عبد الحفيظ الهرقام: حـتّى نجنّـــب تـونـس الوصفـات الـخاطئـة

عبد الحفيظ الهرقام: حـتّى نجنّـــب تـونـس الوصفـات الـخاطئـة

لعلّنا لا نبالغ في شيء إذا قلنا إنّ الأزمة السياسية التي تعيشها تونس بلغت هذه الأيّام منعطفا خطيرا يتجلّى في بلوغ تعفّن المشهد العام أقصى درجاته وارتفاع منسوب المناكفات والمشاحنات بين  أطراف غدا همّها الوحيد اكتساب مواقع متقدّمة قبل انتخابات 2019. لقد بدأت عمليات حشد الأنصار ومحاولات تشويه الخصوم وازدادت  وتيرة الاصطفاف وراء هذا الطرف أو ذاك ولم يتورّع جانب من وسائل الإعلام عن الانخراط في هذا الصراع ، ممّا يدعو إلى طرح أكثر من سؤال حول مدى حيادها واستقلاليتها.

ولأنّ العديد من التونسيين لم يعد يهمّهم شيء من أمر السياسة  والسياسيين بعد أن خبروا ممارساتهم ووقفوا عند غاياتهم ومراميهم فإنّهم  يتابعون الانحدار المخيف للطبقة السياسية  بمختلف مكوّناتها بألم وامتعاض شديدين وبنظرة لا يغيب عنها الوعي بخلفيّات الأمور ومسبّباتها.

ومن  المرجّح أن يحتدم الصراع من أجل السلطة وتتّخذ التوتّرات السياسية والاجتماعية نسقا تصاعديا كلّما اقتربنا من موعد إجراء الانتخابات. ومن البديهي الجزم بأنّ تونس غير قادرة  على تحمّل المزيد من الهزَّات والتقلّبات خلال هذه الفترة المفتوحة على كلّ الاحتمالات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فما الحلّ إذن لدرء كلّ هذه المخاطر وللحفاظ على استقرار تونس وأمنها ؟    

لا نعتقد أنّ الحلّ الأمثل يكمن في تبنّي المقترح الذي تقدّمت به «مجموعة الأزمات الدولية» (International Crisis Group) في دراسة لها حول تونس والمتمثّل في تشكيل حكومة تكنوقراط إذا ما تواصلت خلال الأشهر القادمة التوتّرات السياسية والاجتماعية ممّا من شأنه «أن يدعم الثقة بالمؤسّسات ويحدّ من الخصومات السياسوية ومن الأحقاد تجاه الطبقة السياسية». وعلاوة على عدم نجاعة هذا المقترح وطول الوقت الذي قد يستغرقه تشكيل هذه الحكــومة والجدل الذي سيثيره فإنّه يتعارض مع قواعد الديمقراطية التي تقتضي أن تواصل الأغلبية تحمّل مسؤولية الحكم إلى حين إجراء انتخابات جديدة.

كما لا نرى أنّه من الصائب الأخذ بالمقترح الذي يُروّج له في الكواليس والمتمثّل في تقديم موعد الانتخابات التشريعية إلى الربيع القادم «حتّى تُجرى الانتخابات الرئاسية في أجواء هادئة». وبالإضافة إلى كون هذا المقترح لا ينسجم مع الفصل 56 من الدستور الذي ينصّ على أنّ مجلس نوّاب الشعب يُنتخب لمدّة خمس سنوات خلال الستين يوما الأخيرة من المدّة النيابية فإنّ غالبية الأحزاب  لن تكون في ذلك التاريخ على استعــداد لخـــوض غمار الانتخابات، ما عدا حركة النهضة.

أمّا المقترح الثالث الذي ما فتئ يطرحه بإلحاح عدد من السياسيين ورجال القانون فهو يتعلّق بتعديل الدستور قصد تغيير النظام السياسي في اتّجاه منح صلاحيات أوسع لرئيس الجمهورية، فإنّه على وجاهته في جوانب عدّة ، يطرح إشكالية أساسية تتمثّل في تشعّب المسار الدستوري وضرورة إيجاد أكبر توافق ممكن حوله، علاوة على احترام قواعد اللعبة الديمقراطية بعد إقرارها. غير أنّ تنقيح النظام الانتخابي في سبيل  منع تشتّت الأصوات وضمان أغلبية مريحة في مجلس نوّاب الشعب من شأنه أن يمثّل عامل استقرار سياسي في المستقبل.  

إنّ الخروج من المأزق السياسي الذي تردّت فيه تونس يتطلّب من كلّ الأطراف الفاعلة في الساحة الوطنية التحلّي بالحكمة والرصانة  والجنوح إلى الحوار والتشاور لمعالجة المشاكل القائمة وتجنيب البلاد الوصفات الخاطئة التي لن تؤدّي إِلَّا إلى مزيد تعكّر الأوضاع وتأزّمها. كما يتطلّب من القوى الديمقراطية والتيارات الوسطية تكاتف الجهود والعمل بجدية من أجل تحقيق توازن في المشهد السياسي بما  يحول دون «تغوّل» حركة النهضة المنتشية بالنتائج الإيجابية التي حقّقتها في الانتخابات البلدية الأخيرة ويساعد على تثبيت توجّه الدولة المدني والحداثي

عيــد أضحــى مبــارك وكلّ عـــام وأنتــم بخيــــر

عبد الحفيظ الهرقام

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.