أدب وفنون - 2018.10.30

رواية «الغربان» لحسين الواد أيّ: دور للمثقّف العضوي في الثورة؟

رواية «الغربان» لحسين الواد أيّ: دور للمثقّف العضوي في الثورة؟

في الحدّ الفاصل بين الحكمة والجنون تقع كلّ أحداث رواية «الغربان» التي نشرها حسين الواد قبل رحيله المفاجئ، هي رواية عن الثورة التونسية والأحداث التي عاشتها البلاد في مرحلة «الترويكا»، المرحلة التي شهدت صعود الإسلاميين إلى الحكم واتّسمت بتنامي ظاهرة العنف السياسي وتصاعد موجات الإرهاب، ووقائعها تصف هذه المرحلة وتخوض في تداعياتها الاجتماعية والفكرية والنفسية. وفي خضمّ التنازع على السّلطة بين العلمانيين والإسلاميين ومحاولة إنقاذ الثورة من الاختطاف والتوظيف تصوّر الرواية كيف تفشّى العنف في المجتمع وكيف فاضت مظاهر الاستبداد عبر طيف واسع من الشخصيات تعكس تنوع الطيف الإيديولوجي وغزارة التحولات في تلك المرحلة الدقيقة الحاسمة.

الشخصية الرئيسيـــة هـــي شخصية «سي حميدة» الـــذي غيّرته الثورة:«لم يعد سي حميـــدة سي حميدة...كانت صحّتـــه جيدة حتّى إنّه يبدو أصغـــر مـن عمره الحقيقي بعشرين عاما، فظهر عليه الشّيب دفعة واحدة حتى أصبح يُرى أكبر من سنه الحقيقي بعشر سنوات»، ليس هذا التّحول الشكلي إلا مؤشّرا خارجيا بسيطا عبّرت عنه «يمينة» زوجة سي حميدة في الإضاءة التي نسبها إليها المؤلف في خاتمة الرواية، أمّا التحوّل الأعمق في حياة سي حميدة فهو الرواية كلها، يمكنك حينئذ أن تقول إن رواية «الغربان» وصفت بدقّة كيف حوّلت الثورة سي حميدة من شخص عاقل إلى شخص آخر مصاب بلوثة عقلية استدعت إيواءه في مستشفى الرازي، وسي حميدة هنا ليس شخصا معروفا بذاته، إنما هو نموذج لفئة كاملة من التونسيين، من هنا تستمدّ الرواية قيمتها الرمزية في مقاربتها الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للمدينة وهي تعيش ثورتها وكل شيء فيها يتغيّر. وأهم مظهر من مظاهر التحوّل في حياة هذه الشخصية يكمن في طريقة مقاربته الواقع، فبعد أن كانت العين أم الحواس ونافذة الروح على العالم، بدا له أنّ العين أكذب الحواس، وأنّ حاسة الشم أكثر منها صدقا لا سيما وهي تتعقّب «روائح المدينة»، هذا التحوّل الجوهري الذي طرأ مع الثورة جعل سي حميدة يقرّ بأنّ العدسات التي نرى من خلالها العالم والوجود لم تعد ترينا حقيقتهما، كانت صالحة عندما كان العالم بطيء الحركة!

الثورة فاصلة أساسية في حياة سي حميدة، وهي نقطة البداية في الرواية، ثم تسلك الأحداث مسارين مختلفين: مسار المدينة حيث تعيش الشخصية التقلبات السياسية والاجتماعية غير المتوقعة، وتعاين ما ينجم عنها مـن صـــراع فكري، ومسار الخوض في الذات ماضيا وحاضرا، واسترجاع ما به كانت على مدى نصف قرن من الآن السردي. ويتداخل هذان المساران حتى ليخيل إليك أحيانا أنّ جزءا مهمّا من أحداث الرواية إنّما يقع في ضمير سي حميدة وخياله، على غرار قصة لقائه بابنته «كلارا» التي كانت على أهبة السفر للجهاد، فهذه الأحداث تبدو إسقاطا من داخل ذات الراوي ومحض تخيلات قد تكون المؤشّرات الأولى على ما سيعتريه لاحقا من اضطراب عقلي وجنون.

