مختار اللواتي: أهي علامة سقوط الدولة ودنو قيام ساعتها؟

مختار اللواتي: أهي علامة سقوط الدولة ودنو قيام ساعتها؟

تناقلت بعض الصحف التونسية في المدة الأخيرة، وقبل الزوبعة والدهشة التي أحدثها قرار رئيس الحكومة يوسف الشاهد بحلّ وزارة الطاقة وإقالة وزيرها وكامل فريق قيادتها، تناقلت خبرا يقول إنّ "الواشي" في قضية الجوسسة والتخابر مع قوىً ومصالح أجنبية، والتي اعتقل بموجبها "رجل الأعمال" شفيق الجراية وعدد من قيادات الأمن التونسي، قد تبين أنّه كان يكذب وأنّ "وشايته" ملفقة وكاذبة، وهو الآن رهن الإعتقال!! و"الواشي" هذا، هو رجل أمن!! إذن، وبعد 15 شهرا من الإيقاف ومن البحث ومن إعادة البحث، ومن التحقيق، اكتشف المحققون أنّ كامل القضية أصلها "وشاية".. أي، لاأصل لها ولها فصل.. وبالعربي الفصيح، علينا أن ننتظر، من يوم لآخر، أن يتم الإفراج عن السيد شفيق الجراية، وكل من أوقف جراء هذه "الوشاية". ولا غرابة في
أن يرفع جميعهم قضية في رد الإعتبار والتعويض لهم عما لحقهم من تشويه سمعة وتلفيق تهم بالباطل!

وهكذا تكون "حملة" الحرب على الفساد التي أعلنها يوسف الشاهد رئيس الحكومة بإطلاق وقائع تلك القضية وإيقافها عندها، حملة كاذبة هي الأخرى، ويصح فيها ماردده خصوم الشاهد، بأنّها حملة تصفية حسابات، فقط.. فكان لابد لرئيس الحكومة المحاصَر الآن من كل الجهات المطالِبة بإسقاطه، بمن فيهم،على مايبدو، حركة النهضة، بعد لقاء الشيخين الأخير، وعودة هوى التوافق إلى قلبيهما، لابد له أن يخلط الأوراق من جديد بحركة تغطّي من جهة على مهزلة "الوشاية" في قضية الجراية، وتفتح من جهة ثانية قضية ذات "ملفات أثقل"، تضخ الدماء من جديد في حملة الحرب على الفساد.. وهل هناك أثقل من إقالة وزيرٍ وكاتبِ دولة وثلاثةٍ من كبار فريق قيادةِ واحدةٍ من أهم الوزارات في الدولة، هي وزارة الطاقة. بل ونسف الوزارة أصلا من الوجود!!
فهل هو العمى السياسي؟ أم هو منتهى الدهاء لقبر الجدل والتمحيص والتدقيق في مسألة ثرواتنا النفطية، وهو الجدل الذي ما إن يخبو حتى يعود إلى السطح من جديد، ومعه يعود الأخذ والرد في كامل قضية ثرواتنا المعدنية؟ ولكن هل يمكن أن تمر هذه الحركة البهلوانية غير المضحكة بالمرة من دون تبعات وارتدادات؟ خاصة وأنّ الوزير المقال مشهود له بنظافة اليد، وقد برّأ هو نفسه كامل فريقه من كل شبهة فساد؟ شخصيا، أرى أنّ المسألة برمّتها تؤشر لبداية تفكك أواصر الدولة التي تعقب عادة مرحلة ضعفها وهوانها.. وفي الحالتين، أو المرحلتين، لم يأت الأمر بالصدفة. وإنّما هو عمل ممنهج تشترك فيه، أو في الدفع إليه، عدة أطراف، منها الرئيسية في الصدارة، ومنها المحرِّكة من وراء ستار. ولكنها تتّحد جميعها في المرامي وفي الأهداف.. وهذا ليس حكرا على بلدنا، وإنما هوانعكاس لتفاعل جملة من العناصر المحلية والعالمية تصبّ جميعها في غير مصلحة الشعب والوطن. وهي إحدى السمات الحديثة لتوسع الرأسمالية العالمية وتوالد أذرعتها، في مختلف أرجاء المعمورة، بأشكال وأدوات متعددة.

