من التاريخ - 2018.10.30

عثمان الكعّاك (1903 - 1976) خزانة التّراث وذاكرة التّاريخ

عثمان الكعّاك (1903 - 1976) خزانة التّراث وذاكرة التّاريخ

في الذّكرى الثمانين لتأسيس الإذاعة التّونسيّة (1938-2018) تستحضر الذّاكرة مآثر الأعلام التّونسيّين الّذين ساهموا في إقامة هذا الصّرح الإعلامي الشّامخ وواكبوا نشأته وعملوا على توطيد أركانه وتعزيز إشعاعه. ولعلّ في مقدّمة أولئك الأعلام الأستاذ عثمان الكعّاك (1903 - 1976) الذي اُختيرَ ليكون أوّل كاتب عامّ للإذاعة فتولّى هذه الخطة لمدّة تزيد عن الخمس سنوات (1938 - 1943).

والحقّ أنّ أثر عثمان الكعّاك في الحياة الثقافية والفكرية بتونس يتجاوز حدود العمل الإذاعي والإعلامي، فقد كان الرجل مدرّسا ومؤرّخا ومحقّقا للمخطوطات وباحثا مختصّا في التراث وكاتبا في أكثر من صحيفة ومجلّة.

ينحدر الأستاذ عثمان الكعّاك من أسرة تونسية ذَاتِ أصول أندلسية استقرّت بالعاصمة (حي باب الأقواس)، وقـــد عمـــل والده محمّد الكعّاك مــوظّفا بقسم الوثائق في الوزارة الكبـــرى ثمّ تولّى خطّة عدالة الإشهاد. وكان هو أصغر إخوته سنًّا، فأكبرهم عبد الرّحمان الكعّاك (1890 - 1945) اشتغل بالمحاماة وترأّس الجمعية الخلدونية بين 1930 و1945، وثانيهم مصطفى الكعّاك (1893 - 1984) تولّى عمادة المحامين سنـــة 1947 ثمّ عُيّن وزيرا أكبر إلى حـدود سنة 1950 وترأّس نادي قدماء الصادقيّة والمعهد الرّشيدي للموسيقى التونسيّة، وثالثهم محمّد الكعّاك (1896 - 1940) الذي كان أمينا للفلاحين.

درس عثمان الكعّاك بكتّاب سيدي الشريف بالعاصمة ثمّ بالمدرسة الصادقيّة. وكان له في أثناء فترة التّحصيل نشاط ثقافيّ وسياسيّ حثيثٌ اندفع إليه في غمرة تعاظم الوعي الوطني وتوهّج الحركة الفكريّة والاجتماعيّة إثر تأسيس الحزب الحرّ الدّستوري التّونسي بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي سنة 1920. وعلى هذا النّحو نشر الكعّاك مقالات سياسية وتاريخية في أبرز الصّحف والمجلاّت الصّادرة بتونس آنذاك على غرار جرائد «الأمّة» و»إفريقيا» و»العصر الجديد» ومجلّة «الفجر»، وانضمّ إلى مجموعة من الكتّاب الدّستوريّين الأحرار من أمثال محيي الدّين القليبي والمنصف المنستيري ومحمّد معلَّى وأحمد توفيق المدني كان ديدنها إيقاظ الشّعور الوطني التحرّري والدّفاع عن مقوّمات الشخصيّة التونسيّة. وتُوّجت هذه المرحلة الأولى من حياة الكعّاك بصدور كتابين هامّين له هما «مُوجز التاريخ العامّ للجزائر» و«بلاغة العرب في الجزائر».

غير أنّ خُفوت تلك الاندفاعة التي شهدتها السّنوات الأولى من عشرينات القرن الماضي بعد التّضييقات الاستعماريّة التي أفضت إلى إضعاف الحزب الدّستوري والقضاء على حركة محمّد علي الحامّي حمل الكعّاك على التّفكير في استئناف مسار التعلّم والتّحصيل فســافـــر إلى فـــرنســـا سنة 1926 حيث درس بالصربون وبمعهــــد اللّغــات الشرقيّة وبالكولّيج دي فرانس وتحصّل منها على الإجازة في اللّغــة العربيّة وآدابها وحضارتها وعلى شهائد في التاريخ واللّغات فاستكمل بذلك تكوينه العلميّ الذي بدأه في المعهد الصّادقي وأشبع ميوله إلى التعمّـق في دراسة الحضارة العربيّة الإسلاميّة وتاريخ شعوبها وأصول لغتها.