«الغربان» هي رواية التحوّلات، فكل شيء فيها يتحوّل من النقيض إلى النقيض، سي حميدة وهو رمز جيل كامل من التونسيين لا علاقة له بالثورة إلاّ من خلال ما يشاهده على شاشة التلفزيون من أحداث وصور وهو يسمّي تلك الانتفاضة الحاسمة «الهيْعَة»، لكنّه مع تطوّر الوضع على الميدان ينخرط فيها، ويغادر مقعده أمام الشّاشة ليتجوّل في المدينة ويصبح جزءا من الحراك الشعبي والثقافي الذي فجّره سقوط النظام، «شباب الجال والبنطلونات النازلة، الشباب المـائع، يا سي حميدة، شباب الراب والرقص على طار بوفلس والزطلة، أخ، صنع ثورة كاملة ريّحنا من وجوههم. اليوم نرفع الرؤوس ونبني الوطن. وطن فيه الحرية والكرامة والتشغيل والديمقراطية»، هكذا عبّر الطبيب لسي حميدة عن الثورة وهو موقف يلخّص تفسير جميع التونسيين إبان 14 جانفي بخصوص «كيف حدث ما حدث؟»، في مقابل هذا الاعتراف بأنّ الثورة صنعها شباب لم يكن أحد يتوقع منه أن يصنع مثلها يتساءل سي حميدة: «أيعقل على امتداد خمسين عاما أن أعُدّ الثّورة من المستحيلات السبع في بلد كبلادنا؟ (..) ما الذي غيّب عني أن لها كُمونًا في الآفاق؟».

ويتّخذ هذا الوعي بالثورة أشكالا مختلفة ومتعدّدة عبر نماذج اجتماعية وفكرية تؤلّف سمفونية المجتمع في الرواية، ففيها الطبيب والحلاق وبائع العجلات المطاطية والمهندس المعماري وصاحب المكتبة والشرطي القديم وصالح الأعور، وغير هؤلاء كثير، ففي هذه الرواية تظهر بعض الشخصيات لتؤدّي دورا ما ثم سرعان ما تختفـــي على غرار الشخصيات التي يستحضرها سي حميدة من ذكرياته ومن ماضيه، إلاّ أنّ الشخصية الأخرى الأساسية التي تقف إلى جانب سي حميدة الراوي والتي تؤدّي دورا مركزيا في إنتاج معرفة نقدية من مقاربة هذا الواقع المتحوّل سياسيا هي شخصية  «السّسلوج». قد تبدو التسمية غريبة، لكن اقترابها الصوتي من «عالم الاجتماع» كما تنطق في اللغة الفرنسية أمر مقبول، لا سيما أنّ الراوي يقول عنه: «إنه اكتسب هذه التسمية من كثرة الجمع في «العهد البائد» في كلامه بين ابن خلدون وجورج زيمال»، هو أستاذ مكلف بإدارة مكتبة فقيرة في معهد ثانوي «صنّفه الأمن في ما وراء يسار اليسار»، ثم سعى إلى استمالته عندما انتشر بين الشبان نقده لليساريين والإسلاميين والنقابة والحزب الحاكم، كما سعى إلى استمالته الملتحون بلا جدوى «لأن خلاياه الدماغية محروقة أتلفتها مقولات العلمانيين»، وهكذا وجد «السّسلوج» نفسه منبوذا، و«في تقاطع نيران متعادية في معظم الأحيان»، نقل عنه أنّه كان دائما يقول: «ما فهمها على حقيقتها إلا المؤرخ الحزين. فهم أنّ لا قيمة، مهما كانت، تعلو على الحرية».

