقق أهدافها المعلنة والمتعلقة ظاهريا بحماية الأمن القومي للمملكة ووضع حدّ للنفوذ الإيراني في المنطقة، لكن ما تزال الصواريخ الحوثية تتساقط على الأراضي السعودية في الوقت الذي يتزايد فيه ضغط المجتمع الدولي للتحقيق في شبهة ارتكاب جرائم حرب تستهدف الأطفال والمدنيين في اليمن من قبل طرفي الصراع معا، فضلا عن المجاعة التي سبّبتها الحرب والتي تعتبرها الأمم المتحدة أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث حيث أصبح خمسة وسبعون في المئة من سكان اليمن في حاجة إلى الإغاثة. فيما يتكشّف في محافظة «المهرة» الواقعة في الجنوب الشرقي لليمن وجه آخر من وجوه هذه الحرب، إذ تمثّل هذه المحافظة عمقا استراتيجيا لمختلف الأطراف، يستخدم الحوثيون معابرها الحدودية لتوصيل الإمدادات العسكرية، والإمارات تعمل على ترسيخ نفوذها فيها عبر إقامة معسكرات تدريب لتجنيد المحليين، بينما تباشر السعودية فيها أشغال توصيل النفط عبر الأنابيب إلى بحر العرب تفاديا لمضيق هرمز واختصارا للمسافة. لكن سلطنة عمان لا تنظر إلى هذا الحضور السعودي الإماراتي في محافظة المهرة بعين الرضى، إذ تمثّل هذه المنطقة امتدادا ديمغرافيا لها منذ عقود، ولها نفوذ قوي في المجتمع المحلي يعتبره الملاحظون المحرّك الرئيسي للاحتجاجات الشعبية ضد الوجود العسكري السعودي والإماراتي.

أزمة الخليج هي العامل الثاني الذي يجعل سياق التحالف العسكري الأمريكي الخليجي مختلفا هذه المرّة، فالقطيعة التي تسمّيها قطر حصارا والمفروضة عليها من قبل الإمارات والسعودية والبحرين إضافة إلى مصر تشكّل واقعا جديدا خصوصا بعد أن اختلفت الأولويات الأمنية. يتّسم هذا الواقع بسباق محموم نحو التسلّح وعقد الصفقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد عاد الرئيس الأمريكي من أول زيارة له إلى السعودية في شهر ماي 2017 بصفقة أسلحة قيمتها 350 مليار دولار تعتبر أكبر صفقة أسلحة في تاريخ الولايات المتحدة، وفي شهر جوان أبرمت قطر مع الولايات المتحدة صفقة لاقتناء 36 مقاتلة من طراز اف15 بقيمة 12 مليار دولار، ورغم أن دول الخليج العربية تبرم صفقات التسلح مع عدة دول أخرى مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا إلاّ أنّ الولايات المتحدة تبدو المستفيد الأكبر من النزاع الخليجي. وقد ساعدها على ذلك ازدواج المواقف من هذه الأزمة بين البيت الأبيض والبنتاغون، والتناقض بين بعض مواقف ترامب ومواقف وزيري الدفاع والخارجية بما يوحي لكلّ طرف أنّ الولايات المتّحدة تؤيده لكن الواضح أنّ لهذا التأييد حدودا لا يمكن تجاوزها فوزير الخارجية الأمريكي السابق تيليرسون هو الذي نزع فتيل مواجهة عسكرية كانت على وشك الحدوث في المنطقة في بدايات الأزمة.

تاريخيا تغيّر الموقف الخليجي من «الأمن القومي الشامل» إلى «الأمن الإقليمي» بعد الحرب العراقية الإيرانية في 1980 والغزو العراقي للكويت في 1990، فإسرائيل وحليفتها الكبرى الولايــات المتحــــدة لا تمثّلان لدول الخليج كافّة أيّ مظهر من مظاهر العداء مقارنة بالخطر الذي تمثّله إيران، وهـــو ما يفسّر بوضوح العلاقات المعلنة أو الخفية التي تقيمها هذه الدول مع إسرائيل، وآخر تجلياتها الزيارة المفاجئة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى سلطنة عمان، كما كشفت صحيفة «هاريتز» الإسرائيلية أنّ نتانياهو طالب الرئيس الأمريكي بدعم ولي العهد السعودي في مواجهة ما يتعرّض له من انتقادات بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي واصفا إياه بأنّه حليف استراتييجي لإسرائيل في الشرق الأوسط.

لكنّ الخطر الإيراني الذي يعتبر المبرّر الأول للحضور العسكري الأمريكي في المنطقة لا توليه دول الخليج نفس الأهمية مقارنة بالتهديد الداخلي، فلئن كانت السعودية في مواجهة مباشرة مع إيران على الأراضي اليمنية، تبدو قطر التي تحتفظ بأفضل علاقات في المنطقة مع إيران معنيّة بالخطر السعودي المقيم على بعد كيلومترات قليلة من الدوحة أكثر من أي خطر آخر. لقد جعل الغزو العراقي للكويت الدول الخليجية الصغيرة من حيث المساحة تنتبه إلى إمكانية ابتلاعها من قبل جيرانها العرب أولا، وقد كان ذلك وراء «القوة النّاعمة» التي أحاطت بها قطر نفسها منذ التسعينات عبر قناة الجزيرة ذراعها الإعلامية الطولى، فضلا عن الحماية الأمريكية التي توفّرها قاعدة «العديد» العسكرية، والهاجس الأمني هو الذي جعلها منذ اللحظات الأولى لاندلاع الأزمة الراهنة في جوان 2018 تسارع إلى تفعيل اتفاقية دفاع مشترك قديمة مع تركيا استقبلت بموجبها قطعات وفيالق عسكرية تركية تحسّبا لأيّ عدوان يهدف إلى تغيير النظام.  في ظلّ هذه المصالح الخليجية المتضاربة والمتداخلة في آن معا تعمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن تستفيد من أزمة الخليج الراهنة تحت مسمّى «الحرب على الإرهاب» وأن تستفيد من الذعر الذي تمثّله إيران لبعض دول الخليج لأسباب تاريخية وعقائدية تحت مسمّى «التصدّي للخطر النووي»، ويعتبر «الناتو العربي» آخر ابتكاراتها في هذا المجال انسجاما وتوجّه البيت الأبيض الجديد لجعل هذه الدول تدفع المزيد من الأموال مقابل المزيد من الحماية. لكن وزير الخـــارجية القطـــري لا ينظر إلى المسائل بنفس الطريقة التي ينظر بها زملاؤه الخليجيون الذين اجتمع بهم لأول مرّة منذ الأزمة في حضرة وزير الخارجية الأمريكي، إذ يعتبر أنّ التحالفات الناجحة هي التي تقوم حول قيم مشتركة، مذكّرا بأنّ مجلس التعاون هو من الكيانات الإقليمية التي أسهمت في الحفاظ على التوازن والأمن في منطقة الشرق الأوسط لعقود. وهو يعتبر أنّ الاختبار الحقيقي لمصداقية هذا التحالف الجديد وفعاليته هو حلّ الأزمة الخليجية أوّلا.

عامر بوعزّة

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.