الكعّاك مدرّسا وحافظا لدار الكتب الوطنيّة

استأثر التدريس في مسيرة الأستاذ عثمان الكعّاك بمرحلة هامّة من حياته المهنيّة فاقت السّنوات العشر، فمنذ عودته من باريس أواخر العشرينات تمّ تعيينه أستاذا للتّاريخ والجغرافيا بالمدرسة الخلدونيّة، ودُعيَ بالتّوازي مع ذلك إلى التّدريس بالمدرسة العليا للآداب واللّغة العربيّة وكان مقرّها بالعطارين. ولئن أمضى الفترة الفاصلة بين 1938 و1943 كاتبا عاما للإذاعة التونسيّة فإنّه عاد سنة 1945 إلى التدريس مجدّدا عند إنشاء معهد الدّراسات العليا الذي كان مؤسّسة جامعية مُلحقة بالتّعليم الفرنسي، فباشر التّدريس به وهو يضطلع في الوقت نفسه بمهمّة إداريّة هي الإشراف على القسم العربي من مكتبة العطارين التي سيصبح فيما بعد مديرًا لها حتّى إحالته على التّقاعد (1956-1965).

وقد أتاحت له تجربة التّدريس أن يُعرّف طلبته بتاريخ البلاد التونسيّة القديم منه والوسيط والحديث وأن يبثّ في نفوسهم شعور الاعتزاز بالانتماء إلى الوطن في زمن كان غُلاة الاستعمار يُحاولون طمس معالم الهويّة الوطنيّة وتكريس الهيمنة الحضاريّة الأوروبيّة.

ولم تمنعه كُلَفُ  التّدريس وأعباؤه من المواظبة على الكتابة في الصّحف والمجلاّت التونسيّة فنشر في تلك الفترة الكثير من الدّراسات والمقالات التي ظلّت إلى اليوم مراجع هامّة في بابها مثل دراسته حول «تاريخ المسرح التونسي» في مجلّة المباحث، ومقاله حول «الموسيقى التونسيّة في عهد الحفصيّين» في مجلّة الجامعة، ودراسته حول الأدب التّونسي في القرن الخامس الهجري في مجلّة المباحث وقد جعل عنوانها «حقبة ماجدة من الأدب التّونسي».

الكعّاك والإذاعة التونسيّة

ترك مرور الأستاذ عثمان الكعّاك بالإذاعة التونسيّة أثرًا عميقًا ظلّت تجني من ثماره على مدى زمن طويل، ففضلاً عن كونه من الرّواد الذين ساهموا سنة 1938 في تأسيس الإذاعة وإرساء دعائمها حتّى تنطلق انطلاقة موفّقة لا تشوبُها تعثّرات فإنّ مآثر ثلاثًا على الأقلّ ميّزت فترة اضطلاعه بمهامّ الكاتب العامّ للإذاعة:

  • أوّلها أنّه كان وراء دعوة أبرز الوجوه الفنيّة والفكرية والأدبيّة في السّاحة الثقافيّة التونسيّة لإنتاج البرامج الإذاعيّة، وبذلك صارت الإذاعة الفتيّة منتدًى لشعراء تونس وكتّابها وأدبائها وفنّانيها ليقدّموا عبر موجات أثيرها أحدث إنتاجاتهم. وعلى هذا النّحو استمع التونسيّون إلى العربي الكبادي ومصطفى آغة والهادي العبيدي ومحمود بورقيبة ومحمّد الفاضل بن عاشور وأحمد خير الدّين وعبد العزيز العروي وغيرهم فأُتيح للإذاعة أن تغتني من أدبهم وفنّهم وأُتيح لإشعاع تلك النّخبة أن يتجاوز صفحات الجرائد والمجلاّت التي كانوا يحرّرون بها إلى جمهور أوسع وأفق أرحب.
  • وثانيها أنّ بدايات المسرح التّمثيلي الإذاعي كانت على يديه، فقد أنشأ مسرحا إذاعيّا ووضع له برنامجا للنّشاط محدّدا من كلّ أسبوع واستقطب له أبرز عنــاصــر الفرق التّمثيليّة الناشطة في ثلاثينات القرن الماضي من مخرجين ومؤلّفين وممثّلين إلى أن أصبح للإذاعة التّونسيّة فرقتها التّمثيليّة الخاصّة.
  • وثالثها ما أُثر عنه من حرص على مراعاة رِفعة الذّوق وأصالة الفنّ في مــا يُبثّ على موجات الإذاعــة من موسيقى وغناء، فقد شهد السّياق الذي بُعثت فيه الإذاعة تفاوتًا واضحًا في مستوى الإنتاج الغنــائي جودةً وإسفافًا ورِفعةً وابتذالاً، فما كان منه إلاّ أن اشترط على الفنّانين أن يقدّموا في وصلاتهم الغنائيّة التي كانت تُذاع مباشرة على الهواء فنّا تونسيّا أصيلاً رفيع المستوى. وقد تزامن تأسيس الإذاعة مع تأسيس المعهد الرّشيدي (1934) فكانت المؤسّستان تحصينًا للذّوق الفنّي إزاء موجةٍ من الهبوط انتشرت لفترة.