«السّسلوج» إذن و«الأستاذ النّابه» و«المؤرّخ الحزين»، ثلاث شخصيات من عالم الثقافة في معناها الإنساني الأعم، يجد فيها سي حميدة الأفق الفكري للثورة، وهي تمثل «الأنتلجنسيا» التي تقف من العالم موقفا نقديا مطلقا ولا تؤمن بغير الحرية، وفي حوضها يتشكل حول الثورة وعي نقدي: «مصطلح الثورة لا ينطبق على ما حصل في بلادنا. من هُم الذين قادوا الاضطرابات إذا كانت ثورة؟ وما رؤاهم؟ ما برامجهم؟ ما الذي تريدونه الآن وقد أصبح الكرسي فارغا؟ تريدون الحرية والعدالة والكرامة والتشغيل والأمن؟ هيهـــات». وبــواسطة هذا الوعي النقدي يُكَـــوّن سـيÙ
Ùحميـــدة موقفه الخاص من الثورة ومن دعاة الإسلام السياسي الذين اختطفوها وخانوا وعودها وانتقلوا بها من سؤال الحرية والكرامة إلى أسئلة الهوية الماضوية بعد أن أصبحت خزينة الدولة «أنظف من مطهرة الحمّام»، وبعد أن انتهى هو إلى الكفر بالعلمانيين والإسلاميين معا لأنّهما في نظره شيء واحد، «الإنسان منتوج ثقافي، بالثقافة يتمّ تدجينه وإخضاعه، وبالثقافة يمكن له أن ينعتق ويتحرر.» وهو يرى أنّ دور المثقف يتمثل في نشر الثقافة عبر إيصال الفكرة للناس، ولا يتجاوز هذا الحدّ إلى التدخّل فيما سيصنعونه بها، «أي فائدة في أن تحرّر إنسانا لتتولى توجيهه أو تملي عليه ما يفعل ويعتقد» تلك هي الطريق إلى التحرر والانعتاق كما يراها المثقف في خضم تحول تاريخي لم يكن له فيه دور حاسم.  وفي مقاربة المسألة الدينية يعتقد أنّ الأمر كله مرتبط بالانتقال من التساؤل عن كيفية خلق الوجود إلى التساؤل عن معنى الخلق، لأنّ السؤال الأول لا جواب عليه إلاّ مجموعة من التصورات فيها آدم وإبليس وحواء والثمرة أو مجموعة من الفروض المتعلمنة كما في نظرية النشوء والارتقاء، أما السؤال الثاني فالأجوبة عنه ستؤدي إلى البحث عن «أفضل السبل لتكون الحياة أيسر وأحسن تنظيما وأقدر على إسعاد الجميع سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين».

«السّسلوج» يرى أنّ الاستبداد يمهّد في العادة للفساد، لكنّ الذين يخافون الله والذين لا يخافونه يمهّدون جميعا بالفساد للاستبداد. واستبداد الشريعة يمنح نفوذا لا مكان فيه للمحاسبة أو المساءلة. وقد كلّفته هذه الكلمات وغيرها من المواقف الشجاعة التي صدع بها في «دوار الجرّة» حيث تتصارع الأفكار والتيارات حياته في حادث اغتيال غامض، يعلّق على ذلك سي حميدة بالقول: «لا يرضى عنه السياسيون لأنّه ضدّ مصالحهم، ولا ترضى عنه الشعوب لأنّها مروّضة دائما على البقاء قاصرة. المثقف العضوي لا ينحاز إلى طائفة من الطوائف، ينحاز فقط إلى الحقيقة اليومية التي تصنع المعجزات حتى لو كانت ضدّ مصالحه الشخصية».

هكذا أصبحت الحياة عبئا ثقيلا على الجميع. «لا كلام، حيثما اجتمع الخلق، إلاّ عن تفاقم الفساد والغشّ والتسيّب وانعدام الرادع»، وفي مواجهة هذا العدم المتفشي خرج سي حميدة من بيته ومن عقله يطلق النار على الجميع لينتهي نزيلا في مستشفى الرازي. وكان لزاما على حسين الوادي أن يضم إلى متن الرواية إضاءة على لسان يمينة زوجة سي حميدة تفسر هذا الجنون، فبعد أن وقع الانفجار الكبير في المدينة خرج حاملا بندقيته صائحا: «اقتلوا فيكم الخضوع والركوع. أوقفوا هذا الخراب. أنعى لكم الدولة». فهل هذا الوعي الحاد بالخطر الذي يتهدّد كيان الدولة يعني الجنون؟

رواية «الغربان» واحدة من أخطر روايات المرحلة ومن أكثرها شجاعة، تصدّى فيها حسين الواد للآنيّ في عنفوانه، ولم يتأنّ في مقاربة اللّحظة الهائجة، لم يتركها لتنضج على نار الزّمن لتصبح تاريخا، فهي من الرّوايات القليلة التي قاربت الواقع التونسي في مرحلة ما بعد الثورة بأسلوب تغلب عليه الكوميديا السّوداء لا سيّما وهي تروي قصص المتحوّلين والمتشعبطين والمتمسّحين على أعتاب الأحزاب الوليدة وذوي اللّحي المستوردة، والرواية وإن كانت نهايتها قاتمة بمقتل السسلوج وجنون سي حميدة فإنها تظهر الدور الممكن للمثقف العضوي في مواجهة الاستبداد الناشئ ودعاة امتلاك الحقيقة.

عامر بوعزّة

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.