وقد سبق لكثير من المحللين في مختلف أرجاء العالم، أن تناولوها بالشرح منذ سنوات. ومن بين هؤلاء المحللين، استوقفتني منذ أكثر من عشر سنوات، خبيرة بريطانية، في تحليل إستشرافي لمسألة تمويل الشركات الكبرى وكبار رجال الأعمال للحملات الانتخابية للحزبين الرئيسيين المتنافسين في الولايات المتحدة الأمريكية، الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، بما يمنحها الأحقية في وضع أيديها على المخططات السياسية والإقتصادية والتجارية والعسكرية للدولة بعد ذلك، خدمة بالطبع لمصالح الرأسمالية في مسارها التوسعي العالمي. فتصبح مسألة الديمقراطية بذلك، مجرد تلهية للحالمين بالعدل وبالتشارك في الحكم، بما إنها تخضع لمنطق "الإنفاق السخي". والإنفاق السخي لا يقدر عليه إلا كبار رؤوس الأموال. لذلك عنونت هذه السيدة كتابها ذاك، "الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية". وأردفته بعنوان ثان، هو "السيطرة الصامتة"!

ففي كتابها "السيطرة الصامتة- أو (الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية)" الذي أصدرته سنة 2007، ذكرت الكاتبة البريطانية /نورينا هرتس/ Noreena Heertz/ متحدثةً عن تكلفة الحملات الإنتخابية لعام 2000 في الولايات المتحدة الأمريكية، بأنها فاقت بليون دولار، لميزانيتي حملتي جورج والكر بوش عن الحزب الجمهوري، وآل غور عن الحزب الديمقراطي. فميزانيّة حملة جورج والكر بوش مثلا بلغت 191 مليون دولار، وميزانيّة منافسه آنذاك آل غور، بلغت 133 مليون دولار.

وقُدّرت تكلفة انتخاب العضوِ الواحد لمجلس الشيوخ بستة ملايين دولار. وهو ما يعني، وفق ما استنتجته مؤلّفة الكتاب، أنّه على كلّ مرشّح، سواء فاز بالعضوية أم لا، أن يجمع 2750 دولار كلّ يوم من السنوات الستّ الّتي تستغرقها الفترة النيابية، ليسدّد هذه التكاليف!.. وهذا طبعا لا يحصل.. وبالطبع فإن مجمل هذه التكاليف قد تضاعف عديد المرات في الانتخابات اللاحقة منذ ذلك التاريخ. أما ميزانيات تلك الحملات الإنتخابية فتؤمنها أساسا الشركات الصناعية والتجارية العملاقة الواقفة وراء الحزبين الرئيسيين في البلاد، الجمهوري والديمقراطي.. وحتى عندما تقدم عضوان من مجلس الشيوخ بمسودة قانون قيل إنه لإصلاح وتقنين عملية تمويل الحملات الانتخابية في اتجاه منع الشركات والأفراد من تقديم إسهامات غير محدودة، مما يُطلق عليه"المال اليسير"، للأحزاب السياسية الأمريكية لتمويل حملاتها، قام بالاعتراض عليه نواب الحزبين الجمهوري والديمقراطي في مجلسي النواب والشيوخ معاً، ليبقى الحال على ماهو عليه. بل ليزداد رأس المال الضخم توغلا في السياسة، وبالتالي ليمسك بمقاليدها مباشرة.. وهذا ماكان!

يتضح مما سبق أنّ صاحبة كتاب " الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية"، قد استشرفت، بناء على معطيات عملية تسندها الأرقام، ليس حلولَ حينٍ من الدهر تصبح فيه حيتان رأس المال الضخمة، أشخاصا كانوا أم شركات، هي الموجِهة لسياسات الدول الأعظم، انطلاقا من تمويلها لحملات أحزابها الإنتخابية، التشريعية والرئاسية، لأنّ ذلك قائم فعلا على أرض الواقع منذ سنوات طويلة وفي اضطراد. وإنما هو استشرافٌ لحلول وقتٍ تتقدم فيه تلك الحيتان مباشرة ومن دون وساطة السياسيين إلى اعتلاء سدة الحكم بنفسها، لتصبح هي صاحبة السيادة بما أنفقته من مالها بسخاء في المعارك الانتخابية. ولعل فوز الملياردير الأمريكي دونالد ترمب، بمفاتيح البيت الأبيض الذي دخله "ديمقراطيا" بالانتخابات، وواقعيا بسطوة ماله الوفير، في العشرين من جانفي من عام 2017، برغم كل التعليقات الساخرة من "عجرفته وعنجهيته"، لأكبر دليل على بداية هذا العهد بشكل رسمي وكامل الوضوح، على غير ماسُجل في حالات سابقة مع سياسيين أصحاب أعمال في تفس الوقت، مثل آل بوش وغيرهم..

