أدب وفنون - 2018.10.01

مصطـفـى الفارسـي: رجـــل الثــقـــافـة الشـــامـلة

مصطـفـى الفارسـي: رجـــل الثــقـــافـة الشـــامـلة

جمعتني بمصطفى الفارسي (1931 - 2008) وشائج الصحبة والعمل المشترك، في حقول هامّة من الثقافة التونسيّة، منذ مطلع استقلال البلاد.عرفته، في سنة 1958 وهو في أوّل شبــابه، لا يزال يتلمّسُ آفاق مستقبله. وهي فترة هامّة، بالنسبة إلى قادم نشاطه الفكري والأدبي.

عرفت مصطفى الفارسي، وهو شاب، ينتفض حركة، واثقا من نفسه ثقة الشباب بالمستقبل، حادّ الفكر، غزير الحديث، دون هذر. كان لقاؤنا الأوّل، وأنا مكلـّف بإدارة الإذاعة. وكنتُ أبحث عن مواهب شابّة، لتحريك الإذاعة، وبعث الحيويّة فيها. وفهمتُ، من أوّل لقاء بيننا، أنّه سيكون له شأن في ذلك. وكان أحد ثلـّة من الشبّان، لم يجدوا بعــد مستقرّا لهُم في البرامج التي عليها مسار العمــل، إذاك، في مــــؤسّسة الإذاعة. وكان من بينهم شابّ، في وجهه احمـــرار الحيويّة، يتكلـّم بقوّة واندفاع، يفهم «على الرمش» ما يُراد وما يُقصد : وهو التيجاني زليلة، الذي اضطلع بدور مركزي في تجديد البرامج، وبعث نَفَس جديد في الإذاعة.وكان إلى جانبه، في تلك الحقبة، شابّ أسمر الوجه، رصين الكلام، قويّ الاجتهاد والانضباط :حسن العكروت.ثمّ كان معهما، رجُل الاتـّصــال، وتوثيق العلاقات مع فئة من المساهمين من الخارج، عبدالعزيز عشيش، الذي كان يجمع بين الخبرة والرأي –  وافاه الأجل في عزّ معركة التجديد لروحيّة الإذاعة. خلـّف ذكرا طيّبا، ومشاريع هامّة، رحمه الله.

وكان الفارسي من بين هؤلاء.عرفتُ فيه خصالا تُؤهّله للقيام بالعلاقات الخارجيّة. وكان لها شأن، إذّاك، إذ كـُنّا مُقْدمين على فترة تجديد، الحاجة فيها أكيدة إلى مَعُونات خارجيّة؛ إذ كانت معركة تَوْنسة الأجهزة لم تنته بعد : فداخلَ الإذاعة، كان القسم الفرنسي لا يزال تحت إدارة فرنسيّة ؛ وكان أيضا قسم التقنيات يُديره طاقم من المهندسين الفرنسيّين، يعتبرون أنفسهم تابعين للسلطة الفرنسيّة. وكانت الإدارة التونسيّة في أخذ وردّ، في شأنهم، مع الجانب الفرنسي، بباريس. وكان مصطفى الفارسي، الذي جعلتُه رئيس مصلحة العلاقات الخارجيّة، عضدي الأيمن في كلّ الاتـّصالات مع الجهات الفرنسيّة.وتمكنّا، في آخر المطاف، من تونسة القسم التقني، وجعلنا على رأسه المهندس المنجي الشافعي، بمســاعدة أحمد رجــــب. وكذلك ألحقنا بالإدارة التـــــونسيّة قسمَ البرامج الفرنسيّة، وجعلنا عليه أستاذة فرنسيّة، زوجة طبيب تونسـي، جوزات بـن ابراهم – كان لها بعد ذلك ألـَق في الصحافة الباريسيّة، تحت لقب مستعار Josette Alya.

ومن مقاصدنا، إذاك، أن تكون الإذاعة التونسيّة حاضـــرة في الســـاحة الدُوليّة. وكان ذلك يحتاج إلى تحرّك، وإلى اتّصالات خارجيّة، لإقناع الذين بيدهم الأمر، في اتحاد الإذاعات الأوروبية. ومصطفى كان له باع في ذلك، وجهود كـُلـِّلت بالنجاح.  ثمّ فكـّرنا في إنشاء منظـّمة خاصّة بإفريقيا. وكان ذلك يحتاج إلى نضال، قامت به تونس بالتنسيق مع المملكة المغربية. ونشأت علاقة حميمة بين الإذاعتين التونسيّة والمغربيّة، خاصّة في عهد مديرها المهدي المنجرة : مغربي، نشأ بأمريكا، ويتكلـّم اللغة الأمريكيّة كأهلها. وكان من الحزب التقدّمي في المغرب. انتقل بعد ذلك إلى التعليم الجامعي، وأصبح له ذكر بين المفكـّرين التقدّميّين.وأنشأنا علاقة متميّزة مع دولة غينيا التي كانت أصرّت على استقلالها عن فرنســــا. وكان مدير إذاعتها شقيـــق الرئيس الغينـــي. فكان لعبد الله سيكوتوري، دور بارز أيضا في إنشاء اتحاد الإذاعات الإفريقية.مع المغرب ومع غينيا – وبتعاون ودّي مع فرنسا كذلك – كان دور مصطفى الفـــارسي دورا مركزيّا، في توثيق العلاقات، ومتابعة القضايا، والإعداد للاجتماعات التي تعقدها المنظمة الأوروبية، باعتبارها صاحبة النفوذ في توزيع الذبذبات وتنظيم العلاقات الإقليميّة، في هذا المجال.

هذه مرحـــلة مصطفى الفــــارسي الأولى وإسهامُه في إعادة تنظيم الإذاعة المستقلـّة.المرحلة الثانية ستكون له من خلال الإسهام في إقامة ركن من أركان الوزارة الجديدة التي سُمّيت بالشؤون الثقافيّة.وقد أَسنَدتُ إليه إدارة المسرح، وكان من أهمّ أركان العمل الثقافي. فكانت له فيها تجربة بعيدةُ الأثر في مستقبل إنتاجه الأدبي، إذ جعلته يضطلع بمسؤوليّة تشمل القطر بأسره، ويطـّلع على القضايا الرئيسيّة التي تهمّ المسرح، أدبًا، وفنًّا، وأداةً اجتماعيّة ذات دور قويّ الأثر في توعية المجتمع، وتثقيفه، والنهوض بطاقاته ثمّ كانت المرحلة الثالثة التي سيكون فيها مصطفى الفارسي مُشرفا على رُكن من أهمّ أركان النهضة الثقافيّة: وهو السينما فقد أسنَدتُ إليه إدارة الشركـة المضطلعـة بالإنتاج السينمـــائي: SATPEC وساهــم إسهامًا مرموقـًا في توسيع عملها، وإنشاء الصَداقات لها في الخارج، خاصّة في البلاد الاشتراكيّة التي كانت متحمّسة لمساعدة تونس.

بذلك استكمل مصطفى الفارسي إحاطته بدعائم الثقافة الحديثة من إذاعة ومسرح وسينما، إضافة إلى قضايا المِلكيّة الأدبيّة، إذ كان له إسهام في وضع القانون التونسي المنظـِّم لحقـــوق التأليف والتلحين، منذ مرحلته بالإذاعة الوطنيّة. فكان رجُلَ الثقافة الشاملة : شارك في تنظيمها، إداريّـًا، وساهم في إثرائها، بإنتاجه الشخصي.

الشاذلي القليبي

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.