الكعّاك مؤلّفا وباحثًا

ترك الأستاذ عثمان الكعّاك رصيدًا ضخمًا من الإنتاج الأدبيّ والفكريّ والثقافيّ، فقد كان متعدّد الاختصاصات واسع الاطّلاع وغزيرَ العطاء. ويكتشف النّاظر في «بيبليوغرافيا عثمان الكعاك» وهي وثيقة أعدّتها وزارة الثقافة في سبتمبر 1976 بمناسبة أربعينيّة الفقيد، وفي الكتيّب الذي أصدرته دار الكتب الوطنيّة سنة 1996 بمناسبة الذّكرى العشرين لوفاته أنّ الرّجل ترك اثنين وعشرين كتابا من تأليفه نُشر خمسة منها بعد وفاته، كما ترك ما يزيد عن أربعين ومائة مقال نُشرت في جلّ الصّحف والمجلاّت التونسيّة.

أمّا كُتبه فتتوزّع بين التّاريــخ والأدب وسير الأعلام والتّرجمة والتّحقيق والتّراث، لعلّ أبرزها «موجــز التّـــاريــخ العامّ للجزائر» و«البربر» و«عمــر بن الفـــارض» و«صفيّ الدّين الحلّي» و«التّقــاليد والعــــادات التونسيّة» و«المدخل إلى علم الفولكلور» الذي نشر ببغـــداد سنـــة 1964 و«مراكز الثّقافة في المغـــرب» وقـــد نشــره معهد الدّراسات العربيّة العالية بالقاهرة سنة 1958. يُضـــاف إلى ذلك تحقيقه «ديوان حازم القرطاجنّي»، وترجمة كتاب «الفلسفة الإسلامية» وتأثيرها الحاسم في فكــر الغرب أثناء العصــور الوسطى» لسلفادور غوميث نوفالس.

وأمّا أبرز مقالاته فنشرت بمجلّة المباحث بين 1945 و1947 وبجريدة الأسبوع، ومن أطرف تلك المقـــالات «المــــدن الأندلسيّة بالقطر التونسيّ» وقد نشرته جريدة الأسبوع على حلقات بين 2 فيفري و27 أفريل 1953، وهو عبارة عن دراسة علمية دقيقة للمراكز العمرانية التي استقرّ بهـــا الأندلسيّون المهاجرون إلى تونس في بداية القرن 17م جمعت على نحوٍ بارعٍ بين علوم التّاريخ والجغرافيا والاجتماع وقدّمت كشفًا عميقًا للخصائص العمرانيّة والبشريّة والاقتصاديّة لتلك القرى والمدن ذات الطّابع الأندلسيّ.

وشاءت الأقدار أن يتوفّى الأستــاذ عثمان الكعّاك بالجزائر التي كتب عنها أوّل كُتبه واهتمّ بتاريخها وحضارتها وأعلامها، فقد وافته المنيّة بشكلٍ مفاجئٍ في مدينة عنّابة يوم 16 جويلية 1976 وهو يشارك هناك في الملتقى العاشر للفكر الإسلامي، وكان يتهيّأ لإلقاء محاضرة عنوانها «الأبعــاد الرّوحيّة والسّيـــاسيّـــة والاقتـــصاديّة والاجتماعيّة للعبادات وأهمّيتها لكلّ من الأمّة والفرد».

وقــد فقــدت تونس برحيله مثقّفًا أصيلاً ومؤرّخًا لامعًا شُغــفَ بتـــاريخها وأدبها وعاداتها وتقاليدها وكــان في حياته وحتّى بعــد وفـــاته - بفضــل مــا تركه من كتب ودراسات- مستودع جـــانبٍ هـــامٍّ مـــن تراثها وثقافتها والحافظ الأمين لكثير من ملامح شخصيّتها الحضاريّة فجازَ بحقٍّ أن يُعدّ الأستاذ عثمان الكعّاك خــزانة التّراث وذاكرة التّــاريخ.

الحبيب الدريدي

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.