كما أنّ الحال لم يقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية، بل رأى كثير من المحللين أنّ إيمانول ماكرون، هو صنيعة كبريات البنوك والدوائر المالية، برتبة موظف أو وكيل أعمال، لتنفيذ مخططها أو برنامج عملها، على الصعيدين الفرنسي والأوربي معاً.. هكذا إذن يمضي النظام الرأسمالي العالمي في توسعه المحموم جريا وراء مراكمة الأرباح باستخدام كل الأسلحة لتحقيق السيطرة، ليس على الأسواق العالمية فحسب، بل وأساسا على سياسات الدول الضعيفة للإبقاء على تبعيتها لتلك الحيتان الضخمة المسماة مجازا الدول الكبرى، أو المتسترة وراءها، من نوع الهيئات المالية العالمية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما..وإذا كان عامل التنافس داخل ما أُطلق عليه السوق الحرة، السمةَ الطابعة للنظام الرأسمالي، فإنّ أشكاله ولبوساته تتغير وتتبدل بحسب الأهداف التي تروم تلك الحيتان تحقيقها.. أو ابتلاعها.. ومن أجل المساعدة على بسط نفوذها وإحكام قبضتها على أكثر ماتقدر عليه من أسواق ومن دول، فإّنها تعمل على تفريخ نيابات أو فروع محلية لها في تلك الأسواق/البلدان، همها تكديس الأرباح بأي وسيلة ومن أي باب، وتنوبها في الصرف،ببذخ، على ماتقدر عليه من أحزاب وكيانات سياسية حتى تتحكم في قراراتها، بل وتضبط لها مسبقا برامج عملها وخطط سيرها، التي تكون كلها في غير صالح تلك البلدان وشعوبها.

ومادامت مصالح تلك الدوائرالمالية وتلك الشركات الكبرى، وبالتالي مصالح تلك الدول الكبرى، تتقاطع في جوانب وتتباين في أخرى، فإنّ أذنابها تسير على نفس النهج، الأمر الذي يسلب الدولة قوة وقدرة رسم سياساتها وتنفيذها باستقلال من ناحية، ولمصلحة شعبها من ناحية ثانية، لأنّ الدولة بمؤسساتها قد أصبحت مخترقة بفلول تمثل تلك اللوبيات وترعى مصالحها. فتصبح قوى رأس المال غير الوطني ولوبيات الفساد المرتبطة بها، هي المتحكمة في جزء كبير من مفاصل الدولة، من هيئات قضائية
وهياكل ديوانية ومؤسسات عمومية وسائر دواليب الدولة، لينخرم الميزان التجاري وتنهار دعائم الإقتصاد الوطني، فترتفع نسبة التضخم، وتنهار قيمة العملة الوطنية أكثر فأكثر إلى أسفل درجاتها، وتتفاقم البطالة، لتعم الفوضى في النهاية، وتتفكك أوصال المجتمع، وتصبح البلاد لقمة سائغة لأكبر الحيتان المتربصة بها..

فلا نفع ساعتها في ديمقراطية مغشوشة تفتقر لأبسط مقومات صونها من هيمنة من يملك أكث رويدفع أكثر.. اللهم إذا حدثت المعجزة..

وماهذه الصراعات السخيفة بين مختلف أجنحة السلطة ، بما تفتعله كل جهة منها من تحركات أو اعتقالات أو إقالات أواستقالات، فيما السفينة في حالة غرق، إلا آخر الإنذارات بأنّ الخطر داهم ولم يعد يفصله عنا إلا مسافة تلك الشعرة التي قيل إنّها تقسم ظهر البعير!! فهل مازال في الوطن، وطننا، من أصحاب عقل وضمير ليمنعوا الكارثة ويعجلوا بتعقيمه ضد هذا الوباء المستفحل، وينقذوا الدولة من الانهيار؟

مختار اللواتي
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.